"شفيقة" رفيقة قعدات مزاج الغلابة

الأربعاء 11 مايو 202202:10 م

من يعرف شفيقة ويستمع لها، يؤمن أنها الراعي الرسمي لقعدات المزاج والسلطنة، ورفيقة سائقي الميكروباصات وعفاريت الأسفلت، فلا صوت يعلو في كابينة مقطورة سيارات النقل الثقيل على صوتها، الذي لم يسع يوماً إلى الأسطوانة الذهبية، وإن منحها الغلابة لقب "السلطانة".

أتذكر أول مرة سمعت فيها صوتها، عام ثورة يناير المصرية 2011، كان ابن عمي قادماً من القاهرة لتوّه، كأغلب أبناء قريتنا الذين يزورون البلد كل عيد، اقتربت منه، وسألته: "مين اللي أنت مشغله دا؟".

أجابني باسماً: "دي مش واحد... دي شفيقة"، لم يزد عن قوله كلمة، ربما لا يعرف عنها الكثير، فهي كأغلب "معجزات" الغلابة وأساطيرهم الشعبية وأبطالهم الخارقين، لا يعرفون عنها، وهم أميون في الغالب، سوى ما يتداوله من سهروا معها في فرح، أو حضروا لها حفلاً في طنطا، إحدى مدن محافظات الدلتا، أو سمع من صاحبه معلومة يشوبها الحذف أو الإضافة، والكثير من المحبة التي تُغلب الخيال على الواقع، فويكيبيدا لا تعرّف الغلابة، وأبناء "قعدات المزاج"، ممن هم على شاكلة ابن عمي، لا يستهويهم محرك البحث "غوغل".


شفيقة: البداية

كان صوت شفيقة بسيطاً وعفياً، كأنه عود ذرة جفَّفه لهيب الشمس في الغيطان. في أصالته يشبه باب الكاسيت المكسور والحصيرة الخشنة المفروشة تحتنا، والبهجة والشجن يتداخلان ليصنعا صوتاً مميزاً ليس كمثله صوت، إلا نكت الغلابة التي تُضحكهم على حالهم، فعلى شجنه يحمل من البهجة قدر ما ينسيك حزنك، وأنت تفكر في حب ضائع.

غنت شفيقة من كلمات الشاعر محمد زعلول، وألحان إبراهيم دمدم، ذلك ما لمحته على وجه علبة الشريط الملقاة بجانب الكاسيت، وهي تحكي للحشاشين والسهارة أنها جربت الحب مرة، وتحذرهم عن تجربة "أنا عشت فيه ليالي كانت ليالي مرة"، بينما هم يأخذون نفساً من سيجارة الحشيش، ويخرجونه مرددين: "احترت ودوقت حرته من العذاب سهرته... واللى يجبلي سيرته بقول جربته مرة".

حمل الحشاشون "الجوزة" ورقصوا، أقسموا أنهم رأوها كوكباً دورياً، منهم من رآها قمراً تراقص بناره، سقط منه شجر وورود وشياطين محترقة، تتطاير في صورة رماد، ومنهم من رأى موته، كأن "حجر" الشيشة "القص"، المطعم بـ "سِنّة" حشيش هو جهنم وبئس المصير، إلا شفيقة، الوحيدة التي أكملت الغنوة: "ولقتنى بشوق بقرب من غير ما اسأل مجرب"، أما أنا فانصرفت لأبحث عن السيدة، التي لا تقل عظمة في رأيي عن إديث بيف وأم كلثوم، وإن كان هذا الكلام سيغضب الأستاذ حلمي بكر، لأنه سيرى في مقارنتي شفيقة بأم كلثوم شيئاً من المبالغة، فبالتأكيد سيغضب ابن عمي أيضاً، لأنها مقارنة تنقص من قدر "السلطانة" في رأي أصدقائه.

حمل الحشاشون "الجوزة" ورقصوا، أقسموا أنهم رأوها كوكباً دورياً، منهم من رآها قمراً تراقص بناره، سقط منه شجر وورود وشياطين محترقة، تتطاير في صورة رماد، ومنهم من رأى موته، كأن "حجر" الشيشة "القص"، المُطعّم بـ "سِنّة" حشيش هو جهنم وبئس المصير، إلا شفيقة

رجعت لابن عمي بعد أكثر من ساعة، كان قد بدّل وجه الشريط. استقبلتني شفيقة بواحدة من أشهر أغانيها، "راجع تاني" وإن كان رجوعي لا شاكياً ولا باكياً، بل لأحكي لهم ما عرفته عن السيدة التي سحرتني من أول غنوة، فكانت أول كلمة نطقت بها للحاضرين: "من طنطا وأبوها كان بيلعب أوكورديون".

انتبه الجالسون لكلامي، بدأت أحكي لهم عن بدايات مشوار شفيقة، تحديداً في العام 1957، وقت كانت مصر تضحك على "إسماعيل ياسين في الأسطول"، و"إسماعيل ياسين في جنينة الحيوانات"، وفيلم "ابن حميدو"، وكان "الغلابة" يحلمون أن يكبر ابنهم ليتزوج من ابنة الباشا، كما أحبها وتزوجها علي ابن الجنايني في "رد قلبي"، بينما الوسط الثقافي يشهد إصدار "الثلاثية" و"قصر الشوق" لكاتبنا العالمي نجيب محفوظ، واللتين شكلتا جزءاً مهماً من مشروعه الروائي، الذي انتهى به إلى نوبل.

في ذلك العام، كان عازف الأوكورديون الشاب محمود رياض عطا، الساكن في حي القرشي بطنطا، ينتظر حدثاً أهم من الأفلام والأدب وربما ثورة يوليو، هو قدوم مولوده الذي انتظره 9 أشهر، شارك خلالهم في الكثير من الأفراح والحفلات مع إحدى فرق طنطا المحلية.

يعود محمود كل ليلة، متلهفاً لرؤية زوجته، وليطمئن على مولوده القادم، وربما اسمعهما بعض عزفه على الأوكورديون، أو غالبه النعاس من تعب العمل، فنام واستراح وارتاح جيرانه من آلته الموسيقية، حتى تلك الليلة التي صرخت فيها زوجته بآهات الوضع، وبقي يشاركها القلق حتى خرجت عليه "الداية" لتخبره أنها بنت، ليرتاح فؤاده، ويقول متبسماً: "سموها شفيقة على اسم أمي".

الانطلاقة الأولى

ظل الأب على حاله لفترة، يخرج كل مساء إلى عمله، ويعود مع الصبح الى بيته، غير أن طفلته زادت من شوقه إلى العودة، وعلّقت قلبه بالبيت، وجعلت للأوكورديون فقرة منزلية ثابتة، يعزف فيها الأب لطفلته ما يسكتها عن البكاء، ولما كانت البيئة هي المكون الأساسي في موهبة الطفل، فقد نشأت شفيقة شغوفة بالموسيقى، محبة للغناء، إضافة إلى حسن صوتها الذي جعل الجميع يشجعونها ويطربون لها، وجعلت من أبيها معلماً وصاحباً وقائداً لها خارج البيت، بعد أن اصطحبها إلى عالمه الخارجي، فلازمته في الحفلات والسهرات والأفراح.

في سن الـ 13 عرفت شفيقة الجمهور، تحديداً في عام 1970، حيث وقوفها على خشبة مسرح فرقة "ليالينا" بطنطا، والتي كان يقودها والدها الفنان محمود عطا، ويدير شؤونها "لولي"، محققة نجاحاً كبيراً، فالفتاة التي لا تكاد تُرى من على المسرح، تستطيع أن تدفع الجمهور إلى الرقص لساعات على إيقاعات صوتها المبهج وحضورها الطاغي.

نجاح شفيقة لم يقتصر على أفراح وحفلات طنطا، فمع إطلاق أول ألبوماتها الغنائية في عام 1980، أصبح صوتها هو الأعلى في مصر، فالكاسيت حمل صوتها إلى أرجاء الجمهورية، بل والوطن العربي، حتى أطلق عليها الموزعون "سلطانة الكاسيت"، فما إن توضع شرائطها على الأرفف حتى تتخاطفها أيادي المحبين، ومن ثم صارت تطلب في الحفلات والأفراح في المحافظات، بل والدول العربية، وبعض الدول الآسيوية، وتحديداً تايلاند، التي حققت فيها شهرة كبيرة.

إن كان هذا الكلام سيغضب الأستاذ حلمي بكر، لأنه سيرى في مقارنتي شفيقة بأم كلثوم شيئاً من المبالغة، فبالتأكيد سيغضب ابن عمي أيضاً، لأنها مقارنة تنقص من قدر "السلطانة" في رأي أصدقائه، إنها "هرم طنطا الرابع"

في التسعينيات، أنتج لها أحمد فخري، صاحب شركة الغربية للصوتيات، مجموعة من شرائط الكاسيت. كانت وقتها في أوج شهرتها، وكان الجميع يتلهفون لسامع صوتها، حتى أنها كانت تقيم حوالي 7 و8 حفلات (نمر) في اليوم الواحد. وكانت تتقاضى 10 آلاف جنيه عن كل نمرة، وقد وصل صافي دخلها اليومي إلى 40 ألف جنيه.

"هرم طنطا الرابع"

"أكيد بعدها سافرت وسابت طنطا"... قالها ابن عمي وهو ينفث ما تبقى من دخان الشيشة، وعلى وجهه ابتسامة تؤكد لأصحابه أنني عفريت، وعارف كل شيء، فما كان إلا أن أجبته بثقة العارف، أنها لم تترك بيت والدها بطنطا طيلة حياتها، فقد بقيت تساعد الأهل والجيران في أزماتهم، وتقف بجانبهم في أفراحهم، متطوعة بالغناء أو بالمساعدة في شراء أجهزة العرائس.

كذلك لم تنس فضل من ساعدوها ووقفوا بجانبها في بدايتها، فهي أحد مؤسسي نقابة المهن الموسيقية في طنطا، وإن كانت رفضت تولي أي مناصب، فذلك رغبة في أن تظل مخلصة لمشروعها الغنائي، ذلك الإخلاص الذي جعلها تستحق لقب "هرم طنطا الرابع".

الإفلاس

ظلت شفيقة متربعة على عرش الكاسيت لسنوات، تحديداً حتى العام 2004، حين قررت أن تخوض تجربة الإنتاج بنفسها، ويبدو أن الفنانة لم تكن على دراية بأحوال السوق بقدر معرفتها بالغناء، فسوق الكاسيت آنذاك كان قد انهار تماماً، ما عرّضها لخسارة كبيرة، جعلتها تفكر أن أحوال الفن غير مضمونة، فما تكسبه اليوم باليمين تضيعه بالشمال، ومن ثم لم تجد مفراً من الاعتزال، والتفكير في مجال آخر تستثمر فيه أموالها، فاقترح عليها أولاد الحلال أن تفتح مطعم سمك في الإسكندرية، وهو المشروع الذي لم تختلف عواقبه كثيراً عن تفكيرها في الإنتاج الفني.

ثلاث سنوات قضتهم بعيداً عن الغناء، خسرت خلالهم الكثير من المال، فالجماهير التي أحبت شفيقة واشترت شرائط أغانيها، لم تقدم على مطعمها بنفس الحفاوة، ولا أعرف إن كان السبب هو عدم إتقانها صنعة السمك وإدارة المحل، أم لصعوبة منافسة غيرها من المطاعم في المدينة الساحلية، لكن الأكيد أنها غريبة عن "الكار"، لذلك كان منطقياً أن تعود إلى الغناء مرة أخرى في عام 2007، وإن كانت عودة بسيطة، اقتصرت على إحياء الأفراح والحفلات داخل مدينة الإسكندرية.

سبب آخر كان وراء ضياع أموالها، واحتياجها لمساعدة من حولها في آخر حياتها. هو زواجها من "شقيق"، صاحب مطعم كباب شهير في الإسكندرية. وقد كان هذا الشخص يشتري بأموالها أراضٍ، ويتوسّع في محلاته. وقد حكى بعض من عرفوها أنها لم تزرق بأطفال، رغم زواجها أكثر من مرة.

كان ابن عمي وأصدقاؤه وصلوا إلى درجة من الانتباه لكلامي جعلتهم ينسون شرب الشيشة، حتى انطفأ حجرها، ولم يبق منه سوى الرماد، وبقايا معسل "أكلته الولعة"، لذلك أثرت أن أكمل كلامي وصولاً إلى بداية النهاية في حياة شفيقة.

بعد عودتها من الاعتزال، ظلت تغني 3 أعوام أُخر، تحديداً حتى 2010، حين داهمها المرض، قاصداً قلبها الذي لم يعرف غير الحب لأهلها وجيرانها وللفن وناسه، فأصيبت بجلطة في القلب، نقلت إثرها إلى المستشفى، وبقيت في "العناية المركزة" لفترة كبيرة، لكن حالتها كانت في تراجع يومي، إلى أن رحلت عن عالمنا في أيار/ مايو 2011.

سكت الجميع للحظة، وخيم الحزن علينا، كأن شفيقة لم تمت منذ سنوات، بل وقت أعلمتهم بوفاتها، ربما كان أحدهم يعتقد أنها تعيش في مدينتها، وأن صدفة ستجود عليهم ويلتقون بها في فرح أو حفلة، لكنني قتلت هذا الأمل دون قصد، وبينما نحن على حالنا، وصوتها يتردد في الكاسيت: "داريت دموعى ما بين رموشي، وعنيه تبكى ولا بيناموشى، مش بايدى عاشق يا سيدي، والفرقة واخدة منى الأحبة"، قال ابن عمي: "لحظة بقى نغير الحجر". 


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard