السياسة، الدين والجنس، ثالوث محرّم يتصدّع... انتصار الخوف

السبت 14 مايو 202201:51 م

في رسم كاريكاتوري خلّاق للفنان القتيل ناجي العلي، يُسأل كاتبٌ عربيّ معارضٌ ماذا تكتب الآن، فيردّ: أكتب وصيتي.

ربما كان العلي يستبطن في ذلك الكاريكاتور مآلاته، حيث أردته رصاصات "غامضة" في لندن عام 1987، قضى في إثرها نحو سبعة وثلاثين يوماً في غيبوبة لم يفِق بعدها.

الرصاص والاعتقال والنفي والتضييق والإقصاء، وسواها من أدوات تكميم الأفواه، ظلت أسلحة السلطات لمواجهة المعارضين السياسيين في العالم على مر العصور. وفي التاريخ شواهد بشعة يندى لها الجبين عن "تَفنّن" السلطات الحاكمة في قتل المخالفين، ليكونوا عبرة "لمن تسوّل له نفسه" بتكدير هناء الحاكم وحاشيته.

وفي حين تخلّص العالم المتمدن، عبر صراع طويل، من هذا الإثم التاريخي، وصار المعارضون يتداولون السلطة ويحكمون الإمبراطوريات، ما زال الحال في العالم العربي مثقلاً بالخوف من الصوت الناقد، لا سيما إذا توجّه نحو الحاكم أو آليات السلطة، أو شرعية النظام السياسي، أو ممارساته في التضييق على الحريات، والقبض على أنفاس البشر وإحصائها.

في حين تخلّص العالم المتمدن، عبر صراع طويل، من هذا الإثم التاريخي، وصار المعارضون يتداولون السلطة ويحكمون الإمبراطوريات، ما زال الحال في العالم العربي مثقلاً بالخوف من الصوت الناقد

وعُدّت السياسة أحد أضلاع الثالوث المقدس - المحرّم إلى جانب الدين والجنس. بيْد أنّ الوقائع في عالم العرب تكشف عن تسامحات (وربما تواطؤات) أحياناً فيما خص الدين، فلا تجاهر مباشرة في معاقبة مَن يخرجون عن التصورات القارّة، كالإسراء والمعراج، وتعدّد الزوجات، والمطالبة بالمساواة في الإرث بين الذكر والإنثى، وسواها.

أما الجنس، فقماشته مطّاطة، وتتباين النظرة إليه من بلد إلى آخر، وأضحى "ما يخدش الحياء العام!" مختلَفاً عليه، وربما يكون أكثر أضلاع الثالوث رخاوة، لا لأنّ السلطات متسامحة كثيراً، بل لأنّ الجنس ذو نطاق حيوي شخصي، أي أنه ممارسة فردانية لا تعيق أداء السلطة، ولا تكدّر صفوها.

تبقى السياسة هي أسّ الشرور ومنبعها. لا يخيف الجنرال شيء أكثرَ من مظاهرة، أو احتجاج، أو عريضة. هو يدرك أنّ النار تندلع من مستصغر الشرر، لذا هو يعمل بكل ما أؤتي من ترسانة لإخماد ذلك الشرر في مهده، عبر تأميم الإعلام والمجتمع بكل أذرعه ومؤسساته، لذلك يمكن أن يكون التغاضي عن بعض الانتقادات الدينية، أو الحرية الجنسية جزءاً من "رشوة"، كأنّ لسان الحال يقول: افعلوا ما شئتم، لكن لا تقربوا السلطان.

تبقى السياسة هي أسّ الشرور ومنبعها. لا يخيف الجنرال شيء أكثرَ من مظاهرة، أو احتجاج، أو عريضة.

ومن الضروري التنويه إلى أنّ الثالوث لم يحتفظ دائماً بتراتبيته التي ترفع السياسة إلى ذرى التحريم، حيث كان الدين فيما سبق يتنازع على عرش القداسة المحرمة، خصوصاً إذا جرى مسّ المعتقدات الإيمانية الأساسية كالنيل من الله أو التشكيك بوجوده أو وحدانيته، أو الإساءة إلى النبي محمد بالدرجة الأساسية وباقي الأنبياء. وسرى اعتقاد أنّ الدين يمثل آخر القلاع النفسية لدى الناس في العالم العربي، ومعظمهم فقراء يعتصمون بالدين المنجّي المحفّز على تحمّل متاعب الحياة ومشاق المسير في ممر الدنيا المؤقت، توقاً إلى المستقر الأبدي الأبهج في الحياة الآخرة.

صار الناس يخافون الآن أكثر، وتسللت إلى نفوسهم، بفعل الضخ الإعلامي، أفكار تطورت إلى قناعات بأنّ حماية الدين من مهام الدولة بالدرجة الأساسية، ما يعني وفق الاستقراء المنطقي البسيط، أنّ تمكين الدولة والدفاع عنها مؤدٍ، بلا ريب، إلى الدفاع عن الدين، لعلم هؤلاء أنّ جور السلطان موجّه إلى خصومه، وليس إلى الشريعة كمنظومة. فالسلطان يتمترس وراء المقدّس، ليخرج معارضيه من أسوار الدين ونطاقاته، مستعيناً على قضاء غايته تلك بجيوش من الفقهاء الذين بوسع جلّهم تغيير الأبيض إلى أسود، من دون أن يرفّ لهم جفن!

الدين ثابت في بطون الكتب، وتحرسه الصدور، لكنّ السياسة متحركة ولا بد، إن تعسّفت، أن تحرسها السجون والعسس والعقوبات والمطاردة والملاحقة وتطوير التشريعات (حتى الإلكترونية) لتجريم "من تسوّل له نفسه...".

صار الناس يخافون الآن أكثر، وتسللت إلى نفوسهم، بفعل الضخ الإعلامي، أفكار تطورت إلى قناعات بأنّ حماية الدين من مهام الدولة بالدرجة الأساسية، ما يعني وفق الاستقراء المنطقي البسيط، أنّ تمكين الدولة والدفاع عنها مؤدٍ، بلا ريب، إلى الدفاع عن الدين، لعلم هؤلاء أنّ جور السلطان موجّه إلى خصومه، وليس إلى الشريعة كمنظومة

ضلع السياسة، في الثالوث المقدّس - المحرّم، يتعملق، منذ اندلعت فتوحات تكنولوجيا الاتصال وثورات السوشال ميديا، ولعل نظرة على ما يُصرف على أجهزة الأمن في العالم العربي كافية (رغم انعدام الشفافية في الإفصاح المباشر عن الأرقام) للكشف عن مقدار الذعر الذي تسببه الأصوات والتيارات المعارضة، حتى لو كانت معارضة سلمية رؤوفة تتوخى الإصلاح والمشاركة في تدبير شؤون الدولة.

"فوبيا المعارضة" ينغص حياة السلطات. ما الحل إذاً؟ الانفراج السياسي مثلاً، المصالحة الوطنية، تطوير مستوى العيش، تنفيس الاحتقانات، التدرج في ارتقاء سلّم العدالة الاجتماعية؟

الثالوث المقدّس – المحرّم يضمر الآن، ويُختزل في واحد، من أجل أن يكون في خدمة واحد يختزل مجتمعاً وأمة، ويتغذى على ميراث "عريق" في الاستبداد.

الخيارات السابقة، وكلها ممكن وزهيد التكلفة، لا تتساوق مع الجنرال الذي يحكم بذهنية المزرعة. إنه يتوخى قطيعاً ولا يريد شركاء وأنداداً. يريد رعايا لا مواطنين، وفي ذلك تكمن معضلة الدولة العربية، في أكثر نماذجها الماثلة الآن. وتتعمق المعضلة حين يكون القمع هو الخيار الوحيد. وفي العالم نماذج سياسية "ناجحة" حكمت وما زالت بقوة الحديد والنار، وصنعت "نهضة" تكنولوجية أو عسكرية. بل ثمة من يروّج بأنّ الانتصارات في التاريخ صنعها الطغاة، ولم تخرج من مصانع البرلمانات الديمقراطية، ولا من مختبرات صناديق الاقتراع.

الثالوث المقدّس – المحرّم يضمر الآن، ويُختزل في واحد، من أجل أن يكون في خدمة واحد يختزل مجتمعاً وأمة، ويتغذى على ميراث "عريق" في الاستبداد. ألم يقل أحدهم في غمرة الواحدية المتضخمة: أنا الدولة، والدولة أنا؟!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard