من "المش المصري" إلى الطاجين المغربي... للدود في الأكل طعم آخر

الاثنين 23 مايو 202204:50 م


مع ظهور فيروس كورونا المستجد، وانتشار شائعات تقول إن السبب في انتشار الفيروس إقدام "رجل صيني على أكل خفاش مصاب بالفيروس"، اهتمت وسائل الإعلام حول العالم، وبخاصة في العالم العربي، بالحديث عن العادات الغذائية الغريبة للشعب الصيني، وصارت عبارة "منك لله يا اللي أكلت الخفاش" عبارة شائعة للسخرية بين المصريين، على الرغم من أن مصر كانت من أقل دول العالم تشدداً في الإجراءات الاحترازية. 

سخرية المصريين والعرب من عادات الطعام في الصين ومناطق جنوب شرق آسيا، كثيراً ما تُغفِل كون المنطقة العربية تتمتع بعادات طعام وأطعمة غريبة، تبدو لغير العرب منفرة أو ربما مثيرة للقرف. هذه الأطعمة بعضها مشترك بينهم وبين شعوب أخرى تفصلها عنهم آلاف الأميال، لكن يجمعها بهم تشابه الظروف الاقتصادية والمناخية والمكونات الجغرافية، ما يفرض حالات تراوح بين الوفرة والندرة في الغذاء، وسلوكاً غذائياً ينطلق من الحفاظ على كل ما يمكن أن يؤكل وإن بدا مقرفاً، مثل تناول أمعاء الحيوانات في مصر والمكسيك والفلبين.

سخرية المصريين والعرب من عادات الطعام في الصين ومناطق جنوب شرق آسيا، كثيراً ما تُغفِل كون المنطقة العربية تتمتع بعادات طعام وأطعمة غريبة، تبدو لغير العرب منفرة أو ربما مثيرة للقرف

لكن من أكثر الممارسات الغذائية العربية غرابة، قبول تناول بعض أنواع الحشرات، كالجراد و"الدود". وتكاد تتفق معظم ثقافات العالم على النفور من تناول الحشرات. لكن عادات تناول الحشرات مثل أكل الجراد في السعودية، وتناول "دود المش" المصري يظهر في أكلات أخرى في دول بالغة الثراء، في وقت يرجح خبراء المناخ أن الجفاف قد لا يترك لنا – نحن البشر- سوى الحشرات مصدراً للبروتين في مستقبل لم يعد بعيداً.

الدود في البرلمان


انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية فيديو يصور واقعة في واحد من الطاعم السياحية المغربية، إذ اكتشفت سيدة أن الـ"طاجين" اامقدم لها يحوي دوداً. 

أثار الفيديو الذي نشرته هذه السيدة حالة من الاستنكار والتقزز على مواقع التواصل الاجتماعي، وتساءل غير المغاربة هل كان الدود قد وصل الطاجين بسبب إهمال أم أنه أحد مكوناته، خاصة أن باقي رواد المطعم لم يبد عليهم الاهتمام أو الاستنكار. ووصل صدى الفيديو إلى البرلمان المغربي الذي فتح تحقيقاً في الواقعة.

"المش بدوده"

في إحدى مقابر سقارة، عثرت بعثة استكشافية عام 2018 على أقدم جبن محفوظ في العالم، وقال بول كيندستاين، أحد الكيميائيين الذين عملوا على تحليل "الكتلة البيضاء المتحجرة" لصحيفة نيويورك تايمز: "هذا الجبن لا بد أنه كان له مذاق حمضي قوي". الجبن نفسه كان يحوي (لحظة تصنيعه) وجوداً بكتيرياً قوياً. ما يصفه من عثروا على اقدم جبن في العالم، بأنه يتفق مع نوع من الجبن يتوارث المصريون صناعته منزلياً منذ زمن غير معروف. 

"المش" ليس النوع المصري الوحيد من الجبن الذي توجد فيه الديدان أحياناً، فما لا يعرفه الكثيرون هو أن الجبن "الرومي" المصري الذي يصنع بطريقة تعتيق اللبن، كثيراً ما يحوي يرقات لا تظهر لآكليه

لا يكاد بيت مصري من أصول تعود إلى الصعيد أو الدلتا يخلو من علبة أو "زلعة" تحوي الجبن المصري المعتق الذي يسمى "جبنة قديمة" وهو عبارة عن مكعبات من "الجبنة القَرِيش" (جبن طبيعي مصنع منزلياً في بيوت الفلاحين) المغمورة في سائل بني أو اصفر مكون من اللبن والملح وبقايا هريسة الجبن إلى جانب "خميرة" تحوي البكتريا اللازمة لتخمير السائل والجبن الذي يحويه، هذا السائل يدعى "المش"، وتتفنن بعض ربات البيوت بإضافة مبشور الجبن الرومي (جبن مصري)، وقشور البرتقال أو اليوسفي. هذا السائل وما يحتويه، إن لم يعامله صانعه / صانعته بكثير من الأدوية والتوابل الحارة، تسعى فيه ديدان صغيرة. اللافت أن كثيراً من آكليه لا يأنفون منها.

علماً أنه ليس النوع المصري الوحيد من الجبن الذي توجد فيه الديدان أحياناً، فما لا يعرفه الكثيرون هو أن الجبن "الرومي" المصري الذي يصنع بطريقة تعتيق اللبن، كثيراً ما يحوي يرقات لا تظهر لآكليه.

وعلى الرغم من تحذيرات خبراء التغذية من تناول المش الذي يحوي الديدان وتوضيحات تؤكد أنه عبارة عن يرقات ذباب تحوي الكثير من البكتريا، إلا أن تلك التحذيرات لم توقف فقراء المصريين عن تناول المش المعتق "بدوده" الذي يكون أحياناً غذاء بعضهم الوحيد. 

ركزت الدراسة على فوائد تناول "الحشرات القابلة للأكل" البيئة والغذائية، باعتبارها مصدراً وفيراً للبروتين، لا يحتاج إلى استثمار موارد كما تحتاج الماشية والدواجن، ويقدم كمية غذائية من البروتين والأحماض الأمينية تكاد تفوق ما تقدمه مصادر البروتين الحيواني 

في دراسة نشرتها دورية سبرينغر في عام 2018، تناول الباحثون تشوفي تانغ، ودينغ يانغ، وهويان لياو الفوائد الغذائية من تناول الحشرات. 

في دراستهم وثق الباحثون تاريخ ممارسة تناول ما حددوه بـ"الحشرات القابلة للاكل" Entmophagy، وقدروا أن تاريخ تلك الممارسة يصل إلى نحو 7000 آلاف عام. وركزت الدراسة على فوائد تناول "الحشرات القابلة للأكل" البيئة والغذائية، باعتبارها مصدراً وفيراً للبروتين، لا يحتاج إلى استثمار موارد كما تحتاج الماشية والدواجن، ويقدم كمية غذائية من البروتين والأحماض الأمينية تكاد تفوق أحياناً ما تقدمه مصادر البروتين الحيواني الأخرى (الماشية والدواجن والأسماك).

وخلص الباحثون إلى أن تناول الحشرات وتربيتها في موارع مخصصة "قد يحل مشكلة الغذاء العالمي" وفقر مصادر البروتين ومشكلات الاحتباس الحراري الناجمة عن التوسع في تربية الماشية المدرة للحوم. ولكن على الرغم من تلك الفوائد الغذائية والبيئية التي يروج لها الباحثون، وقيام كثير من شعوب العالم خاصة في الدول شحيحة الموارد، يبقى أن الثقافة هي التي تحكم الغذاء وعاداته. 

وعلى الرغم من تقززهم الدائم من مجرد فكرة تناول الحشرات، من يدري ربما يكون المش مؤهلاً لإيجاد مصادر بروتين بديلة خاصة مع استعداد المصريين لدخول مرحلة تناول أوراق الشجر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard