الدين وُجدَ من أجل الإنسان ولم يوجد الإنسان من أجل الدين

الأربعاء 2 مارس 202204:44 م

حين يتخلص المثقف من روح الأنانية والفوضى والتبريرات الجاهزة، ويبدأ بفهم ضرورة أخذ دوره المطلوب في التغيير الفعّال وإدراك معنى الثقافة بمفهومها الإنساني الواسع، نستطيع القول إنّ هناكَ ثقافةً ومثقفين وأفعالاً قادرةً على البحث وبناء عالم جديد مختلف، وبقدراتٍ واثقة وقوية. أمّا اليوم، فالحديث عن الثقافة والمُثقفين ليس سوى هذيان وأفعالٍ ناقصة.

ما يوجد حالياً على أرض الواقع عبارة عن نوادٍ وصالات ثرثرة تتخللها بعض القراءات الجيدة التي تستحق الثناء، ولكنها غير قادرة على لعب دور الريادة وتحريك الساكن البائس، فعلاقات الصداقة والمصلحة المشتركة هي السائدة في عالم الثقافة المجتمعية الحالية.

الجهات المسؤولة عن الثقافة بعيدة عن الواقع، ولا يهمها ما يعانيه المُثقف الفاعل، وما يطرحهُ من تساؤلات وآراء جدية ونقاشات بنّاءة تخدم الثقافة والمجتمع على حدٍّ سواء، فعدم الاستماع إلى آراء المثقفين المُدركين، وتهميش دورهم، وعدم إيلاء الاهتمام اللازم بما يطرحونه من آراء وأفكار وطرق علاج للوضع الحالي، تُعدّ أخطاءً جسيمةً، وحالة فوضى مُفتعلةً ومُتعمدةً ليس في حق المثقفين الحقيقيين فحسب، بل في حق الثقافة بشكلٍ عام، ففي مثل هذه الأجواء تغيب الحرية، وفي ظل غياب الحرية كلّ شيء مباح وخارج عن نطاق السيطرة والاهتمام.

ما زالت المجتمعات في بلادنا لا تعير الأهمية اللازمة للثقافة والمثقفين، ولا تقدّر المواهب الشابة الواعية، وقدرتها على كشف الحقائق، وسبر غور أعماق الأحياء، والأشياء، وكشف ما يدور من أحداث في السر والخفاء

ما زالت المجتمعات في بلادنا لا تعير الأهمية اللازمة للثقافة والمثقفين، ولا تقدّر المواهب الشابة الواعية، وقدرتها على كشف الحقائق، وسبر غور أعماق الأحياء، والأشياء، وكشف ما يدور من أحداث في السر والخفاء.

إلى متى تبقى الجموع غير قادرة على ضبط وعيها، وغير مستعدة لأخذ دورها، ولا تريد أن تعرف، وتفهم الأسباب التي آلت إليها الأحوال العامة؟

لماذا يعاني المثقف الحرّ ويجترّ آلامه وحده، ولا يعاضده من له قدرة المساندة، والمؤازرة؟ وإلى متى تبقى الجموع أسيرة الخوف، والوهم، والضعف المذلّ؟

ألم يحن الوقت للبحث الحثيث عن آليةٍ فعّالة لردم الأفكار البالية، والخروج من مستنقعِ البؤس المدقع، والبحث عن الدلائل للوصول إلى فهمٍ مغاير قابلٍ لأخذ دور المؤثر، واحتضان الأفكار الإيجابية للخروج إلى أفق جديد خالٍ من الضلالة والنفاق للوصول إلى حالة التوازن العقلي، وبناء علاقات اجتماعية جديدة تؤازر وتقف إلى جانب الأفكار الحرّة من دون قيودٍ وأغلال، وتبدأ بعهد تجديد الأفكار ومنها تجديد الفكر الديني الذي ساهم بشكل كبير في البقاء على حالة اليأس والاتّكالية والإيمان القائم على الخديعة والاقتناع بالأمر الواقع؟

الدين نهجٌ وسلوك، وهو الشيء الذي يتحكم بجوانب عديدة من حياة غالبية الناس، وداخل حدود كلّ دين هناك مجتمعات كبيرة لا قدرة لها على التفكير أو البحث، وما زالت تعيش على هامش الحياة من دون الشعور بأي ذنب، وتمارس عادات الآباء والأجداد وتزيدها غرابةً وممارساتٍ لا تمتّ إلى روح العصر بشيء.

الدين يختلف عن الاعتقاد الديني، وعن الإيمان أيضاً.

الاعتقاد التزام بطريقة معيّنة للحياة، والإيمان يتعلق بالسلوك قبل كلّ شيء، وبناءً على ذلك فالدين هو سلوك المرء بطريقةٍ معيّنة مع وجود قواعد وطرق محددة تتلاءم مع النشاط الإنساني.

إذاً، يمكن تبديل بعض أفكار الدين بأفكارٍ أُخرى تساعد على كيفية رؤية الحياة والعالم. إنّها طريقة للتقرّب إلى الخالق بوسائل وأشكال مختلفة، تارةً بالابتهالات وتارةً أخرى بالقرابين والصلاة والتأمل الهادئ الطويل.

هي في مجملها عمليات مختلفة تؤدي الغرض نفسه، ومع تطوّر وعي الإنسان واتساع مداركه، يبدأ بابتكار أساليب قد تبدو أكثر فائدةً، وتطلعاً، وتقرّباً إلى الخالق، لتبقى مهمة الدين شافيةً للنفس، وخالقةً إنساناً من نوعٍ جديد قادر على صنعِ ذاته والانخراط في عملية الخلقِ، والابتكار، والإنتاج، وإيجاد مفاهيم جديدة، وأشكال معرفية مهمة، لتبدأ بعدها رؤية العالم بحقائق تتغير باستمرار وتتجدد.

هكذا يصبح الإنسان مالكاً القدرة على إنتاج الحدث، وإحداث الأثر.

الإنسان هو الغاية مع كائنات أخرى في الكون. فحين يعي الإنسان ذاته، أول تحديد لهذا الوعي، وأول شرط له، هو مبدأ الذاتية المعرفية، والعمل الاجتماعي وصولاً إلى الحرية المطلقة، وهذا يعني أن هناك علاقةً وثيقةً بين الدين والقانون والأخلاق

الدين وُجد من أجل الإنسان، ولم يوجد الإنسان من أجل الدين. الإنسان هو الغاية مع كائنات أخرى في الكون. فحين يعي الإنسان ذاته، أول تحديد لهذا الوعي، وأول شرط له، هو مبدأ الذاتية المعرفية، والعمل الاجتماعي وصولاً إلى الحرية المطلقة، وهذا يعني أن هناك علاقةً وثيقةً بين الدين والقانون والأخلاق.

في عالم الإنسان هناك إبداعات فكرية مذهلة، ومنها بطبيعة الحال الدين، والتحرّر، والنمو، والتطور وفق قوانين خاصة ومُرتبطة بقوانين عامة لا تُحصى، وهذا يعني أيضاً أن الكائن البشري قادرٌ على الاستعاضة، واستبدال عدد من الأفكار بأخرى جديدة، وخاصةً تلك التي تتعلق بالكيفية التي يرى بها الحياة، واختلاف وجهات النظر عن المعاني وتفعيل الذاكرة، وتنشيط قواه المختلفة لتكون خبراته ومعارفه واستجاباته الفكرية والأخلاقية والجمالية مُرتبطةً بالدين بشكلٍ يؤدي إلى تطوير الوعي البشري والارتقاء التدريجي إلى كائنٍ حرٍّ يعي ذاته، ويُساهم في الخلق والتغيير، حينها يمكن لأي فرد، أو جماعة، التحدّث عن الثقافة والمثقفين بحريةٍ وسلام.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard