"تركنا كُحل العين وجارينا الحياة"… "رواية" كورونا في الجزائر

الثلاثاء 24 مايو 202204:42 م

بسرد حكائي طويل لسلسلة من الأسرار والحكايات التي احتقنت خلف جدران المستشفيات في فترة كورونا، كتبت أوكيلي نور الهدى، الطبيبة الجزائرية المختصة في الأمراض الوبائية، رواية "زمن عزلة"، صدرت عن دار كوهينور للنشر والتوزيع.

واستقطبت هذه المحاولة، التي تعتبر الأولى من نوعها في الجزائر، عدداً من القراء ليس بالقليل، بحسب ما لاحظناه خلال جولة في معرض الجزائر الدولي للكتاب الذي أقيمت فعالياته نهاية مارس/ آذار 2022، أو من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.

واعتمدت الكاتبة في البناء الروائي على الحس الوثائقي داخل فصولها الـ 13، معظمها بقيت ذكريات أليمة وقاسية، استعصى على الذاكرة نسيانها، صيغت بأسلوب بسيط وجذاب للقارئ.

من أبرز أحداث/ مآسي الرواية، رحيل والد الكاتبة، الرجل الوديع، البشوش الذي اختار لنفسه مكاناً بعيداً عن الضوضاء.

تبدأ حكاية الطبيبة التي وجدت نفسها بين المطرقة والسندان، كأنها جزء من ثورة غُرر بقائدها وتفشى العدو بين صفوفها، في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2019، عندما تم اكتشاف كوفيد -19 لأول مرة في ووهان الصينية.

كورونا النار المخمدة

أظهرت الكاتبة اللامبالاة التي كانت تسيطر على الجميع في بدايات كورونا، رغم خطورة الفيروس، اختصرت الوصف بهذه العبارة: "أما تغاضينا عنها فلأنها في بلاد غير بلادنا، الصين وما أبعدها... ثم ما لنا وما لهم، ربما لأنهم يأكلون كل شيء، عاداتهم غريبة وطريقة عيشهم أغرب".

تحاول الروائية توثيق كواليس الوباء وسرد الحكاية من زاوية مغايرة تكون أقرب للحدث، ومن أبرزها تلك المرحلة التي حط فيها الفيروس على الجزائر يوم 25 فبراير/ شباط 2020 عبر إيطالي دخل البلاد في السابع عشر من ذات الشهر، يعمل مهندساً في حقل النفط جنوب البلاد، أُجلي فيما بعد، وفُحص رفيقاه اللذان كانت نتيجتهما سلبية"... وهنا تصف الحدث بـ "النار المخمدة".

تتسع أزمنة الرواية لتشمل مساحات كبيرة من الأحداث المتعاقبة، فخلف الكواليس كانت هناك آلام وأسرار.

وتعود الروائية إلى "الليلة المريبة التي تزاوج فيها الخوف بالانتظار، الليلة التي جلس فيها الجميع داخل مقر الاستشفاء الذي أقيم خارج المستشفى الجامعي بالتحديد في مدينة الرمشي (التابعة لمحافظة تلمسان الملقبة بلؤلؤة المغرب العربي وعاصمة المساجد العتيقة) بالانتظار، فمات الزمن وهو يعي موته، ليلة جلسنا فيها على صفيح ساخن، نراهن على جميع النهايات المتناقضة، نتجرّع الاحتمالات ونترصد الصباح على أحر من الجمر، نريد تجاوز عقارب الساعة، ولكن…".

في هذه الليلة تفقد الطاقم الطبي شاباً في العشرينيات من العمر، لم يكن بحالة مزرية، تم فحصه وتفقده وثبت أنه مصاب بكوفيد-19.

تتسع أحداث الرواية لتسرد حجم المعاناة التي مرت بها رفقة زملائها داخل خيمة أقيمت لفحص المرضى، بعيداً عن المصلحة البائسة، اليتيمة، التي أهين فيها الطبيب والممرض، اقتصرت على أطلال من عهد الاستعمار لم تجدد منذ أزل، ولا شيء يدعو فيها للنشاط والتحفيز، فجدرانها متآكلة، وحائلة، وبها تشققات، وتصدعات، أما قاعة المحاضرات فوصفتها الكاتبة على أنها "وكر للجرذان".

وأفردت الروائية مساحات واسعة في نصها لتسلط الضوء على التهكمات والاعتداءات اللفظية التي جوبهت بها كثيراً، وهي وزميلاتها يحاولن إقناع الآخرين بفاعلية التباعد الاجتماعي، هذه القضية وصفتها الكاتبة بـ "العظمى" لأن قطاعاً عريضاً من الجزائريين كانوا يستهزؤون ويفندون، ومنهم من لم يكن يرى في الأمر سوى واجهة سياسية.

تحضر أيضاً في الرواية لحظات هامة عاشها الجزائريون خلال فترة الجائحة، تلك الأيام التي اعتبرتها أوكيلي نور الهدي "حكاية أخرى، اختارت فيها الحكيمات مجاراة الحياة والانصياع لأوامر الطبيعة، تركن الدلال وكحل العين جانباً، ولبسن طاقية الشجاعة والعزم على التحدي".

الطيبون يتألمون بصمت

تدخل في الفصل الثاني، الذي يحمل عنوان "أيام الحجر"، شخصيات عديدة، لكل منها حكايتها المستقلة، ومن أبرزهن حنيفة، التي عملت كطبيبة عامة لعدة سنوات، وبذلت جهداً فوق طاقتها، لا تبالي بالتعب والإرهاق، ورجاء وفاطمة (ابنة مدينة مشرية) ونورة (ابنة مدينة أدرار) و أسماء (مدينة بني صاف) وفاطمة الزهراء.

وفي فصل "ولادة ألم" نصبح أمام عنصر جديد يدخل على الرواية، ويدعمها بحكايات عن الطيبين الذين كانوا يتألمون بصمت، بينهم الشاب الثلاثيني المصاب بالقصور الكلوي الذي فارق الحياة، ورجل آخر في الخمسينيات من العمر، وامرأة في السبعين من عمرها أصيبت بجلطة دماغية، نتيجة لتخثر الدم بسبب الفيروس.

"حكاية أخرى، اختارت فيها الحكيمات مجاراة الحياة، والانصياع لأوامر الطبيعة، تركن الدلال وكحل العين جانباً، ولبسن طاقية الشجاعة والعزم على التحدي"

هنا بدأ الحديث يتسع عما يشبه "طب الحروب والكوارث"، فالأطباء كانوا يضطرون للاختيار بين من هو أولى بالذهاب إلى مصلحة الإنعاش، فلم يكن ممكناً أخذ الجميع إليها.

وفي فصل "حداد"، تأخذ الرواية منحى مأساوياً أكثر حدة من السابق، الأحد 15 أغسطس/ آب 2021، اليوم الذي لن تنساه الكاتبة: "تاريخ تمنيت لو توقف قليلاً، لو تريّث، فقط لو أعطاني برهة، كان هناك كلام لم أقله، كانت هناك عبارات لم أفرغها من جوفي، كان هناك حديث بقي معلقاً، كانت هناك أحاسيس لم تخرج من جعبتي، لكنه مضى".

في هذا التاريخ سرق الوباء والد الكاتبة، التي وثقت اللحظة التي اندس فيها الفيروس اللعين وسط عائلتها دون دعوة، فصورت بشكل دقيق لحظات سكرات الموت، لحظة خروج الروح من والدها، كتبت: "الراحة التي تسبق الرحيل... لم أستطع الانتباه... لم أفلح في التخمين... لم أكن على دراية... وكيف أدري وهو الغيب لا يعلمه إلا الله... رحل الغالي في صمت... رحل وهو وسط أغلى أحبابه... لم أستطع أن أشهد لحظة انطفاء شمعته، انشغلت بإعطائه آخر حقنة لعلها تكون المعجزة... لم أرفع رأسي إلا على وقع زوج أختي وهو يسند رأس حبيبي بيده، يقول لي أنت الطبيبة تأكدي... انتهي... ما الذي انتهي.. حبيبي إنا لله وإنا إليه راجعون".

"أدب الأوبئة"

ترى الناقدة الجزائرية ربيحة قدور، أن الجائحة أعطت فرصة سانحة للأدباء والنقاد للمساهمة في مواجهة هذا الوباء، من خلال إبداعاتهم الأدبية والنقدية، فـ"سرعة انتشار الوباء رافقتها سرعة العطاء الثقافي في الإبداع الأدبي، ما حافظ على الأدب كرسالة إنسانية تسعى إلى تخليد الأزمات البشرية".

"ولعل ما يلفت النظر أن الكتابات المرتبطة بجائحة كورونا أعادت الأذهان إلى العصور القديمة، ومعرفة الكيفية التي تعامل بها الأدباء مع الأوبئة كمواضيع تصور الواقع، ومع ذلك يبقى أدب الأوبئة نوعاً أدبياً نادراً عربياً".

وتردف قائلة إن "الشعراء قد وظفوا بعض الأساليب كأسلوب المعارضة وأسلوب المدح، وظفوا بعض التراكيب الموجودة في المجتمع خاصة الدارجة منها، واستدعاء التراث العربي القديم، من خلال تقنية التناص مع القرآن الكريم، و مع الشخصيات الدينية، مع الأشعار، كذلك وظفوا الرموز كالرمز الديني والقرآني، والتراثي، والشعبي، وغيرها".

فقدنا أحباءنا في موجات كورونا، وعشنا الذعر كله، طبيبة كتبت مذكراتها في الجزائر حول ما غيّره فينا كورونا إلى الأبد، كيف يشعر الطبيب الذي يختار من يموت ومن يعيش؟

"ومع ذلك" تقول الناقدة الأدبية الجزائرية، "فالأدب الذي تناول آفة كورونا لايزال مجرد تعبير لتحقيق متعة بغية التأثير في المتلقي، ويكمن الدور الأكبر له في التعبير عن قضايا إنسانية، وأزمة عصيبة ألمت بالإنسان المعاصر، أما الروائيون في نصوصهم السردية، فمنهم من وجه نقداً للسياسات وتعرية الطبقات السياسية الحاكمة الغارقة في الفساد، ومنهم من سلط الضوء على التداعيات النفسية للجائحة على الآخرين، ومن الروائيين من استشرف بالأمل لمستقبل أفضل، كما استشرف لمرحلة ما بعد كورونا".

ومن بين الروايات التي سلطت الضوء على الجائحة، تشير المتحدثة إلى روايتي الروائي والأديب والأكاديمي الجزائري الشهير واسيني الأعرج، الأولى تحمل عنوان "ليليات رمادة" التي صدرت عام 2021 عن دار الآداب، "تسلط هذه الرواية الضوء على فيروس كورونا، كما كشفت المستور حول آثار الوباء السياسي والاجتماعي الذي فتك بالجزائر مثلما فتك بالدول المتقدمة والمتخلفة".

وصدر للروائي ذاته روايتين أخريتين، وهما: "تراتيل ملائكة كوفيلاند"، و"رقصة شياطين كوفيلاند"، وشملت الروايتان أحداثاً متعاقبة، منها زمن الجائحة، وزمن العشرية السوداء (قصة حرب أهلية تسببت في مقتل عشرات الآلاف من الجزائيين)، وزمن احتجاجات الجزائر 2019 المعروفة بالحراك الشعبي، وما تمخض عنه من اضطرابات لازال يشهدها بلد المليون شهيد.

وتلفت كريمة النظر إلى أن كورونا ليست "الآفة الوحيدة التي شهدتها البشرية، بل هناك كتابات كثيرة تناولت مختلف الأوبئة منذ أزمنة سحيقة، ونظراً لما لها من أثر على المضامين الأدبية، استطاعت أن تلامس الحس الفني للأديب واستطاعت أن تحقق التأثير والتأثر بينه وبين المجتمع في خضم المعاناة، إلا أن مسألة التأصيل لهذا الأدب قد تبقى تتأرجح بين مؤيد ومعارض له، نظراً لأن مصطلح أدب الأوبئة ليس مصطلحاً شائعاً أو متداولاً الآن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard