شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
من ذاق عرف... المرشد الروحي من عباءة الفيلسوف إلى صاحب الكرامات

من ذاق عرف... المرشد الروحي من عباءة الفيلسوف إلى صاحب الكرامات

ثقافة

الاثنين 23 مايو 202201:09 م

في أوقات كثيرة يشوب رؤيتي بعض الضباب. احتاج إلى من يمتلك من الخبرة ما يطمئنني لأضع أمامه أوراقي بأمان. أحكي له كل ما يدور بداخلي من أفكار وهواجس وقرارات معلقة. وأنا كلي يقين أنه سوف يصون سري ويساعد روحي الضالة على إيجاد الطريق.

كثيراً ما تكونت الملاحم الكبرى من أركان رئيسة: البطل – العدو- القوة العليا التي على البطل أن يتحاشى غدرها وينال رضاها، والنبوءة التي يلقيها مرشد يتمتع بالروحانية والحكمة ويدل البطل على الطريق إلى مصيره، إما بدحر العدو ونيل رضا القوى العليا، أو الخسارة والندم، إذا ما فاته الانتباه إلى التحذير.

هذا الحكيم كغيره من العناصر الملحة، ولد من احتياج واقعي لدى مستمعي الملحمة وقرائها، احتياج إلى مرشد يساعدهم على إيجاد الطريق واتخاذ القرار الصحيح الذي يضمن دحر الأعداء ونيل رضا الآلهة.

وعلى مر القرون اتخذ ذلك الحكيم اشكالاً ولبس ثياباً مختلفة، كان أقدمها ثوب الفيلسوف، وأبرزها ثوب رجل الدين، وأحدثها ثوب مدرب التنمية البشرية.

من تريسياس الأعمى الذي أغضب زيوس ثم نال رضاه والنبوءة، إلى عرفات الطيب صاحب الكرامات، يمتد تراث الإرشاد الروحي في الأدب والحياة، ويجد له مكاناً مهما تغيرت المجتمعات وطالتها يد الحداثة

الدراما والمرشد

كان ظهور المرشد الروحي، أو الحكيم العالم المنذر بالنبوءة قديماً قدم نشأة المسرح اليوناني، في المدينة يمضي تريسياس الأعمي منذراً ومحذراً، يلقي نبوءاته فلا يلتفت إليه أحد، حتى تتحقق رؤياه.وعلى درب تريسياس سارت الشخصيات في ميراث الدراما عندما انتقلت من وسيط العلبة المسرحية إلى الشاشة التلفزيونية، فأصبحت شخصية الشيخ العارف صاحب الهداية والنبوءة (التحذير) عنصراً مركزياً في الدراما، وهو ما يتردد صداه في الكتابات الدرامية للمصري عبدالرحيم كمال، الذي جعل من شيخه المتنبئ بطلاً لعمله الأحدث "جزيرة غمام".

عندما وقعت عيناي عليه في حلقات المسلسل، لمست تفاصيل شخصيته روحي الحائرة، فجلست استمع بحب إلى كلماته البسيطة التي تفيض بحكمة الخبير ويقين العارف. وكنت كثيراً ما أنسى أنه مجرد شخصية درامية رسم ملامحها الكاتب، لأتوحد مع "عرفات" وأتمنى أن يصبح دليلي ومرشدي.

 على مر القرون اتخذ ذلك المرشد الروحي أشكالاً ولبس ثياباً مختلفة، كان أقدمها ثوب الفيلسوف، وأبرزها ثوب رجل الدين، وأحدثها ثوب مدرب التنمية البشرية

الدراما ليست الواقع

"الشكل التلفزيوني المعتاد للمرشد الروحي غير موجود على أرض الواقع". تعلق الدكتورة آمال عويضة الكاتبة الصحافية بجريدة الأهرام. وتقول لرصيف22: "على مدار العمر، هناك معلمون ومرشدون يظهرون طوال الوقت دون أن نعرف أنهم كذلك، مثل الغراب الذي ظهر لقابيل ليكون معلماً ومرشداً في موقف صعب".

عند حميثرة سوف ترى

لعويضة تجربة مهمة مع الإرشاد الروحي، ففي عام 2015 انخرطت في التجربة الصوفية، بعد مرورها بفترة "عدم توازن" على الصعيد الشخصي، تحكي عن تجربتها قائلة: "معروف في الطرق الصوفية أنك لا بد أن تمر بتجربة صعبة أولاً، حتى تجد الطريق. وهذا ما حدث معي حين جمعني القدر بعم حسين، وهو صاحب ورشة حدادة قلبه معلق بآل البيت، وأخذ العهد من الطريقة الحامدية الشاذلية. وكنت طوال الوقت أسمع عن العارف بالله أبو الحسن الشاذلي والحج إليه، فجاءتني الفرصة من دون تخطيط وزرت حميثرة معهم".

يردد أتباع الطريقة الحامدية الشاذلية عن إمامهم قوله "في حميثرة سوف ترى"، ومن حيث مقام الإمام، يتطلعون إلى البر الآخر، ويعتقدون أن من صفا قلبه، فسوف يرى أنوار الحرم المكي من موضعه فوق الجبل، ويؤكد كثيرون منهم أنهم رأوه.

كررت عويضة الزيارة بعد ذلك "لطلب المدد". تقول: "كانت كلها أموراً أفعلها لحاجتي للدعم النفسي وقتذاك. لكني سرعان ما انشغلت بتحضير رسالة الدكتوراه. ثم سافرت لجنيف للعمل مراسلة للأهرام منذ 2017 وبقيت هناك حتى الآن".

في اعتقاد عويضة، استناداً إلى تجربتها: "المرشد الروحي غالباً ما يكون صوفياً منتمياً لطريقة، يعطيك العهد، ويلزمك بأوراد وصلوات محددة. لكن المرشد الروحي بالمعنى الرمزي قد يكون أي مخلوق من مخلوقات الله. فهناك مرشدون لا يرتدون عباءة المعلم، فالمعلم فكرة فلسفية أكثر منها فكرة مجسدة".

من ذاق عرف

إن كانت أمال عويضة انشغلت وابتعدت عن مرشدها الروحي بعد تجربة قصيرة لأنها أدركت منذ البداية اختلافها، لكنها لا تزال ممتنة له. لكن المخرج والممثل المسرحي أحمد حسن له تجربة طويلة في عالم الإرشاد الروحي بدأت في عام 1999 وتستمر حتى الآن. فهو أحد التابعين المخلصين للشيخ صالح أبو خليل شيخ الطريقة الخليلية.

يحكي حسن عن تجربته لرصيف22: "مررت في عامي الجامعي الأول بمشكلة كبيرة هددتني بالفصل، لكنها انتهت كأن شيئاً لم يكن بعد بشارة من أحد أتباع الشيخ صالح. ذهبت بعدها معه إلى مقره بالزقازيق وفزت برؤيته والحديث معه، وهو الأمر الذي لا يناله إلا المحظوظ من أتباعه الذين يصعب حصرهم. وبالرغم من أنه اللقاء الوحيد حتى الآن، أشعر دوماً بالتواصل الروحي معه من خلال الخليفة أو الملهم".

ويشرح حسن: "الملهم هو من يعطينا العهد، ويخاطبنا بعبارات تكون مدداً من شيخنا الذي يأخذها بدوره من دولة أهل الباطن، التي يأتيها المدد من الله مباشرة. فمن الممكن أن يجيب على سؤال يشغلني دون أن أطرحه. كذلك قد يأتيني الإلهام عن طريق الرؤى، أو عن طريق عابر سبيل".

وعن مناقضة تلك الفكرة لعماد الإسلام "لا وساطة بين العباد وربهم" يقول حسن: "الإلهام أمر مختلف. الإلهام نور ليس كل شخص مؤهلاً لاستقباله مباشرة دون وسيط. ولكي تكون مؤهلاً للصفاء الروحي واستقبال إلهامك الخاص، يجب أن تكون مقيماً لصلواتك، ملتزماً بشريعتك، محافظاً على أورادك، وهي الأمور التي يحرص مرشدك الروحي على حثك عليها، حتى تصل روحك مرحلة الصفاء المنشودة".

عباءة الفيلسوف وعمامة الشيخ

للمرشد الروحي وجود كبير على الشاشة. كانعكاس لإيمان المصريين بالروحانيات والغيبيات. وهو ما يلاحظه الناقد الفني رامي عبد الرازق، الذي يقول لرصيف22: "مسألة الإرشاد الروحي في السينما المصرية كانت تأخذ شكل شخصية رجل الدين بجانبها الوعظي. كما حدث في فيلمي جعلوني مجرماً، وسفير جهنم. لكن أنضج تناول لها في رأيي كان شخصية (جابر الجبالي) في فيلم الجوع، التي لعبها عبدالعزيز مخيون. كذلك شخصية شحاتة التي قدمها فريد شوقي في فيلم السقا مات. فقد كانا بعيدين كل البعد عن الشكل الوعظي، وفيهما نضج في التناول. كذلك ما قدمه صناع فيلم رد قلبي من خلال شخصية سليمان التي لعبها الفنان كمال حسين،  مرشداً للبطل في علاقته بحبيبته أو في انضمامه لتنظيم الضباط الأحرار".

بحسب عبد الرازق، تتحرك "تيمة" المرشد الروحي في السينما المصرية دائماً بين الوعظ الديني والإرشاد الفلسفي والروحي. لكنها لا تظهر كثيراً على المستوى الدرامي، أي تكون شخصية ذات أبعاد مختلفة ولها دور يتخطى الإرشاد ومساعدة البطل.

يؤكد عبد الرازق أن شخصية المرشد الروحي عندما تتحول إلى رجل دين، تقل قيمتها الدرامية، وتخسر شرائح كثيرة من الجمهور، لأنها في تلك الحالة تخاطب أهل دين وحدهم في حين أن اتخاذها "الشكل الفلسفي" يجعل تأثيرها أوسع وأعمق.

ويضيف: "على مستوى الدراما التلفزيونية، يتغير الوضع فيتورط المرشد الروحي في الصراع، بل ربما يكون هو بطل الصراع، مثل شخصية "أبو العلا البشري" أو "أبلة حكمت" أو بطلة مسلسل "امرأة من زمن الحب" وهذه تيمة مكررة في أعمال اسامة أنور عكاشة، حيث يحتاج المرشد نفسه أحياناً إلى من يرشده. 

محرك الأحداث الرئيسي

 على جانب آخر، يرى الناقد الفني رامي المتولي أن وجود شخصية المرشد الروحي في الدراما تمتد جذورها إلى الدراما الإغريقية، حيث يقوم المرشد الروحي بدور محرك الأحداث، "بظهوره تتحول الدراما وتتصاعد الأحداث لتصل إلى ذروتها. لذلك وجود هذه الشخصية في الدراما مهم جداً، وإن اختلفت مساحتها من عمل إلى آخر".

وكما لعب المرشد الروحي دوراً في السينما والدراما التلفزيونية حضر أيضاً في الأدب، ولكن بصورة أقل بكثير. لكن هذا لا يمنع من أن حضوره كان مميزاً، كما يعلق الناقد الأدبي سيد الوكيل لرصيف22، مؤكداً أنه لم يره سوى في مجموعة "أنا الملك جئت" ورواية "نقطة النور" وكلتاهما للأديب بهاء طاهر. وعند الأديب العالمي نجيب محفوظ، ظهر المرشد الروحي في روايات عديدة، يرصد الوكيل منها "العائش في الحقيقة" و"المرايا"، وهي نفسها التي أشار إليها الصحافي والناقد الأدبي سيد محمود.

الناقد سيد محمود: لعب كبار الكتاب والنقاد دور المرشد والمعلم لكتاب جيل الستينيات وقدموا لنا أسماء محمود درويش والطيب صالح وجمال الغيطاني وغيرهم، لكن الأجيال الجديدة من الكتاب لا تتمتع بوجود المرشد والأب الروحي القادر على فرز المواهب والنصوص

يؤكد محمود لرصيف22 أنه وإن كانت شخصية المرشد الروحي قليلة الظهور في الأعمال الأدبية، فقد "كانت شديدة الحضور في الوسط الأدبي ذاته. إذ لعب العديد من الكتاب والأدباء دور المرشد الروحي لأجيال عديدة، لكننا للأسف نفتقد ما نسميه بالمرشد الروحي بالمعنى المباشر الآن".

تقول الباحثة البريطانية المختصة بدراسة الأديان كارين أرمسترونغ: "إن الإيمان والتصديق مهارة، نوع من خداع النفس لا يتأتى بسهولة، بل بحاجة إلى عمل وجهد"، وربما إلى دليل

ويضيف: "جيل الستينيات كان الأوفر حظاً. ففي بداياته احتضنه نجيب محفوظ وأرشده، وكذلك فعل الراحل عبد الفتاح الجمل الذي كان محرر ملحق الأدب في جريدة المساء، فقدم جمال الغيطاني ومحمد البساطي وإبراهيم أصلان وغيرهم من كتاب هذا الجيل. ثم جاء المرشد بالمعنى النقدي، وراح يفسر النصوص ويقدمها للقارئ، يقول محمود: "لعب هذا الدور الراحل رجاء النقاش، الذي قدم الشاعر الفلسطيني محمود درويش والأديب السوداني الطيب صالح. كما قدم جيل السبعينيات الشعري من خلال رئاسته تحرير مجلة الهلال. ولعب نفس الدور الكاتب محمد جبريل في صحيفة المساء. ثم جاء بعد ذلك علاء الديب الذي كانت له القدرة الكبيرة على فرز المواهب والالتفات للنصوص الذكية واحتواء أصحابها بحنان نادر".

ويختم محمود: "لكن للأسف، في الوقت الحالي، فتحت مواقع التواصل الاجتماعي الباب أمام الجميع وتحول الكل إلى كتّاب وأصبح إدراك الفروق صعباً. فعندما كانت مساحة النشر عزيزة كان هناك حرص على الجودة".

أبُ الاعتراف

لا يقتصر الإرشاد الروحي على المسلمين فقط. إنه معروف في الديانة المسيحية أيضاً. المهندس مراد مكرم صاحب خبرة طويلة في هذا المجال، وخاض العديد من تجارب الإرشاد الروحي والدعم النفسي. يقول لرصيف22: "الجانب الروحي أساسي في تكوين الإنسان، نتواصل من خلاله مع الخالق. لذلك فوجود مرشد يسبقنا في الطريق مهم بكل تأكيد خصوصاً في المتابعة والتحفيز على القيام بالبرنامج الروحي من صلاة وصوم واختلاء. وعادة يقوم بهذا الدور في المسيحية أبو الاعتراف، ومن الممكن أن يتولى خادم علماني التربية الكنسية أو أي نشاط آخر إلى جانب أب الاعتراف".

أما عن مواصفات المرشد الروحي في المسيحية فهي لا تختلف كثيراً عن الدليل في الصوفية لدى المسلمين، يقول مكرم: "المرشد لا بد أن يكون مؤمناً، يمارس تدريبات عبارة عن صلوات أو أوراد وتمارين روحية كي يكون جديراً بالإرشاد، ويتقنه ويجيده".

 من تريسياس الأعمى الذي أغضب زيوس ثم نال رضاه والنبوءة، إلى عرفات الطيب صاحب الكرامات، يمتد تراث الإرشاد الروحي، ويجد له مكاناً مهما تغيرت المجتمعات وطالتها يد الحداثة، فكما تقول الباحثة البريطانية المختصة بدراسة الأديان كارين أرمسترونغ: "إن الإيمان والتصديق مهارة، نوع من خداع النفس لا يتأتى بسهولة، بل بحاجة إلى عمل وجهد"، وربما إلى دليل. 

Website by WhiteBeard