حين يصبح الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب تهمةً

الثلاثاء 15 فبراير 202203:33 م

لا يزال المغاربة يتذكرون صيف سنة 2014، حين خرج وزير الداخلية آنذاك، محمد حصاد، أمام البرلمان المغربي، ليتهم الجمعيات الحقوقية المغربية بخدمة أجندات خارجية والحصول على تمويلات أجنبية من دون أن يقدّم دليلاً عليها. التصريح كان صادماً خصوصاً أن رياح الربيع العربي آنذاك لم تكن قد تحولت إلى عاصفة تجرف كل نفس حرية استنشقه المغاربة، ليبدأ بعد ذلك مسلسل التضيقات التي طالت حرية التجمهر والتظاهر وتأسيس الجمعيات، لتنتهي بقمع حرية الصحافة والرأي والاعتقالات السياسية.

الاعتقالات لم تطَل الصحافيين والحقوقيين فحسب، بل حتى من تضامن معهم.

بعد مرور سبع سنوات على ذاك التصريح، أصبح العمل الحقوقي الجاد في المغرب تهمةً، وصارت ثلة من الحقوقيين والحقوقيات والصحافيين والصحافيات المستقلات يُنعتون بـ"الطابور الخامس"، ويُشهَّر بهم آناء الليل وأطراف النهار من طرف جرائد ومواقع إلكترونية قريبة من السلطة، من خلال نشر معلومات كاذبة وملفقة عنهم وعن عائلاتهم من أجل ضرب مصداقياتهم لدى الرأي العام وتشويه سمعتهم.

للأسف، أغلق المغرب قوس الحقوق والحريات بشكل لا رجعة عنه، خصوصاً بعدما وصل التعسف إلى مرحلة رفض رجال السلطة منح وصولات الإيداع لعشرات الجمعيات الحقوقية التي أُسست أو جُددت هياكلها، على امتداد التراب الوطني، مع أن رجال السلطة يعلمون أن قراراتهم فيها تجاوز للقانون. لكن في المقابل، يعون بأن طريق لجوء الجمعيات للقضاء طويل ومرهق، مادياً ومعنوياً، وحين تحكم المحاكم الإدارية لصالحهم لا تجد هذه الأحكام طريقها إلى التنفيذ بسبب تغول الأمن على بقية السلطات.

وكبقية الدول الاستبدادية، استغلت السلطة في المغرب جائحة كورونا من أجل إحكام القبضة الأمنية على ما تبقى من مكتسبات حقوقية، إذ ظهر ذلك بشكل جليّ خلال منع الوقفات الاحتجاجية السلمية ضد الانتهاكات الحقوقية خلال الجائحة، والتي في الغالب لا يتعدى عدد المحتجين فيها عشرين فرداً، في حين أن هذه السلطات نفسها سمحت بعشرات الوقفات والمسيرات التي شارك فيها مئات المتظاهرين، وهذا يظهر تباين تعامل السلطة مع الاحتجاجات، وأن مبرر الخوف على الصحة العامة لم يعد مقنعاً، إذ إن منع الوقفات التضامنية مع المعتقلين السياسيين أو التي تُنظَّم للتنديد بالانتهاكات الحقوقية أصبح ممنهجاً، فطوال السنة ونصف السنة الماضية، لم تسمح السلطة بتنظيم أي وقفة ذات مطالب حقوقية ودائماً تواجه المحتجين بالعنف.

أغلق المغرب قوس الحقوق والحريات بشكل لا رجعة عنه، خصوصاً بعدما وصل التعسف إلى مرحلة رفض رجال السلطة منح وصولات الإيداع لعشرات الجمعيات الحقوقية التي أُسست أو جُددت هياكلها، على امتداد التراب الوطني، مع أن رجال السلطة يعلمون أن قراراتهم فيها تجاوز للقانون

حتى الوقفات التي نُظِّمت تضامناً مع القضية الفلسطينية التي كان يفخر المغرب سابقاً بتنظيم مسيرات مليونية داعمة للشعب الفلسطيني، تم منعها في سياق إعلان المغرب تطبيع علاقاته مع "إسرائيل"، إذ خرج عشرات المغاربة للتعبير عن رفضهم هذه الخطوة، غير أن السلطة واجهت هذه الاحتجاجات بالعنف في مشهد صادم، إذ لم تعد السلطة في المغرب تقوى على سماع صوت مخالف لقراراتها، وكل من عبّر عن رأي مخالف، وقّع على نهايته بيده.

وفي الوقت الذي دعت فيه مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، السيّدة ميشيل باشيليت، الدول إلى إطلاق سراح كل شخص ليس موقوفاً على أسس قانونية، بمن فيهم السجناء السياسيون ومعتقلو الرأي، استغل المغرب الجائحة واعتقل عدداً من الصحافيين والناشطين الحقوقيين، من أجل عزلهم، مراهناً على ضعف التضامن معهم بسبب انشغال المغاربة والعالم بمخلفات جائحة كورونا الاقتصادية والاجتماعية والصحية.

الخوف على المعطيات الشخصية في المغرب لا يقتصر على مراقبة الهاتف فحسب، بل تحوّلت إلى مراقبة غرف النوم.

فخلال الحجر الصحي، اعتُقل كل من الصحافيين سليمان الريسوني وعمر الراضي، ووُضعا في الاعتقال الاحتياطي لأزيد من ثمانية أشهر قبل انطلاق المحاكمة، على الرغم من أنهما يتوفران على كل ضمانات الحضور لمحاكمتهما والحدود مغلقة ولا يمكنهما مغادرة التراب الوطني، فضلاً عن أنهما لا يشكلان خطراً على نفسيهما والمجتمع، وبعد ذلك بأشهر اعتُقل الحقوقي والمؤرخ معطي منجب، وهو من الفئة العمرية التي توصي الأمم المتحدة بإطلاق سراحها حفاظاً على حياة أفرادها وصحتهم، لكنه قضى في السجن مدة ثلاثة أشهر، وعندما لم يجد قاضي التحقيق تبريراً قانونياً لاستمرار اعتقاله، عمد إلى متابعته في حالة سراح.

الاعتقالات لم تطَل الصحافيين والحقوقيين فحسب، بل حتى من تضامن معهم، وهنا أشير إلى حالة نور الدين العواج، وهو شاب مغربي كان دائم الحضور في كل الوقفات التضامنية والاحتجاجية مع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، غير أنه خلال إحدى الوقفات التضامنية مع الصحافيين سليمان الريسوني وعمر الراضي، تم اعتقاله وقادته عناصر بزي مدني إلى الفرقة الوطنية، وهذه المؤسسة كل من يلجها يعي جيداً أنها ساعات معدودة وسيجد نفسه في السجن بأحكام ثقيلة بتهم وأفعال لم يسمع عنها مسبقاً، وهو ما حدث مع نور الدين الذي حُكم عليه بالسجن بسنتين بتهم "إهانة المؤسسات الدستورية وإهانة هيئات منظمة، والتحريض على ارتكاب جناية".

وبينما المفترض من الدولة حماية المعطيات الشخصية لمواطنيها، إلا أنها كانت سباقةً إلى اختراقها من خلال برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس"، إذ كشف تحقيق نشرته منظمتا "فوربدن سطوري" و"منظمة العفو الدولية"، أن المغرب وضع عشرة آلاف رقمٍ يُحتمل أن يكونوا هدفاً للاختراق، وهذه الأرقام هي لصحافيين معروفين بمواقفهم الممانعة للسلطة، ومن بينهم من هم في السجن، وأرقام لحقوقيين وسياسيين، والخطير في هذا التطبيق أنه لا يخترق مكالمتك فحسب، بل يخترق الرسائل على تطبيقات المراسلة الفورية والصور ويفتح مايكروفون الهاتف وكاميراه.

وعوض أن تفتح السلطة تحقيقاً في الاتهامات الموجهة إلى جهاز الاستخبارات الذي ينتهك خصوصية المغاربة ويستعمل معطياتهم لابتزازهم والضغط عليهم والتشهير بهم، نفت كل الادعاءات وهاجمت الجهة الناشرة للتقرير وتوعدت كل من نشر معطيات ومعلومات عن الموضوع على مواقع التواصل بالمتابعة القضائية.

الخوف على المعطيات الشخصية في المغرب لا يقتصر على مراقبة الهاتف فحسب، بل تحوّلت إلى مراقبة غرف النوم، وهذا ما حدث مع الحقوقي المغربي البارز فؤاد عبد المومني، الذي تم غرس كاميرات المراقبة داخل غرفة نومه، وتم تصويره على سريره هو وشريكته في وضعيات حميمية، وبعد ذلك وُضّبت مقاطع الفيديو وتم إرسالها إلى عائلتهما وأصدقائهما.

كل متتبع للشأن الحقوقي في المغرب لا يمكن إلا أن يستخلص أننا نعيش عهداً جديداً من الانتهاكات الحقوقية،  فانتقلنا من سنوات الجمر والرصاص إلى سنوات غرف النوم والأجهزة "التناسلية"

وفي حالة أخرى، لم تكتفِ السلطة بإرسال مقاطع الفيديو للأصدقاء والعائلة، بل نشرت مقطع فيديو للعموم في أحد المواقع القريبة من السلطة، إذ سُرِّب مقطع فيديو نُسب إلى النقيب محمد زيان وزير حقوق الإنسان في عهد الحسن الثاني، برفقة الضابطة وهيبة وهي لاجئة في الولايات المتحدة الأمريكية داخل غرفة في فندق، إذ ظهر الشخص الذي كان في الفيديو عارياً، وعلى الرغم من أن النقيب زيان أكد أن هذا الفيديو مفبرك، لكن عوض فتح تحقيق في هذا الانتهاك المرعب للخصوصية، ساد الصمت، وفي المقابل استمر الموقع الذي نشر هذا المقطع في مهاجمة المعنيين وتهديدهم بشر مقاطع أخرى.

كل متتبع للشأن الحقوقي في المغرب لا يمكن إلا أن يستخلص أننا نعيش عهداً جديداً من الانتهاكات الحقوقية،  فانتقلنا من سنوات الجمر والرصاص إلى سنوات غرف النوم والأجهزة "التناسلية".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard