المكوّن اليهودي في المغرب... تاريخ من الإرث الثقافي المُندمج

الأحد 6 مارس 202203:00 م

منذ أن منع الملك الراحل محمد الخامس، تطبيق قوانين "فيشي"، وتسليم المغاربة اليهود إلى معسكرات الاعتقال النازية سنة 1939، وقال إن المغاربة سواسية، سواء كانوا يهوداً أو مسلمين، ثم إصدار ظهائر شريفة لحماية اليهود، وإصدار قانون إعادة هيكلة لجان الطوائف اليهودية وإصلاحها في المغرب في 7 أيار/ مايو 1945، والمغاربة اليهود يحظون بتفرد وخصوصية جعلتاهم مُتعايشين لمئات السنين مع المسلمين، ويشعرون بالكثير من الأمان من دون أي شعور بالتمييز.

وتشير التقديرات (في غياب أرقام رسمية)، إلى أن تاريخ وجود اليهود في المغرب، يرجعُ إلى أكثر من ألفي عام، ليُعدّ المغرب إثر ذلك أكبر تجمع لليهود في شمال إفريقيا ويتراوح عددهم بين ألفين وثلاثة آلاف يهودي، وهناك عدد من المصادر يشير إلى أن الرقم كان يفوق الربع مليون في أربعينيات القرن الماضي، قبل أن يُباشر عدد من العائلات اليهودية الهجرة إلى عدد من الدول. غير أن يهود المغرب لم تسقط عنهم الجنسية المغربية، على الرغم من هجرتهم، وذلك لما يجمعهم من صلات "وجدانية وثيقة" بالمملكة.

لم تُسقَط الجنسية المغربية عن يهود المغرب، على الرغم من هجرتهم، وذلك لما يجمعهم من صلات "وجدانية وثيقة" بالمملكة.

الرافد العبري في المغرب

"إننا بوصفنا أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، نضع على عاتقنا حماية حقوق المسلمين وغير المسلمين على السواء، نحمي حقوقهم كمتدينين بمقتضى المبادئ المرجعية الثابتة التي أشرنا إليها، ونحميهم كمواطنين بمقتضى الدستور"، بهذه الكلمات أبدى الملك محمد السادس اهتمامه بالرافد العبري، خلال رسالته الموجهة إلى المشاركين في المؤتمر الذي انعقد في مدينة مراكش، جنوب المغرب، بخصوص حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية.

وحسب الدستور المغربي الصادر سنة 2011، فإن "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسّانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية".

بذلك أصبح المُكون العبري جزءاً مهماً في نسيج الثقافة المغربية، نظراً إلى ما يُميز المجتمع المغربي من تنوع ديني ولغوي يمتزج فيه التسامح والتعايش بين مختلف المكونات، على كافة الأصعدة، بما فيها توفره على محاكم عبرية تنظر في الشؤون الخاصة باليهود في عدد من القضايا التي تشمل الإرث والوصية، والزواج والطلاق، وأحكام النفقة، والقضاة هم عبارة عن مغاربة يهود، عُيّنوا بظهير ملكي، فيما تتجلى سمات التعايش أيضاً في الموسيقى، عبر كلمات الأغاني والأهازيج، في فنون أحيدوس وأحواش وبوغانيم والملحون، وكذلك في صناعة الحلي والمجوهرات والتطريز والخياطة ومختلف الأعمال اليدوية.

وعلى المنوال ذاته، كان الملك الراحل الحسن الثاني قد أعرب في مناسبات عدة عن تمسكه بالمغاربة اليهود، وضمانه مساواة حقوقهم مع حقوق المغاربة المسلمين، الذين يشكلون جزءاً لا يتجزأ من بنية النسيج المجتمعي المغربي، بما فيه اندماجهم في الحياة الاقتصادية والسياسية، وترؤسهم لعدد من المؤسسات والإدارات.

الإرث الثقافي اليهودي

تماشياً مع الجهود المبذولة في المغرب للحفاظ على الإرث الثقافي اليهودي، تم إطلاق عدد من المشاريع التي تُعنى بتحسين جودة حياة اليهود المغاربة، من بينها ورش ملكية لتشييد عدد من المتاحف اليهودية في مدن مغربية عدة، منها في المدينة العتيقة في فاس، بالإضافة إلى جهود الدولة في صيانة التراث العمراني منذ سنة 2013، حين أصدر العاهل المغربي أمراً بترميم أماكن العبادة والأحياء التي قطنها اليهود المغاربة على مجمل التراب الوطني، فضلاً عن ترميم 167 مقبرةً يهوديةً في المغرب، وصيانتها.

تماشياً مع الجهود المبذولة في المغرب للحفاظ على الإرث الثقافي اليهودي، تم إطلاق عدد من المشاريع التي تُعنى بتحسين جودة حياة اليهود المغاربة، من بينها ورش ملكية لتشييد عدد من المتاحف اليهودية في مدن مغربية عدة، منها في المدينة العتيقة في فاس

وفي هذا الصدد، وتفعيلاً لمقتضيات القانون المنظم للأرشيف بتاريخ 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، الذي يفسر مهمة "جمع مصادر الأرشيف المتعلقة بالمغرب والموجودة في الخارج، ومعالجتها وتيسير الاطلاع عليها"، وانسجاماً مع روح الدستور المغربي لسنة 2011، الذي يُعدّ الرافد العبري ضمن مكونات تاريخ المغرب وهويته، ومكرساً للتعددية في البلاد في إطار الوحدة، كانت مؤسسة أرشيف المغرب، قد تسلمت من مراكز الأرشيف الفرنسية، بتاريخ 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، رصيداً مهماً من ذاكرة اليهود المغاربة، مكوناً من 43 ألف وثيقة رقمية متعلقة باليهود المغاربة خلال الفترة التاريخية بين 1864 و1956.

وانسجاماً مع المقتضيات الدستورية التي تنص على أن المملكة المغربية توفر هويةً متعددة الروافد، سواء الأمازيغية أو الحسّانية وحتى العبرانية، انطلقت في البلاد منذ سنة 2014، ورش لمراجعة المقررات الدراسية، وتم تضمينها دروساً عن الرافد العبري الذي تزخر به، وهو الشيء الذي كشفه فؤاد شفيقي، مدير البرامج المدرسية في وزارة التربية الوطنية، بالقول إن "مراجعة المناهج انطلقت قبل سنوات، وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، تضمنت كتب المستوى الابتدائي مواضيع عن اليهودية، وسيستمر التغيير مستقبلاً ليشمل كتب مستويات أخرى".

وأبرز المتحدث نفسه، في حديث إعلامي سابق، أن "الهدف من هذه المراجعة هو إدراج المكوّن اليهودي والعبري كرافد من روافد الهوية المغربية، عبر مادة الاجتماعيات في مقرر هذا العام، وتحديداً في درس يتحدث عن حقبة الدولة العلوية في المغرب، خلال حكم السلطان محمد بن عبد الله، المعروف بمحمد الثالث، والذي اختار مرفأ الصويرة لتأسيس المدينة كمركز دبلوماسي وتجاري، وضمت عدداً كبيراً من اليهود، وكانت نموذجاً عن التعايش بين الديانات".

المتحف اليهودي

"ليس هناك اليوم أي دولة عربية تعمل على حفظ ذاكرتها اليهودية، لهذا وجبت تحية المغاربة على مبادرتهم"؛ بهذه الكلمات كانت زهور رحيحيل، محافظة متحف التراث اليهودي المغربي في الدار البيضاء، الذي تم تأسيسه سنة 1996 للعمل على جمع كل ما يرتبط بالثقافة اليهودية بخصوصيتها المغربية، قد أعربت عن قيمة الجهود المغربية المبذولة في حفظ التراث اليهودي، مضيفةً خلال تصريح صحافي، أنه يعمل "منذ تأسيسه منتصف تسعينيات القرن الماضي، على جمع شهادات اليهود الصوتية والمرئية بغرض إعادة بناء ذاكرة بدأت تندثر منذ انطلاق الهجرة المكثفة لليهود".

المتحف الموجود في حي الوازيس في قلب العاصمة الاقتصادية للمغرب، التابع لـ"مؤسسة التراث اليهودي المغربي" (المؤسسة الوحيدة في المغرب والعالم العربي التي حاولت صيانة 2،500 سنة من التراث اليهودي المغربي)، يعرض محاريب خشبيةً خاصةً بالصلاة اليهودية، وصوراً لأهم الأديرة اليهودية التي تم ترميمها في مدن شمال المغرب ووسطه وجنوبه، فضلاً عن ضمه أروقةً للحلي والألبسة التقليدية ولفافات التوراة وأغطيتها القديمة المطرزة بالذهب، إلى جانب مختلف أدوات الصلاة اليهودية والحرف التقليدية وتقاليد الزواج والزينة اليهودية، ويُشكل بذلك خزاناً لتحف ثمينة، ورمزاً للتعايش والتسامح الذي يعيشه المغاربة من مختلف الديانات.

المتحف الموجود في حي الوازيس في قلب العاصمة الاقتصادية للمغرب، التابع لـ"مؤسسة التراث اليهودي المغربي"، يعرض محاريب خشبيةً خاصةً بالصلاة اليهودية، وصوراً لأهم الأديرة اليهودية التي تم ترميمها في مدن شمال المغرب ووسطه وجنوبه

كما أن المتحف يتوفر على مجموعة كتب قديمة جداً، مثل وثيقة عزوز كوهين التي كتبها سنة 1933 بالمغربية، وبحروف عبرية، وهي الوحيدة في العالم، ومجموعة من الأفلام الوثائقية والأفلام السينمائية عن اليهود المغاربة، وعدد مهم من المخطوطات المغربية المكتوبة بالدارجة المغربية، لكن بحروف عبرية، وتسجيلات أعلام الطرب والغناء اليهودي في المغرب، مثل سليم الهلالي وسامي المغربي وزهرة الفاسية وماكسيم كاروتشي.

وفي مدينة الصويرة في جنوب المغرب، هناك "بيت الذاكرة"، وليس مجرد بيت عادي، بل هو مساحة روحية وتراثية للحفاظ على الذاكرة اليهودية المغربية، يحمل جزءاً مهماً من تاريخ تعايش الإسلام واليهودية، إذ يُخلد ذاكرة العديد من الشخصيات اليهودية ذائعة الصيت، المُتحدرة من مدينة الصويرة، من قبيل "دافيد يولي ليفي"، أول يهودي تم انتخابه في مجلس الشيوخ الأمريكي، ولوحةً لأسماء اليهود في المدينة الذين عملوا مستشارين لدى الملك المغربي، فضلاً عن عرضه وثائق ومستلزمات لعائلات يهودية يعود تاريخها إلى ما قبل مئة عام مضت، بالإضافة إلى كنيس و"المركز الدولي للبحث حاييم وسيليا الزعفراني" حول تاريخ العلاقات بين اليهودية والإسلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard