شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
الحقيقة والأسطورة في رواية

الحقيقة والأسطورة في رواية "الأسلحة الفاسدة"... لماذا فشلنا في محاسبة قادة جيش 1948؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الأحد 22 مايو 202205:43 م

"حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء

تحية واحتراماً وبعد

فقد عرضت ظروفاً خاصة تحول دون الاستمرار في رئاسة ديوان المحاسبة، ولذلك أتشرف بأن أرفع إليكم استقالتي من رئاسة الديوان راجياً التفضل بقبولها، كما أرجو أن تتقبلوا شكري لكم وإلى حضرات أصحاب المعالي الوزراء على ما لقيته منكم من صادق المعونة وحسن المجاملة.

وتفضلوا رفعتكم بقبول عظيم احترام.

محمود محمد محمود"

على هذه الصورة جاءت استقالة محمود بك محمد محمود، رئيس ديوان المحاسبة (جهاز رقابي على مصروفات الخزانة العامة) في 20 إبريل/ نيسان 1950، إلي مصطفي باشا النحاس رئيس حكومة الوفد، على إثر الكشف عن مخالفات مالية جسيمة تم تمريرها على حساب حملة الجيش المصري إلى فلسطين، التي انتهت إلى هزيمته مع القوات العربية المشاركة في حرب 1948.

بعد يومين قُبِلت استقالة محمود بك من رئاسة الديوان، وأصدر بذلك مرسوماً بقصر القبة 23 أبريل/ نيسان 1950. وذلك وفقاً لأوراق محمود بك، المدونة بخط يده والموثقة في أرشيف مكتبة الإسكندرية، والمنشورة في صحيفة المصري اليوم في 11 أغسطس/ آب من العام 2009.

مثلت حرب 1948 نقطة تحول تاريخي هامة داخل المنطقة العربية، وأسست للحقبة التي تلتها. وجاء قرار الأمم المتحدة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1947، بتقسيم أراضي فلسطين مع توصية بإنهاء الانتداب البريطاني عليها أول مايو/ أيار 1948، لتدخل المسألة اليهودية في طور جديد بإعلان التعبئة العامة لليهود وإتمام مجموعة كبيرة من صفقات الأسلحة لتبدأ عمليات موسعة لزعزعة الاستقرار وترهيب أهل الديار، ولم تسلم القوات البريطانية نفسها من أعمال العنف حتى إعلان الاستيلاء على أرض فلسطين رسمياً لإقامة دولة إسرائيل في 15 مايو/ أيار من العام 1948.

  بانتهاء ثورة عرابي بالهزيمة وتمام نجاح الاحتلال، تغيرت أوضاع القوات المسلحة المصرية، ولم تعد الحروب من بين أولويات الجيش، الذي اقتصرت مهامة قبل حرب فلسطين على الحفاظ على الأمن الداخلي، وتحديداً أمن الحكم، كما تجلى في حادثة 4 فبراير (شباط) 1942

الجيش قبل الحرب

بانتهاء ثورة عرابي بالهزيمة وتمام نجاح الاحتلال، تغيرت أوضاع القوات المسلحة المصرية، ولم تعد الحروب من بين مهام الجيش، الذي اقتصرت مهامة قبل حرب فلسطين على الحفاظ على الأمن الداخلي، وتحديداً أمن الحكم، كما تجلى في حادثة 4 فبراير (شباط) 1942. وكان لهذا أثره على جاهزية الجيش لخوض الحرب في 1948.

وكانت الأسلحة المتوفرة لا تكفي سوى لتجهيز مجموعة لواء مشاة مستقل مع الاحتفاظ بباقي وحدات الجيش المكلفة بأعمال الأمن والحراسة ببعض الأسلحة الخفيفة التي لا تحقق الكفاءة التامة إذ ما تطلب الأمر اشتراك تلك الوحدات كاحتياط لتطور العمليات.

أما موقف الذخيرة فكان أكثر سوءاً، إذ كانت الذخائر المتوفرة بصفة عامة لا تكفي للقتال المستمر، سوى لفترة تتراوح بين أسبوعين للمدافع وأربعة أسابيع للبنادق والرشاشات، ويؤكد ذلك تعليق "عثمان باشا المهدي" رئيس هيئة أركان الجيش المصري أثناء حملة فلسطين، حسبما نقلها الباحث عادل غنيم في دراسته "حقيقة الاستعدادات العسكرية العربية قبيل الحرب العربية الإسرائيلية"، ويقول رئيس الأركان: "فوجئنا بحملة فلسطين، ولم نكن على أهبة الاستعداد، وقد عارضت دخول الحرب لعدم وجود عتاد، لكنهم أرغمونا عليها".


الحرب على الحافة

 لم تكن للحكومات العربية ولا للكيان السياسي الجامع لهم "جامعة الدول العربية"، سياسة قاطعة حيال المشكلة الفلسطينية، وفق ما يسجله صالح الجبوري في كتابه "محنة فلسطين وأسرارها"، حيث ترددت أغلب الحكومات العربية في بدء العمليات الحربية داخل فلسطين قبل 15 مايو/ أيار، نظراً لبقاء فلسطين تحت سلطة الانتداب البريطاني من سبتمبر/ أيلول 1922 حتى نوفمبرتشرين الثاني 1947، مما يجعل أي تدخل عسكري؛ بمثابة اعتداء على الدولة صاحبة الانتداب.

ظهر ذلك في قرار القيادة السياسية المصرية الممثلة في الملك فاروق، ورئيس الوزراء حينها محمود فهمي النقراشي باشا، بالتدخل العسكري الذي جاء قبل نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين بأسبوعين فقط، وهو ما بدا واضحاً في خطاب النقراشي باشا بالجلسة السرية التي عقدها مجلس النواب للبت في أمر حملة فلسطين، والمسجل ضمن مضبطة الجلسة، التي وردت في كتاب "حرب فلسطين في مذكرات عبد الناصر- يوميات حسنين هيكل" لمحمود صالح.

اجتماع قيادات جامعة الدول العربية ومفتي القدس بشأن حرب فلسطين

في دراسته "حقيقة الاستعدادات العسكرية العربية قبيل الحرب العربية الإسرائيلية الأولى"، يرصد الباحث عادل حسين غنيم، أن مجلس الشيوخ المصري أقر المشاركة في الحرب دفاعاً عن وحدة الأراضي الفلسطينية العربية، قبل نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين بيومين فقط، ولم يخطر المجلس رئاسة الجيش رسمياً بقراره إلا في مايو/ أيار 1948، أي قبل بداية التدخل الحربي ببضعة أيام.

وبسبب القصور الشديد في السلاح والعتاد الحربي اللازمان لدخول الجيش المصري الحرب، ونظراً لضيق الوقت، تم تشكيل لجنة يوم 13 مايو لشراء الأسلحة والذخائر، سميت "لجنة احتياجات الجيش".

جزء من مضبطة جلسة مجلس الشيوخ جلسة منتصف مايو، نقلا عن مدونة الملكية المصرية


لجنة احتياجات الجيش ومخالفاتها

ولما كانت الأسلحة تمثل أكبر عائق للجيش المصري في حملته إلى فلسطين، فقد أمر مجلس الوزراء في 13 مايو/ أيار 1948 بالترخيص لوزارة الحربية التحلل من جميع القيود والإجراءات المالية المقررة، وعلى أن يشكل وزير الحربية لجنة مختصة، يوكل إليها سلطة إبرام الصفقات اللازمة لسد احتياجات الأسلحة والذخيرة.

ولم تكن "لجنة احتياجات الجيش" تمتلك الوقت أو الوسائل اللازمة لجمع المعلومات عن مواصفات الأسلحة ومدى صلاحيتها، وأولوية الحصول عليها، خاصة في حالةالحرب العاجلة، فاضطرت اللجنة إلى الاعتماد على مجموعة من السماسرة والوسطاء للتعاقد بالنيابة عنها مع شركات الأسلحة للتحايل على هذا القرار والحصول على الأسلحة والذخائر في أسرع وقت ممكن، مما فتح الباب على مصراعيه أمام العمولات غير المشروعة لتحقيق مكاسب ضخمة.

جزء من مضبطة جلسة مجلس الشيوخ جلسة منتصف مايو، نقلا عن مدونة الملكية المصرية

تكشف وثائق محمود بك رئيس ديوان المحاسبة، اعتماد مجلس النواب ميزانية "1948/ 1949" بتخصيص مبلغ 4 ملايين جنيهاً لحملة فلسطين، ارتفع إلى 9 ملايين جنيهاً في يونيو 1948 لمواجهة المصروفات الإضافية، كذلك خصصت ميزانية "1949 / 1950" مبلغ 14 مليون جنيهاً مع رفع تكاليف الحملة من 30 مليون إلي 42 مليون جنيه. فى حين أن جملة المصروفات الإضافية التى أنفقتها وزارة الحربية على تلك القوات حتى نهاية السنة المالية 1948/ 1950 بلغت 21.866.245 جنيه (نحو 22 مليون جنيه)، أما الباقي وقدره 20.133.744 جنيه (نحو 20 مليون جنيه)، فقد ظل تحت تصرف الوزارة للإنفاق منه على القوات المذكورة ابتداء من السنة المالية 1949/1950.

وجاءت صفقة القنابل الإيطالية التي تعاقد عليها القائمقام "عبد الغفار عثمان" لتوريد 250 ألف قنبلة يدوية من مصانع " كستر وزيوني ميكانيكا" بسعر 750 مليماً للقنبلة، في حين كان سعر القنبلة فعلياً لا يتعدى 250 مليماً، وسعر النوع المحلي الذي تصنعه مصلحة السكك الحديدية المصرية لم يتعدى 370 مليماً.

أما صفقة قذائف "الأنرجا" كانت كمياتها وأسعارها "كبيرة بشكل ملفت من دون مبرر" خاصة أنها وصلت بعد انتهاء الحملة، ربما كان كثرة وسطاء هذه الصفقة وراء الأسعار المبالغ فيها، إذ تم التعاقد عليها بواسطة كل من توفيق أحمد باشا وكيل وزارة الحربية، واللواء إبراهيم المسيري وعبد الغفار عثمان وغيرهم.

كشفت مراجعة ديوان المحاسبة لمستندات شراء الأسلحة والذخائر الخاصة بحملة فلسطين التي قدمتها وزارة الحربية، عن حقيقة أن 25% من "نفقات التسليح" أنفقت بالفعل في شراء الأسلحة، بينما 75% من القيمة تم إنفاقها في غير الغرض المحدد لها

وتأتي الصفقات الأكثر تجاوزاً التي عقدت مع شركة "براندت" ومحل "ج ـ ابرانخت" لصاحبها "مسيو بيسارا"، الذي استغلال علاقته بأعضاء اللجنة للتعاقد على صفقة بقيمة 377 ألف جنيه، لتوريد مدافع الهاون وقنابله التي لم يتم الانتفاع بها خلال الحملة، بسبب التأخر في مواعيد توريدها، والمثير للدهشة تزامن هذه الصفقات في وجود إنتاج شركة مصرية لمدافع الهاون وذخيرتها بأسعار أقل، ظلت في انتظار اختبار صلاحيتها حتى انتهاء الحملة.

محمود بك محمد محمود- رئيس ديوان المحاسبة الذي استقال رفضاً للتقاعس عن محاسبة مُهدري لمال العام

وفي صيف 1948 كلف وزير الحربية لجنة الاحتياجات بتحرير أكثر من عقد مع شركة F.N لشراء 20 ألف بندقية عادية و700 بندقية نصف آلية، جاءت أسعارها ضعف ثمن البندقية "انفليد" الإنجليزية، ويعلق محمود بك في أوراقه، أنه الغريب في الأمر إصرار لجنة الاحتياجات التمادي في التعاقد مع هذه الشركة، رغم التأخير في التوريد. إذ لم تصل أى بندقية نصف آلية حتى 1950، ربما ذلك لصالح الخواجة "أدمون جهلان" وسيط شركة F.N ولو أن اسمه لم يظهر في أي عقد من عقود هذه الصفقات.

ثم تأتي تعاقدات وزارة الحربية مع مصنع "أورليكون" لتكشف عن مدى التخبط في القرارات والارتجال بتنفيذها. فوفقا لما ورد في تقارير ديوان المالية، تم دفع مبلغ ستط ملايين و200 ألف فرنك لإنتاج ذخيرة 20 مم، في حين أن المدافع التي كانت موجودة لدى القوات المسلحة من هذا النوع، لا تتجاوز 50 مدفعاً ذات طراز قديم، استوردت وقت الحظر. في الوقت الذي يتعاقد السلاح الجوي على شراء طائرات حديثة مسلحة بمدفع من طراز "هسبان" تحتاج إلي ذخيرة مختلفة تماماً عن ذخيرة "أورليكون" التي جرى التعاقد عليها بتوقيع من قائد الطيران.

ويرصد محمود بك في أوراقه تجاوزات مكاتب قادة الجيش، وتحميلهم مخصصات حملة فلسطين عبء مصروفات إضافية منها شراء طقم كريساتال أونيكس لمكتب القائد العام، وشراء مراوح وكنب جلد وسجاجيد

ومن العجب أن تكشف الوثائق عن تخصيص مبلغ 165 ألف جنيها لشراء يخت "فخر البحار" ، وأصل ثمنه لا يتجاوز 60 ألف جنيهاً.

ويشير محمود بك إلى تجاوزات مكاتب القادة، وما تم وقتها من تحميل مخصصات حملة فلسطين مصروفات إضافية صرفت في غير جهات الصرف المحدد لها، حيث أمر السلاح البحري بصرف 34 جنيها قيمة 8 محافظ جلد لحفظ الأوراق، و40 جنيها لشراء طقم مكتب كريستال أونيكس لمكتب القائد العام. كما أمر وزير الحربية بصرف 42 جنيهاً لشراء سجادة و75 جنيهاً شراء كنبة جلد 4 كراس، بالإضافة إلى تخصيص مبلغ 78 جنيها ودفاية لمكتب قائد سلاح المدفعية، و 19.5 مخصصة لشراء مروحة كهربائية وضعت بمكتب الطوارئ في ثكنات قصر النيل.

ويعد أخطر ما كشف عنه ديوان المحاسبة أثناء مراجعته مستندات مصروفات حملة فلسطين، تزوير في بصمات وتوقيعات تسلم المكافآت والعلاوات الاستثنائية المخصصة للضباط والجنود المشاركين في الحملة.

هكذا كشفت مراجعة ديوان المحاسبة برئاسة محمود بك لمستندات شراء الأسلحة والذخائر الخاصة بحملة فلسطين التي قدمتها وزارة الحربية بتاريخ 14 يونيو/ حزيران 1949، عن حقيقة أن 25% من نفقات التسليح أنفقت بالفعل في شراء الأسلحة، بينما 75% من القيمة المخصصة للحملة تم إنفاقها في غير الغرض المحدد لها.

قامت حكومة الوفد برئاسة النحاس باشا وبالاتفاق مع القصر بالضغط علي محمود بك للتراجع عن موقفه في محاسبة الجيش وقياداته على التجاوزات المالية، وتعديل تقريره الخاص بحسابات حملة فلسطين، الأمر الذي جعله يصر على تقديم استقالته

مناورات الإفلات من المحاسبة

تخبرنا أوراق محمود بك، أن ديوان المحاسبة طلب من وزارة الحربية في سبتمبر/ أيلول 1948، إعداد مستندات شراء الأسلحة والذخائر الخاصة بحملة فلسطين، وفقا للقانون 52 لسنة 1942، الذي يمنح حق مراجعة مستندات الصرف الحكومية لديوان المحاسبة. غير أن وزارة الحربية، طلبت تأجيل الأمر لسرية المستندات نظراً لعدم انتهاء الحرب، إلا أنه في 14 يونيو/ حزيران 1949، وبعد توقف الأعمال العسكرية في فلسطين، استجابت وزارة الحربية لطلبات ديوان المحاسبة المتكررة بتسليم مستندات شراء الأسلحة والذخائر أثناء حملة فلسطين، لتكشف المستندات عن مخالفات مالية جسيمة تم تمريرها تحت سلطة لجنة الاحتياجات، وتجاوزات إدارية أضيفت على حسابات حملة فلسطين.

ويذكر محمود بك رئيس ديوان المحاسبة في أوراقه أنه بعد مقابلته مع حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي، توجه في الواحدة من ظهر نفس اليوم (14 يونيو 1984) للقاء النحاس باشا – رئيس الوزراء وقتها- الذي "أبدى عن وجهة نظر الوزارة بوجوب معالجة الأمور بشيء من السرية، ومراعاة ما تقضي به المصلحة العامة، وأنه يمكن تعديل أو حذف ما ورد في التقرير".

 على هذه الصورة قامت حكومة الوفد برئاسة النحاس باشا وبالاتفاق مع القصر بالضغط علي محمود بك للتراجع عن موقفه في محاسبة الجيش وقياداته على التجاوزات المالية، وتعديل تقريره الخاص بحسابات حملة فلسطين، الأمر الذي جعله يصر على تقديم استقالته في 20 إبريل/ نيسان 1950.

ويشير حسين باشا هيكل، في كتابه "مذكرات في السياسة" كيف أثار ذلك حفيظة مصطفى بك مرعي عضو مجلس الشيوخ، الذي قدم في 8 مايو/ أيار 1950، استجواباً لحكومة الوفد حول الأسباب التي دفعت رئيس ديوان المحاسبة إلى تقديم استقالته، ليعلن بعد ذلك عن الضغوط التي تعرض لها محمود بك من حكومة الوفد بسبب التقرير الذي أصدره الديوان، والذي تضمن تجاوزات مالية خاصة بحملة فلسطين. وأن هناك سماسرة بعضهم يعمل في الحكومة المصرية والبعض منهم من المقربين للقصر قد تربحوا من ذلك، على رأسهم حسن عاكف ياور الملك فاروق، وشخصيات مثل رودى أبو رجيلة، والنبيل عباس حليم، والخواجة أدمون جهلان. تلك الأسماء ذكرها محمود بك في أوراقه، كما ذكرها حسين باشا هيكل في كتابه.

محمد حسين باشا هيكل: "هذه قصة المأساة الدستورية التي أضافت دليلاً محزناً، على أن الحياة النيابية فى مصر مسرحية تُمَثَّل"

ويضيف هيكل باشا، أنه تقرر تأجيل رد الحكومة على طلب استجواب مرعي بك إلي جلسة 29 مايو/ أيار من العام 1950، لتبدأ مناورات رجل الوفد القوي فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية آنذاك، الذي جاء رده عنيفاً، معللاً استقالة رئيس ديوان المحاسبة لظروف تتعلق بمهام أعماله لا علاقة لها بملاحظاته على نفقات حملة فلسطين، مؤكداً أن تأخر وزارة الحربية في الرد لا يعد سبباً كافياً لتقديم استقالته، وأن "هناك آلاف الطلبات لها سنوات ولم يُرَد عليها بعد من مختلف الهيئات والوزارات".

وانتهت مناقشات المجلس في النهاية إلى قرار تشكيل هيئة تحقيق، مع إحالة الاستجواب إلى لجنة الشؤون الدستورية. ويشير هيكل باشا إلى مدى انزعاج الملك فاروق من تلك الجلسات الاستجوابية باعتبارها "مظهراً من مظاهر التشنيع عليه وعلى رجال القصر بهدف تشويه صورته الشخصية"، ويذكر هيكل كيف انتهى الأمر في 17 يونيو/ حزيران 1950 بإصدار ثلاثة مراسيم ملكية، شكلت اعتداءً صارخاً على الدستور، إذ قرر الملك إطاحة غالبية أعضاء مجلس الشيوخ، وعلى رأسهم مصطفى بك مرعي صاحب الاستجواب، وإنهاء رئاسة محمد حسين باشا هيكل للمجلس. وهو ما علق عليه الأخير في كتابه بقوله: "هذه قصة المأساة الدستورية التي أضافت دليلاً محزناً، على أن الحياة النيابية فى مصر مسرحية تُمَثَّل".

ولادة أسطورة الأسلحة الفاسدة

بالتزامن، بدأ الصحافي الشاب – وقتها- إحسان عبد القدوس حملة بعنوان "محاكمة مجرمي حرب فلسطين"، نشرت على صفحات مجلة روز اليوسف.

بدأت حملة إحسان في 13 يونيو/ حزيران 1950، ووجه خلالها الاتهامات إلى بعض من رجال القصر، والعديد من ضباط الجيش. محملاً إياهم مسئولية صفقات الأسلحة والذخيرة غير المطابقة للمواصفات، التي اتهمها أنها كانت وراء هزيمة الجيش في فلسطين.

ثم جاء مقال إحسان بالعدد 1150 من مجلة روز اليوسف الصادر في 27 يونيو من العام نفسه، ليهاجم السياسة التي انتهجها حزب الوفد، والتي تقتضي عدم التدخل في شؤون الجيش، والتي ظهرت بوضوح في بيان فؤاد باشا في مجلس الشيوخ رداً على استجواب مصطفى بك مرعي.

بدأ النائب العام التحقيقات التي أسفرت عن تقديم بعض رجال القصر للمحاكمة،  ومعهم عدد كبير من رجال الجيش، على رأسهم اللواء إبراهيم بك المسيري مدير سلاح المهندسين، وتوفيق أحمد باشا وكيل وزارة الحربية، وأمير البحر (قائد البحرية الملكية) أحمد بدر، بتهمة الاستيلاء على أربعة ملايين و128 ألف دولار أمريكي

وقد لقيت مقالات إحسان عبد القدوس تجاوباً كبيراً من الرأي العام، ونجحت في تكوين ضغط شعبي ضد الحكومة والقصر، مما دفع وزير الحربية الفريق محمد حيدر تحت هذا الضغط الشعبي إلى تقديم بلاغ للنيابة العامة يطالب بالتحقيق فيما نشر بصحيفة روز اليوسف بخصوص صفقات أسلحة حملة فلسطين.

وبالفعل بدأ النائب العام محمد بك عزمي التحقيقات التي أسفرت عن تقديم بعض رجال القصر للمحاكمة، كان أولهم حسن عاكف الطيار الخاص للملك، والنبيل عباس حلمي، وأدمون جهلان صديق الملك الشخصي، وعدد كبير من رجال الجيش، على رأسهم اللواء إبراهيم بك المسيري رئيس لجنة الاحتياجات ومدير سلاح المهندسين، وتوفيق أحمد باشا وكيل وزارة الحربية والبحرية، وأمير البحر (قائد القوات البحرية) أحمد بدر، بتهمة الاستيلاء على أربعة ملايين و128 ألف دولار أمريكي.

كما تم اتهام القائمقام عبد الغفار عثمان، والبكباشي حسين منصور بتوريد أسلحة غير صالحة للاستخدام، مع إيقاف الفريق محمد حيدر وزير الحربية والفريق عثمان المهدى رئيس أركان الجيش عن العمل لحين انتهاء المحاكمة. إلا أنه في 27 مارس/ أذار1951، وفي ظل ملابسات غامضة، جاء قرار النائب العام بحفظ التحقيقات وإغلاق ملف تلك القضية تحت ضغط الملك وبتصديق من حكومة الوفد.

لماذا نفشل في محاسبة العسكريين

بالنظر لما سجله رفعت السعيد في كتابه "وثائق حرب فلسطين، الملفات السرية للجنرالات العرب"، فقد شكلت هزيمة الجيش المصري وما تبعها من تداعيات قضية الفساد المالي والإداري، حالة من الاحتقان العام. وخلقت كذلك اضطراباً سياسياً شديداً، كان حريق القاهرة أحد تجلياته. ما أدى في النهاية إلى إطاحة الملك ورجاله في يوليو 1952 بتحرك من الجيش نفسه ممثلاً في الضباط الأحرار، الذين وجدوا في تلك القضية فرصة مواتية ووسيلة دعائية جيدة، تدعم انتقال السلطة إليهم وتمركزها في يدهم.

ويشير ثروت عكاشة، عضو حركة الضباط الأحرار ووزير الثقافة في عهد عبدالناصر، في كتابه "مذكراتي في السياسة والثقافة" الصادر عام 1988: "وقد أملت علينا تلك الحرب القاسية أنه لا بد من تغير شامل، بعد ما لمسناه من قصور في الإعداد لها جرنا إلى الهزيمة، ومن هنا كانت نشأة تنظيم الضباط الأحرار".

في فيلم "الله معنا"، يتراجع الكاتب السينمائي إحسان عبدالقدوس عما اكتشفه الصحافي إحسان عبدالقدوس، لم يتعرض الفيلم على الإطلاق إلى الفساد بين قياات وضباط الجيش، وغياب المحاسبة عنهم وهو ما كتب عنه عبدالقدوس نفسه على صفحات روزاليوسف من قبل

فرصة للدعاية

كانت سردية الأسلحة الفاسدة من أهم الأوراق التي استخدمها الحكام الجدد في تثبيت شرعيتهم وتقويض أية شرعية للسلطة القديمة، فصدرت الكتب وأنتجت الأفلام السينمائية تحت إشراف السلطة الجديدة، ومنها فيلم "الله معنا" الذي أشرفت السلطة الجديدة على إنتاجه عام 1955 عن قصة إحسان عبد القدوس نفسه، ومن إخراج أحمد بدرخان.

في الفيلم، يتراجع الكاتب إحسان عبدالقدوس عما اكتشفه الصحافي إحسان عبدالقدوس، لم يتعرض الفيلم على الإطلاق إلى الفساد بين قياات وضباط الجيش، وغياب المحاسبة عنهم وهو ما كتب عنه عبدالقدوس على صفحات روزاليوسف خلال حملته للكشف عن القضية. في الفيلم كان الفساد كله من نصيب الملك ورجاله، بينما كان الجيش كله في سلة ضحية فساد أجهزة الحكم الملكية. أما الضباط، فأخذوا على عاتقهم مهمة تطهير البلاد بعد هريمة فلسطين بسبب من فساد السلطة، فقاموا بحركتهم المباركة لتشرق شمس 23 يوليو 1952 على مصر.

ويبدو أن نظام يوليو ومنذ البداية قد اتخذ قراراص بالاكتفاء بالبروباغاندا في تناول القضية، بدلاً من استغلال الوضع الجديد في محاسبة المسؤولين. ففي 9 ديسمبر/ كانون الأول 1952، أحيلت القضية للمستشار أحمد ثابت لفتح باب التحقيق من جديد، وأصدر القاضي حكمه في 10 يونيو/ حزيران 1953 ببراءة كل المتهمين، وتغريم عبد الغفار عثمان وحسين منصور مائة جنيه مصرياً لكل منهما بتهمة الإهمال.

وحتى يومنا هذا لا نعرف يقيناً السبب الرئيسي وراء أحكام البراءة، ولما اختفت حيثيات حكم المحكمة من سجلات القضاء، خاصة في السنوات الأولى من قيام حركة يوليو. ويتعجب ثروت عكاشة – الذي كان أحد عناصر نظام يوليو البارزة- في مذكراته، من إصرار نظامه على إثارة قضية الأسلحة الفاسدة باعتبارها سبباً مباشراً في هزيمة فلسطين 1948، وأبان أن القول بمؤامرة دبرت ضد الجيش المصري "حديث يتجاوز الحقيقة".

وفقا لعكاشة الذي عمل ضابطاً للمخابرات في القطاع الجنوبي للحرب في فلسطين أثناء 1948، فإن أغلب أسلحة وذخائر صفقات "لجنة احتياجات الجيش" لم تستخدم في حرب فلسطين، إذ تم توريد أغلبها بعد انتهاء الحرب فعلياً. وأن ما حدث يومي 7 و12 يونيو/ حزيران 1948، عندما انفجرت أربعة مدافع عيار 25 رطلاً، وما نتج عن ذلك من وفاة جنديين وإصابة ثمانين، إنما ترجع إلى جهل الجنود بالعمر الافتراضي لمواسير المدافع، حيث أن أحد هذه المدافع قد أطلق يوم انفجاره 49 قذيفة، بينما أطلق آخر 14 قذيفة، وقد أثبت أن هذه المدافع وذخيرتها لم تكن ضمن صفقات لجنة الاحتياجات.

ترجع أهمية شهادة ثروت عكاشة إلى موقعه العسكري في مسرح القتال عام 1948، وكونه أحد أبرز ضباط حركة يوليو، ما يبين أن تلك الأسلحة الفاسدة وتأثيرها على هزيمة الجيش المصري في فلسطين، هي سردية دعائية خالصة

أما بخصوص القنبلة اليدوية الإيطالية التي تسببت يوم 4 يناير/ كانون الثاني 1949، في إصابة الصاغ مختار دسوقي بيده، فيؤكد عكاشة أن ذلك قد تم نتاج سوء استخدام، إذ لم تثبت سجلات المعارك حوادث مشابهة أثناء استعمال تلك القنابل من 19 أكتوبر/ تشرين الأول، وحتى 26 ديسمبر/ كانون الأول 1949، وعن الألغام الأرضية التي كانت بلا فاعلية، فيؤكد أنها كانت صناعة محلية ينقصها فتيل الاشتعال.

وترجع أهمية شهادة ثروت عكاشة إلى موقعه العسكري في مسرح القتال عام 1948، وكونه أحد أبرز ضباط حركة يوليو ورفيق عبد الناصر ووزير ثقافته لعدة سنوات، ما يبين أن تلك الأسلحة الفاسدة وتأثيرها على هزيمة الجيش المصري في فلسطين، هي سردية دعائية خالصة وجد ضباط يوليو أنهم بحاجة إليها لخدمة عدد من الأغراض في وصم النظام القديم وتثبيت أرمان حكم وصورة البطولة للنظام الجديد. وأن الفساد الحقيقي كان فساداً مالياً وإدارياً لمجموعة من رجال السلطة والسياسة، واستغلت القضية لترسيخ مبدأ سياسي يقضي بعدم التدخل في الشؤون المالية الخاصة بالجيش، وهو ما فُرض بالفعل مع نظام يوليو وما زال يلقى بظلاله على حاضرنا.

وإن كان رفعت السعيد في كتابه "وثائق حرب فلسطين" يحيل الهزيمة إلى تردي الأوضاع العسكرية للجيش المصري، ونقص المعلومات وضبابية الخطط، بالإضافة إلى سوء إدارة المعركة التي تدار بشكل بطئ من القاهرة، وهو ما يتفق مع ما يرصده الباحث عادل غنيم في دراسته من الحالة "المتردية" التي كان عليها الجيش المصري إبان حملة فلسطين.

 ويرى عكاشة أن المشكلات اللوجستية المتمثلة في تواضع قدرات الجنود، والتدخل السياسي في سير المعارك أسبابا أساسية للهزيمة، مشيراً أن حكاية "الأسلحة الفاسدة" ظهرت وتعاظمت بسبب قيام بعض رجال القصر وقيادات الجيش بفرض عمولات لأنفسهم على صفقات الأسلحة والذخائر التي لا تخضع للقيود او المراقبة، ثم ما كان من الحملة الصحفية التي شنها الصحفي إحسان عبد القدوس ويذهب لاتهام هؤلاء بالتسبب في الهزيمة.

لا كرامة لمحرك الدعاية

إحسان عبد القدوس الصحافي النابغ الذي صمد أمام فساد الملك وتخاذل النخب، ومهد الطريق أمام حركة الضباط الأحرار للسيطرة على السلطة، قد انكسر قلمه الصحفي أمام بطش رفيقه العسكري، بعد أن تسبب مقالًا كتبه بعنوان "الجمعية السّرية التي تحكم مصر"، في اعتقاله عام 1954 بأمر من رفيقه عبد الناصر "رئيس الوزراء حينها"، لمدة تجاوزت 4 أشهر انتهت بانقطاع إحسان عن الكتابة السياسية والاكتفاء بالأعمال السينمائية. من هنا يمكننا أن نلمس، لماذا فشلنا في محاسبة عسكريو الهزيمة، ومن أين يجب علينا أن نبدأ إذا ما استهدفنا التغيير.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard