محاولات الأردن لاستعادة المسؤولية الأمنية على الأقصى، هل تنقلب عليه؟

الاثنين 16 مايو 202205:36 م

تحركات مكثفة قام بها الملك الأردني عبد الله الثاني، في العاصمة الأمريكية واشنطن، توّجها بقمة جمعته بالرئيس الأمريكي جو بايدن، في البيت الأبيض، يوم الجمعة الماضي، وذلك ضمن الجهود المكثفة التي يقوم بها الأردن للمحافظة على الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، وإعادة المسؤولية الأمنية من جديد على الأقصى.

وكان بايدن قد أكد خلال اللقاء على ضرورة إيجاد آليات للحد من التصعيد ودعم جهود التهدئة في الأراضي الفلسطينية. ووفق بيان للديوان الملكي الأردني، فقد أقرّ الرئيس الأمريكي بالدور الأساسي للأردن في الإشراف على الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس، كما شدد على ضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي الراهن في الحرم القدسي الشريف.

ونقل البيان عن الملك عبد الله دعوته إلى تكثيف الجهود الدولية لإعادة إطلاق المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبما يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

أقرّ الرئيس الأمريكي بالدور الأساسي للأردن في الإشراف على الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس، كما شدد على ضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي الراهن في الحرم القدسي

وسبقت القمة لقاءات للعاهل الأردني مع أركان الإدارة الأمريكية وقيادات الكونغرس وأعضاء لجان العلاقات الخارجية، والمخصصات، والخدمات العسكرية في مجلس الشيوخ، بالإضافة إلى لجنتي الخدمات العسكرية، والشؤون الخارجية، واللجنة الفرعية لمخصصات وزارة الخارجية والعمليات الخارجية والبرامج ذات الصلة في مجلس النواب.

العسكر والأمن

اللقاء بين العاهل الأردني وبايدن ليس الأول من نوعه، بل هو اللقاء الثاني منذ تسلّم الأخير الحكم. اللقاءان كانا بشقَّين؛ الأوّل: العلاقات الثنائية الإستراتيجية بين أمريكا والأردن والتي يتم التعبير عنها عبر مستويات الدعم العسكري الذي تقدمه واشنطن للجيش الأردني بالتوازي مع علاقات أمنية وثيقة، وأخرى مرتبطة بالدعم الاقتصادي، لا سيما وأنّ الحكومة الأمريكية هي الداعم الأول للخزينة الأردنية.

أما الشق الثاني، فيتمثل في الأوضاع الإقليمية في المنطقة بعناوينها المختلفة والمعقدة، بما فيها استمرار التهديد الإرهابي في المنطقة وملفات سوريا والعراق وتداعيات التوصل أو عدم التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، وتداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية، والتحوّلات التي تشهدها المنطقة بما فيها التصعيد الذي تشهده المناطق الفلسطينية وتعثّر عملية السلام وقضايا القدس والوصاية الأردنية على المقدسات، وهذا ما يكشف عنه خبير الأمن الإستراتيجي عمر الرداد، ومدير عام الطريق الثالث للاستشارات الإستراتيجية.

يقول الرداد: "من المرجح في ما يتعلق بالعلاقات الثنائية بعناوينها الاقتصادية والعسكرية والأمنية، أنّه تمّ إنجازها وباتجاه تجديدها أو توسيعها خلال لقاءات العاهل الأردني مع اللجان المختصة ورؤساء لجان الكونغرس بما فيها اللقاء مع رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وهي قضايا إجرائية، مما يعني أنّ لقاء الملك عبد الله سيركز على الدور الإقليمي للأردن وما يختص بملفات إقليمية وفي مقدمتها الوصاية على المقدسات في القدس".

ويضيف: "الملك عبد الله طرح موضوع الوصاية على المقدسات في القدس من قبل مرجعيات الاعتراف الفلسطيني والإسرائيلي عبر اتفاقات موقعة مع الطرفين، وهو ما أكدت عليه الإدارة الأمريكية عبر تصريحات وزير الخارجية أنتوني بلينكن، في إطار تأكيده على الحفاظ على الوضع القانوني للمقدسات، وهو ما يعني رفضاً لسياسات إسرائيلية ومحاولات لها تهدف إلى تثبيت التقسيم الزماني والمكاني لدخول الأماكن المقدسة، بما يعزز السيادة الإسرائيلية المرفوضة للقدس الشرقية".

التطرف الإسرائيلي

الملك عبد الله طرح موضوع الوصاية على المقدسات في القدس من قبل مرجعيات الاعتراف الفلسطيني والإسرائيلي عبر اتفاقات موقعة مع الطرفين

برأيه، "فإنه وبالرغم من الإدراك المشترك أمريكياً وأردنياً بأنّ التصعيد الذي تشهده المناطق الفلسطينية يعكس حقيقة شيوع أجواء التطرف في المجتمع الإسرائيلي بعد خضوع تشكيل الحكومات إلى رغبات أحزاب يمينية متطرفة وأيديولوجياتها، إلّا أنه من غير الواضح كيفية التعبير الأمريكي عن تلك القناعات التي تؤكد دعمها للمطالب الأردنية، والمؤكد أنّ بايدن سيؤكد على الوصاية الأردنية على المقدسات في القدس والتزامه بحل الدولتين ورفض الاستيطان وربما إدانة العنف الذي يجري في فلسطين".

لكن من الواضح أنّ إسرائيل وبعد المواقف الأردنية الرافضة للإجراءات التصعيدية في القدس ومناطق الضفة الغربية، قد أصدرت خطابات إعلاميةً تتضمن تلويحاً بالعبث بقضية الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة من خلال الإشارة الى أحقية أطراف عربية وإسلامية أخرى بها، ربما تقبل بالشروط الإسرائيلية، كما لوحت أوساط معارضة إلى إمكانية تعليق العمل باتفاقيات مع الأردن من بينها تزويد الأخير بالمياه الصالحة للشرب ووقف التعاون في هذا الخصوص.

ومن هنا، يعتقد مدير عام الطريق الثالث للاستشارات الإستراتيجية، أنّ القاسم المشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية والأردن في هذا الخصوص، هو استعدادات لسيناريو انتخابات إسرائيلية جديدة بعد إمكانية الإطاحة بالحكومة الإسرائيلية الحالية، واحتمالات عودة المعارضة وحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو، وهو ما يعني العودة إلى مربعات تطيح بالهدوء النسبي الذي سبق أحداث الأقصى الجارية منذ بداية شهر رمضان المنصرم، والتي ظهر أن المعارضة تقودها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

تفعيل المسؤولية

وتقدّم الأردن، على هامش الزيارة، بوثيقة مكتوبة يطالب فيها الإدارة الأمريكية بالتدخل بصفتها تمثل الدولة الضامنة والراعية لاتفاقية وادي عربة، في خطوة لم يسبق للدبلوماسية الأردنية أن استعملتها أو استعانت بها.

ويسعى الأردن إلى استعادة المسؤولية الأمنية على المسجد الأقصى عبر تحركاته الأخيرة، ويكشف الباحث في شؤون القدس والمحلل السياسي، زياد أبحيص، أنّ "الأردن أصبح في وضع محرج جداً وقد أجرى اتصالاته مع الإسرائيليين وطلب تعيين حراس جدد في مطلع عام 2022، إلا أنّهم سمحوا فقط بتعيين 20 حارساً، وباشروا عملهم في آذار/ مارس 2022، مشيراً إلى أنّه من المفترض وجود 283 حارساً كي يغطوا ثلاث فترات، أي ما يعادل 90 حارساً لكل فترة في المتوسط، مع زيادة الحضور في فترتَي فتح المسجد وإغلاقه، لكنّ الواقع يقول إنّ الكثير من هؤلاء الحراس انتهت فترة عملهم وأحيلوا إلى التقاعد، وإنّ كل فترة يتناوب عليها فقط 20-30 حارساً بواقع 60-90 حارساً للفترات الثلاث على أكثر تقدير.

الأردن عبر مطالبته بإعادة المسؤولية الأمنية على الأقصى يكون قد ورّط نفسه، إذ قد تكون صلاحياته مشروطةً بمهمة أمنية تجرّه ليصبح في مواجهة المقدسيين والمرابطين

ويشير إلى أن "الأردن يرى أنّ الحل في تصاعد الأحداث وتخفيف التوترات داخل المسجد الأقصى، هو عبر إرجاع مسؤوليته الأمنية على الأقصى وسحبها من الشرطة الإسرائيلية، والاعتقاد بأنّ الأمريكيين يمكن لهم أن يطرحوا مشروع التسوية وإيجاد الحل الوسط في هذه القضية".

في الوقت نفسه، يرى أبحيص أنّ الأردن عبر مطالبته بإعادة المسؤولية الأمنية على الأقصى يكون قد ورّط نفسه، مشدداً على أنّ موافقة الأمريكيين والإسرائليين على ذلك ستكون مشروطةً، وأن ما سيجري لن يكون "استعادةً" للوضع القائم، كما يطرحها الأردن، بل سيكون صلاحيات مشروطةً بمهمة أمنية في الأقصى، وهو ما يراد به أن يجرّه ليصبح في مواجهة المقدسيين والمرابطين، وسيفتح الباب أمام تجديد المطالب الإسرائيلية والأمريكية لتعيين حراس في الأقصى من ذوي الخبرة السابقة في الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الأقصى، فتنقلب مهمة الحراس تدريجياً من الوقوف في وجه المقتحمين إلى الوقوف في وجه المرابطين.

تفاهمات كيري

ويسعى الأردن بدوره إلى استعادة التفاهمات التي توصل إليها وزير الخارجية الأمريكية السابق، جون كيري، في العاصمة الأردنية عمان عام 2015، حول الأوضاع داخل المسجد الأقصى المبارك، إذ تمّ الاتفاق بين "إسرائيل" والأردن صاحبة الولاية على الأقصى والمقدسات في القدس، على أن تلتزم بموجبه الأولى بـ"إنهاء التوتر القائم في الأراضي الفلسطينية"، ويتيح الاتفاق لإسرائيل مراقبة الحرم القدسي وساحات المسجد الأقصى بالكاميرات على مدار الـ24 ساعةً، والسماح للمسلمين بالصلاة في الحرم القدسي، ولغير المسلمين بالزيارة فقط.

تمّ الاتفاق عام 2015 بين "إسرائيل" والأردن صاحبة الولاية على الأقصى والمقدسات في القدس، على أن تلتزم بموجبه الأولى بـ"إنهاء التوتر القائم في الأراضي الفلسطينية"

وقدّم الأردن في تلك الفترة لكيري ورقةً تتضمن مطلباً واضحاً بالعودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل العام 2000 في القدس، وحصر إدارة المقدسات الإسلامية في القدس بيد وزارة الأوقاف الأردنية، وكف يد الشرطة الإسرائيلية نهائياً، وهذا ما يسعى إليه الأردن حالياً من خلال زيارة الملك إلى واشنطن.

ويؤكدّ المحلل السياسي محمد الملكاوي، المقرب من دوائر صنع القرار الرسمية الأردنية، أنّ الرسالة الأردنية التي بعثها العاهل الأردني في واشنطن، كانت واضحةً للإسرائيلين وهي تحذر من الاقتراب من الأقصى أو السماح لليميين المتطرف والأحزاب الإسرائيلية الدينية اليمينية المتطرفة بتدنيسه، مشدداً على أنّ الرهان الأردني كان على أنّه لن يتم السماح بالمساس بالأقصى، ولا أن يتم يتم تحويل ساحاته إلى ما يسمى بـ"القرابين" من قبل المستوطنين.

ويرى الملكاوي أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية كانت تعاني من أكثر من تحدٍ على أكثر من صعيد داخلي وخارجي، إذ يتمثل الداخلي في التحدي مع اليمين الإسرائيلي المتطرف وحزب الليكود الذي يقوده بنيامين نتنياهو، وهو كان يريد التصعيد في القدس بأي ثمن على أكثر من جبهة، منبهاً إلى أنّ الواضح أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية هي حكومة ضعيفة والاستقالات التي تمت أضعفتها كثيراً، فالوضع الداخلي والضغوط على الحكومة كانت ضغوطاً من الداخل الإسرائيلي من خلال التنافس على كرسي رئاسة الورزاء.

برأي الملكاوي، هذا كله أعطى الفلسطينيين والأردنيين قوةً بألّا يتم السماح من الحكومة الإسرائيلية لا لليمين الإسرائيلي المتطرف ولا للأحزاب الدينية الإسرائيلية بأن تستغل الأقصى كي لا يتوسع ذلك إلى حرب أكثر شموليةً من الحرب السابقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard