أهلي يحبوني… وهذا مدخلهم لتقييد حريتي

الثلاثاء 17 مايو 202203:55 م

منذ عامين شكت صديقتي أمامي شعورها بالذنب لاعتقادها بأنها السبب وراء عدم حب والديها لها، وإثر ذلك، أضحت ترضخ لطلباتهم رغماً عنها، أما أنا، وبينما أستعد لزيارة أهلي في بلدتنا البعيدة عن مكان إقامتي بحوالي 100 كيلو متر، قلت لصديقي: "يابختك أهلك مش سائلين فيك"...

محاصرون من كل ناحية

قال سيغموند فرويد: "لا يمكن لأحد أن يصبح رجلاً إلا إذا مات أبيه"، أما يونغ، فردّ بالقول: "نعم، ولكن هذا الموت قد يحدث حتى بشكل رمزي".

وفقاً للمفكر وعالم النفس في جامعة تورنتو في كندا، جوردان بيترسون، تعرف الموت الرمزي لوالديك حين تسأل أحدهما عن شيء ثم تُفاجئ بأنه لا يعرف.

في هذه اللحظة، قد تدرك أن والديك لن يقدما لك المزيد في حياتك، وأنت المطالب بأن تعتني بهم، وعندها تشعر بالألم وبالذنب.

يجد إبراهيم (اسم مستعار)، نفسه تحت تأثير نظرات دافئة وحنونة من والدته المتقدمة في العمر ووالده المصاب بعدة أمراض مزمنة، نظرات صعبة، تجعله يشعر بالذنب من أن يتركهما، وتدفعه لأن يرفض الوظيفة التي قد تفتح أمامه مجالاً للتطور في حياته، لكنها بعيدة عن مكان إقامة والديه بمئات الأميال، في محافظة جنوب سيناء.

"الابتزاز العاطفي" الذي يمارسه بعض الأهل يعود إلى إحساسهم المرتفع بالملكية، فهم يعاملون أولادهم في الأساس على أنهم "ممتلكات خاصة"

وقد فضل إبراهيم (32 عاماً) اختيار وظيفة عامل في مصنع قريب من بلدته حتى يتغلب على هذا الشعور بالذنب، بمعنى آخر، لقد دفعه هذا الإحساس بالذنب إلى اختيار وظيفة متواضعة ولو كان ذلك على حساب مستقبله.

ما حدث مع إبراهيم مشكلة واضحة، مر بها بدوره أحد المتابعين على موقع "quora"، والذي كشف عن شعوره بالذنب تجاه والديه وحبهم الكبير له، الأمر الذي يجعله يشعر بطريقة ما أنه مقيّد تجاه معظم قراراته، بينما سأل متابع آخر عن كيفية تجاوز هذا الإحساس الذي يعيق تقدمه في حياته المهنية.

حصار الطفل الأصغر

رامي (اسم مستعار) من محافظة المنوفية في مصر، يعمل كموظف في إحدى الجمعيات الزراعية في بلدته، صنصفط.

في العام 2010، عُرض على هذا الشاب، البالغ من العمر 33 عاماً، العمل في مجال الإعلام في محافظة القاهرة، لكن رأي أبيه كان معاكساً لرأيه، بحيث بقيت جملة والده مترسخة في ذهنه لحدّ يومنا هذا: "مش عاوزينك تتبهدل".

رغم أن رامي لديه أشقاء وشقيقات، ولا يتعلق الأمر برعاية والديه المسنين، إلا أن والده لم يرد له الابتعاد عنه كثيراً، كونه الابن الأصغر والمدلل، وفي حين أنه انساق وراء هذا "الدفء" بملء إرادته، لكنه مع الوقت، بدأت الصورة تتضح أكثر وتؤثر الأمور سلباً على نظرته لذاته.

يحكي رامي عن تلك المرة التي كان يجري فيها مقابلة عمل، وعلّق الطرف الآخر بطريقة تهكمية على ملابسه، في حين أنه لم يستطع الرد عليه، بل شك في نفسه كثيراً وفي مظهره واهتزت صورته أمام نفسه: "مشكلة أهلي أنهم قفلوا عليا من وأنا صغير، ودي حاجة مفهمتهاش إلا بعدين، وللأسف معنديش رفاهية إني أصلح توابع ده دلوقتي، حتى بعد ما أبويا مات من 6 سنين".

في هذا السياق، تقول كوفمان ريس، الخبيرة في الصحة العقلية والعلاقات الأسرية، إن الشعور بالذنب ينتقل إلى شعور بالمعاناة وتدني احترام الذات وسهولة التعرض لضغط الأقران والانخراط في صداقات ومواعدات غير صحية: "تعلم رحلات الشعور بالذنب أولادنا تحديد ما إذا كانت أفعالهم جيّدة أو سيئة بناء على ردود فعل الآخرين، ويبحثون عن التحقق الخارجي بدلاً من الداخلي".

"القضاء" على الابن الأكبر...

طارق، مهندس مدني، من محافظة المنوفية في مصر، هو الابن الأكبر لأبويه، وتقضي طبيعة الحياة الأسرية والعائلية في الريف بأن يتولى الابن الأكبر رعاية الأسرة، أو المساهمة بالقدر الأكبر من الرعاية حتى في وجود الأب.

رغم أن طموحاته كانت كثيرة وتقتضي عدم التواجد بجانب أهله، غير أن طارق ( 32 عاماً) لم يتمكن إلا من الانصياع وإسكات حلمه، بحجة أن أبويه لم يبخلا عليه بحب أبداً ولم يحرماه شيئاً وساعداه حتى أكمل تعليمه وأصبح مهندساً، معتبراً أن جزءاً من رد الجميل هو أن يقوم بدوره في مساعدة الأسرة والتخفيف عن كاهل والده، لكن الأمر كان له كلفته الكبيرة على رفاهيته الشخصية.

يحكي طارق أنه كان في زيارة إلى صديق طفولته في محافظة القاهرة، والذي قرر الاستقلال عن أهله منذ حوالي 10 سنوات، غمرته حينها مشاعر تتعلق بالحسرة، لأنه رأى صديقه يفعل ما لم يستطع أو يمتلك القدرة على فعله، بل وتحسنت علاقة صديقه مع أهله بمرور الوقت.

حينها بدأ طارق يشعر بالارتباك، متسائلاً: هل يجب أن أدعم أهلي لأنهم دعموني أم التفت لنفسي وما أريده؟

تحكي المعالجة النفسية، بيفرلي أمسيل، عن التقائها بالعديد من الأشخاص الذين تربوا على الاعتقاد بأنهم أنانيون في حال اختاروا احتياجاتهم ورغباتهم على حساب احتياجات أحبائهم، فيترعرع هؤلاء على فكرة إنكار رغباتهم لصالح ما يعتقدون أنه الأفضل لوالديهم أو للآخرين.

والمثير للدهشة أن بعض الأهل قد يستغلون مشاعر أبنائهم وبناتهم بطريق ملتوية.

تحدثت نهى (اسم مستعار)، عن رغبتها الدائمة في الاستقلال عن أسرتها. والداها يحبانها إلى أقصى درجة ولم يعنفاها مطلقاً، وحتى لم يرفضا قرارها بالاستقلال عنهما، لكنها كلما حاولت الاستقلال، يمرض والدها لسبب أو لآخر، فتعود خوفاً من أن يموت والدها وتكون هي السبب في ذلك، وهو ما لن تغفره أبداً لنفسها.

كل ما حولك يساهم في الارتباك

"الواد خلاص نسي امه وابوه، الاستاذ بيستعر مني، بيستعر من امه وابوه". عبارة وعبارات كثيرة مشابهة سوف تسمعها في السينما.

والبرامج الاجتماعية التي تعمل على تنمية هذا الشعور وحتى الأغاني والبرامج الدينية أو تطبيقات الفيديو.

أدمغتنا مجبولة فطرياً منذ الولادة للاهتمام والتفهم من آبائنا، ثم بين سن الرابعة والسادسة نبدأ في تطوير نظام قيمي يوجه فيه آبائنا وأمهاتنا إحساسنا ناحية الصواب والخطأ، وفقاً للدكتورة تينا مالتي، أستاذة علم النفس في جامعة تورنتو.

من بين تلك القيم قاعدة تمتد عبر كل الثقافات تخبرنا أنه "من الصواب أن نحبهم ومن الخطأ ألا نحبهم". حب والدينا من ضمن الأدوار التي يجب أن يقوم بها الناس لأنها تساعدنا على العمل كمجتمع.

في كل مرة نشعر فيها بالذنب تجاه أهلنا، يجب أن نحدد ما إذا كان هذا الشعور صحياً أو ساماً، وفي حال كان ساماً يجب التخلص منه، من خلال الغوص في داخلنا، ومحاولة تصويب المسار حتى لا نقع في فخ العلاقات السامة مع أقرب الناس إلى قلبنا

عندما تنتهك هذا النظام القيمي سوف يلتهمك "الشعور بالذنب"، ثم حين نكبر، نقوم بتأسيس نظام القيم الخاص بنا، لكن نظام القيم الذي ورثناه من الطفولة باق معنا وثابت، ورغم أن بعض القيم التي اكتسبناها من عائلتنا الأصلية لم تعد تخدمنا، إلا أنها تنبثق على هيئة شعور بالذنب.

نظراً لأن الشعور بالذنب هو نتاج قيمنا الثقافية، فإن تفاصيل ما نشعر بالذنب تجاهه، والدرجة التي نشعر بها، تختلف اعتماداً على التربية، كما أن الشعور بالالتزام الأسري يكون أكثر حدّة في بعض الثقافات من غيرها.

لكن المرء ناضج بما يسمح له أن يحدد الفرق. تقول خبيرة العلاقات الأسرية واستشاري الصحة النفسية، إيمان الريس، لرصيف 22، إن الحل يكمن أولاً في إدراك المرء أن أهله يستغلون حبه لهم لإجباره على اتخاذ القرارات التي تتوافق معهم.

من هنا شددت الريس على ضرورة أن يتخذ كل واحد منّا قراره بنفسه، سواء بالاستقلال أو بقبول الوظيفة البعيدة أو الزواج أو غيره، وفي نفس الوقت الحرص على تلبية احتياجاتهم والاتصال بهم بشكل شبه يومي، بالإضافة إلى توفير ظروف معيشية جيدة لهم والاطمئنان على صحتهم.

وأرجعت الريس، "الابتزاز العاطفي" الذي يمارسه بعض الأهل إلى إحساسهم المرتفع بالملكية، فهم يعاملون أولادهم في الأساس على أنهم "ممتلكات خاصة": "إن فهمك لهذا سيجعلك تتعامل مع المشكلة بطريقة أفضل".

وتابعت بالقول: "الأهل مش أنبياء، عندهم أخطاء وقد تكون كبيرة بحيث تؤثر على حياة أبنائهم بالسلب، لكن الأمر لا ينتقص من قيمتهم".

في كل مرة نشعر فيها بالذنب تجاه أهلنا، يجب أن نحدد ما إذا كان هذا الشعور صحياً أو ساماً، وفي حال كان ساماً يجب التخلص منه، من خلال الغوص في داخلنا، ومحاولة تصويب المسار حتى لا نقع في فخ العلاقات السامة مع أقرب الناس إلى قلبنا. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard