نوار بلبل... تعال يا ميشيل سورا أخبرك عن مظاهرات الخالديّة

الجمعة 20 مايو 202211:00 ص

استضاف مسرح Lavoir Moderne في العاصمة الفرنسية باريس مونودراما "مساواة-Égalité" للمسرحي السوري نوار بلبل، مؤلفاً ومخرجاً ومؤدياً لدور "عمر أبو ميشيل"، الذي وصل إلى فرنسا مع دراجته "مساواة"، التي نكتشف لاحقاً أنها كانت ملكاً للباحث الفرنسي ميشيل سورا (1947-1986) صاحب كتاب "سوريا: الدولة البربرية"، الذي خُطف في لبنان من قبل حركة الجهاد الإسلامي (أصبحت تحت لواء حزب الله لاحقاً)، وعثر على بقايا جثته عام 2005 في ورشة بناء في بيروت.

يكسر بلبل في العرض توقعاتنا عن المونودراما، الشكل المسرحي الذي يقع عادة في أحادية الإيقاع والتركيز على الخطابيّة، إذ يتفادى التركيز على معضلة اللجوء، والصعوبات التي يواجهها اللاجئ في فرنسا، الصورة النمطية التي تطغى على العديد من العروض، والتي يتجنبها بلبل مُتعمداً، إذ يخاطب طيف ميشيل سورا الذي يطارده في باريس، فسورا صديقه، عرفه و اختبره، وأدى ذلك إلى سجن عمر في تدمر، حيث قضى سبع سنوات تحت التعذيب، كونه على علاقة مع "الجاسوس الفرنسي"، بصورة أدق، كان سورا يعلمه اللغة الفرنسيّة لأجل امتحانات الجامعة، صدفة وصداقة مؤقتة كانت نتائجها وحشية بالنسبة للاثنين.

بين إنسان وغرض

يدخل عمر أبو ميشيل الخشبة مفعماً بالطاقة، حاملاً دراجته الهوائية التي رافقته لما يفوق الثلاثين عاماً، هذه الدراجة، تمكنت من النجاة من سوريا، أما أختها "حريّة" فما زالت أسيرة، ومعاً، أي عمر ومساواة، يتحديان الصعوبات البيروقراطيّة، إذ يصر عمر على أن يكون ملف اللجوء الخاص به منفصل عن ملف الدراجة، لكن الموظف الذي يمنح طلبات اللجوء في مركز الشرطة في باريس يرفض، ويؤكد أنه "في فرنسا" لا يمكن أن يكون للدراجة، حتى لو كانت لميشيل سورا، ملف منفصل عن صاحبها أو حتى ملف منفصل، فهي ليست كائناً حياً من وجهة نظر الدولة.

 "تعال نشرب الشاي يا ميشيل، فالنظام السوري وحزب الله متوحشان، لن يتركانك لشأنك" 

هذه المفارقة بين "إنسان" و"غرض" تتكشف أمامنا لاحقاً، حين نتلمس في العرض ما يمكن تسميته "درس في كيفية التعامل مع الغرض المسرحيّ". الدراجة بيد عمر هي حبيبة، وسيلة نقل وحامل للأحلام، هي شريكة حياة وناجية من الموت، يقبّلها عمر أبو ميشيل، يدللها، يغسل عنها الوسخ، ويشارك معها حالماً في "Tour de France"، أداء بلبل لا يمكن التعليق عليه لاحترافه (أخبرني بلبل بعد نهاية العرض أنه أثناء التحضير للعرض كان يتمرن صباحاً أمام الكاميرا، وليلاً يتحول إلى مخرج يشاهد العرض و يعيد ضبطه وتنسيقه)، ناهيك أن حكاية العرض تتحرك على عدة طبقات، لا تتدفق بصورة متتالية، إذ يبذر بلبل العلامة لكشفها لاحقاً أمامنا، لينتهي العرض دون أن نطرح أسئلة عن المجانيّة أو الإفراط في المشاعر.

يخاطب عمر صديقه سورا بوصفه طيفاً هامليتياً يحلق عالياً، نجهل حد نهاية العرض، إن كان عمر يدرك أنه يحدّث ميتاً أم لا، إذ يطلب عمر من سورا التحرر من صيغة الباحث الأنثروبولجي والسوسيولوجيّ، يطلب منه بوضوح: "تعال نشرب الشاي يا ميشيل، فالنظام السوري وحزب الله متوحشان، لن يتركانك لشأنك"، والدليل، هو عمر نفسه، المعتقل السياسي السابق الذي دفع سنوات عمره و لحمه ودمه ثمناً لدروس اللغة الفرنسية، الحكاية التي نظنها بداية حقيقية، بل ويمكن أن تحمل نوعاً من الحقيقة، ألم يلتق سورا أي شخص عادي في سوريا، أم هو أيقونة تصنع عنها أفلام فقط؟

"تعال يا ميشيل سورا أخبرك عن المظاهرات في الخالديّة، تعال أخبرك كيف ثار الناس ضد الدولة البربريّة ثم ماتوا (جميعاً)"

يسحب بلبل أرشيف سورا الصوتي من أنف تمثال بجانبه، ذك الأرشيف الذي يتردد صداه في العرض، يتخلل ذلك طلب عمر من سورا أن يتخفّف، فكلنا قد ندفع الثمن موتاً وتعذيباً، وكأن بلبل يحاول أن يقدم ضداً للحكاية التقليدية الخاصة بعلاقة "الغربي" مع "السوري"، فالأخير ليس موضوعا بحثياً، ولا عينة إثنوغرافية لنيل شهادة الدكتوراه لاحقاً، بل شخص من لحم ودم، يحب ويكره، يخاف و يُقدم، إذ يحاول العرض طرح علاقة مواجهة بين الفرنسي الشهير، الذي قرر أن يقوم ببحث ميداني، وذاك السوري الذي لا نعرف اسمه، الغريب، الذي اقترب من الموت وخسر حبيبته لأنه مسّ ذاك الأجنبي، هذه المواجهة بين الشخصيتين (سورا- السجين السياسي)، تدفعنا لإعادة النظر في صورة سوريا الأسد في "الخارج"، تلك الصورة التي تقمصها السجين السياسي نفسه، والتي تتضح إن فكرنا باسمه، عمر (نسبة إلى عمر أميرلاي الذي أنجز فيلماً عن ميشيل سورا) و أبو ميشيل (نسبة إلى سورا نفسه)، لنطرح السؤال: من هو هذا الذي لا نعرف اسمه، ذاك الذي سجن وعذب ولم يذكر أبداً، ذاك الذي نجا ويريد فقط أن يعيش؟

هناك لحظات من الرعب تتخلل العرض، لا نتحدث عن مفهوم الطيف/ الشبح، ولا صوت سورا، بل هتاف عبد الباسط الساروت، وفدوى سليمان، و كل المتظاهرين الذين تضج أصواتهم في رأس عمر أبو ميشيل، الذي نجا و دراجته/ حبيبته، مستذكراً ما شهده في سوريا الثورة، وكأنه يقول: "تعال يا ميشيل سورا أخبرك عن المظاهرات في الخالديّة، تعال أخبرك كيف ثار الناس ضد (الدولة البربريّة) ثم ماتوا (جميعاً)".

أخبرنا يا ميشيل سورا، أنت الذي مت ظلماً، ما الذي علينا فعله كسوريين؟ كيف يمكن أن تصف ما حدث منذ عام 2011؟ ومن سيستمع إليك لأجل إنقاذنا؟ 

يحاول عمر متابعة حياته الجديدة، إلى حد توهمه الفوز بـ"Tour de France"، وتزاحم الصحفيون عليه لسؤاله لمن يهدي هذا الانتصار؟ هنا، يتوقف الزمن وتسقط البلاغة، ويتضح أثر النظام السوري على ضحاياه والناجين منه، إذ عوضاً عن الإجابة عن السؤال، يبدأ عمر أبو ميشيل بترديد منطلقات حزب البعث والتحية العسكريّة، ويهدي فوزه إلى حافظ الأسد، راعي الرياضة والرياضيين، وكل الجمل التي أجبر على حفظها حتى نسي أنه حفظها، وتحولت إلى رد فعل طبيعيّ، وهنا تتكشف سطوة الإيديولوجيا، نظام الأسد يهيمن على تكوين الأنا، إن وجدت نفسها لحظة في مواجهة ما أو تحت بقعة الضوء، تبدأ بترديد الشعارات الوطنية الفارغة، لتنكشف الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها، نظام الأسد عَطَبَ (الجميع)، أحياء وأمواتاً، ضحايا وناجين.

لكن، ماذا يعني أن يمتلك أحدهم دراجة ميشيل سورا وأن يخوض معها علاقة حبّ لأكثر من ثلاثين عاماً؟ الدراجة هنا تتحرر من صغتها الوظيفية لتتحول إلى أثر، كصوت سورا نفسه الذي نسمعه في العرض، سورا الذي لا يعرف عنه المسؤول عن منح ملفات اللجوء شيئاً. الأهم، ماذا يعني أن نحمل آثارهـ(ـم) الآخر/الآخرين على أكتفانا في سبيل اعترافٍ يواجه بالصمم أو العمه؟ وكأنه لا يكفي أن يقتل النظام السوري مواطنيه ومواطني بلداناً أخرى كي ننال ما نستحقه من عدالة. لنعد صياغة السؤال بصيغة أخرى: "أخبرنا يا سورا، أنت الذي مت ظلماً، ما الذي علينا فعله؟ كيف يمكن أن تصف ما حدث منذ عام 2011؟ ومن سيستمع إليك لأجل إنقاذنا؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard