على أعتاب السنة الثانية عشرة من الحرب في سوريا... من أنا اليوم؟

الجمعة 28 يناير 202212:57 م


من أنا اليوم؟ أين أنا سياسياً واجتماعياً؟ أين أنا اقتصادياً وثقافياً؟ هل كان لكل هذه التساؤلات أن تلح في عقلي لولا الحرب؟ هل هي أسئلتي وحدي، أم أسئلة جيل بأكمله بين داخل البلاد وخارجها؟

هو حوار داخلي بدأ منذ مطلع 2022. أسئلة وجودية لا تقترب من الخالق والذات الإلهية، إنما يطرحها عقلي على عقلي، ويصر على إجابة لا خيارات متعددة فيها، ولا بنود يتيح فيها خياراً أو مربعاً فيه.

أين أنا سياسياً واجتماعياً؟ أين أنا اقتصادياً وثقافياً؟ هل كان لكل هذه التساؤلات أن تلح في عقلي لولا الحرب؟ هل هي أسئلتي وحدي، أم أسئلة جيل بأكمله بين داخل البلاد وخارجها؟

"الأخرى تُذكر"، لأكتب وأملي ما أريد، وأشرح له من أنا الآن.

كيف أقيّم من أنا سياسياً، وأنا محاطة بكل أطراف النزاع؟ ومن أنا اجتماعياً، وما زلت كل يوم أرى في كلام أبي الذي خاضَ حروباً حقيقةً على الجبهات، ترهات لا تاريخاً؟ ومن أنا ثقافياً بعد عشر سنوات حرب؟ هل أملك هويتي اليوم؟

كل هذه الأسئلة التي تقترب لا تكون بحثاً منشوراً في إحدى المجلات المحكمة خضع لاختبارات ومقاييس على برامج الإحصاء، إلا في التجربة السورية، فهي ترصد بالملاحظة كأداة تشكل الوعي والهوية تبعاً لكل معطيات الحرب.

"الخانة"

ربما لا يعرف معنى كلمة " الخانة" غير السوريين، وتعني رقم القيد الذي يوضع على الهوية الشخصية، ويميز كل عائلة عن الأخرى، أي يحدد هويتها. هذه الهوية التي لا يمكن أن تتطور إلا إذا انتقلت الزوجة إلى خانة زوجها، حسب القانون السوري. هي ذاتها هوية يعي تماماً كل فرد من العائلة، قيمة هذا الرقم الذي يحمله كجزء من الهوية. ومع ذلك، تخضع هذه الهوية للتصنيفات أيضاً؛ في دمشق "جوا السور وبرا السور" مثلاً. في الأرياف قِدم الرقم، وأولويته، حتى يقال "هؤلاء جَلَب"، في دلالة على أنهم ليسوا من "السكان الأصليين"، وتبقى هذه الهوية الأولى التي يحملها أي فرد من دون رأيه، تماماً بفعل القدر. ومع ذلك تخضع لتصنيفات المجتمع، ويتعلم مع العمر ويعي كيف يجب أن يدافع عن قضية لا ذنب له فيها أمام المجتمع، وكذلك كل الهويات الأخرى السياسية، الدينية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية.

كيف أقيّم من أنا سياسياً، وأنا محاطة بكل أطراف النزاع؟ ومن أنا اجتماعياً، وما زلت كل يوم أرى في كلام أبي الذي خاضَ حروباً حقيقةً على الجبهات، ترهات لا تاريخاً؟ ومن أنا ثقافياً بعد عشر سنوات حرب؟ هل أملك هويتي اليوم؟

تعود الذاكرة إلى أيام المدرسة الابتدائية، حين كان مدير المدرسة يدعوني لارتداء علم البلاد، والوقوف في أول صفٍ في مسيرةٍ لأجل فلسطين المحتلة، أو الجولان المحتل. سألت ابنة الـ12 عاماً حينها، لماذا فلسطين محتلة! ولماذا الجولان أيضاً؟ انطلق أبي الذي لم يتوقف حديثه عنهما حتى الآن، في كل مناسبة، محاولاً أن يزرع في ابنته فكرة القضية التي لا تموت، وموجهاً نحو فكرٍ سياسي واحد بعيداً عن الكتب المدرسية. هكذا تماماً يتشكل الوعي تجاه أي قضية ورثناها عن ظهر قلب. لا تختلف فلسطين بالنسبة إلي عن فلسطين بالنسبة إلى صديقتي السورية الفلسطينية لين، التي تتحدث يومياً عن حلم العودة إلى بلد لا تعرفه، وأنا أيضاً.

وفي سياق آخر، تبحث فيه النفس عن هويتها اليوم. تعود الذاكرة إلى أحاديث أبي مطلع الحرب، وهو يتحدث عن حروب شوارع خاضها على الجبهات، ومطاردات للخارجين عن القانون حسب وصفه، يوم كان في الخدمة الإلزامية، ويصف بدقة المشاهد، فأعلّق قائلةً له: "كنت سوبر مان بابا"! يغضب أبي الذي يحاول أن يقنعني بأن الحروب إما حياة أو موت، ربح أو خسارة، ولا مفاوضات فيها، لأن الصراعات يجب أن تُحسم. يحاول جاهداً أن يبرهنَ بنظرياته الخاصة أن أي تغيير يشبه الانتحار، لأننا شعوب لا تمتلك أدوات التغيير. حاول الرجل الذي يقترب من أبواب السبعين اليوم، أن يزرع قناعاته السياسية في ابنته أيام المراهقة والجامعة. نجح أحياناً، وأعلن فشله مراتٍ كثيرة.

اعتقدت أن أبي يحاول أن يخلقَ هويةً في ابنته تشبه هويته فحسب، فكانت غالبية آباء الأصدقاء تشبهه تماماً.

"الأبيض والأسود" هي إحدى نظريات أبي أيضاً، الذي يشير إلى أن الرمادي لون قبيح، وأنّ الوضوحَ في اللون من دون المزج، هو أهم ما يحدد أي هويةٍ للشخص، أبي الذي أخطأ حين حاولَ أن يورثني هذه المفاهيم بداية العام 2011.

"أبيض وأسود"

إنها إحدى نظريات أبي أيضاً، الذي يشير إلى أن الرمادي لون قبيح، وأنّ الوضوحَ في اللون من دون المزج، هو أهم ما يحدد أي هويةٍ للشخص، أبي الذي أخطأ حين حاولَ أن يورثني هذه المفاهيم بداية العام 2011، يومَ اصطفَ الناس جميعاً، وحاكموا بعضهم البعض على هوياتٍ وانتماءاتٍ سياسية وثقافية، يومَ كانت بعض المفردات هي التي تقيس الهويات السياسية للأفراد "مع أو ضد"... نسأل اليوم أنا وزميلي الصحافي في العمل، "محمد": "مع من وضد من؟"، لماذا مع وضد أصلاً؟ نحاول أن نبحث أين كنا في 2011، ونستعيد ذكريات على الفيسبوك الذي يحفظ كل شيء عن ظهر قلب. يحاول أن يُديننا كأشخاص، لنسأل أنفسنا لماذا كتبنا أو عبّرنا هكذا؟ هل من كتب أنا؟ يضحك محمد: "شو كنا أغبياء!".

هل حقاً كنا أغبياء، أم أن هويتنا السياسية والثقافية والاجتماعية لم تكن متشكّلةً حينها؟ هل من الطبيعي لشباب في أوائل العشرينات أن تكون هويتهم "السياسية، والاجتماعية، والثقافية غير متشكّلة؟!".

يجيب صديقي محمد على السؤال، وكأنه فيلسوف أسس نظريات تشكّل الهويات: "هويتنا الحقيقة هي الموجودة اليوم في 2022 تحديداً"، هي التي تحدد من أنتِ، ومن أنا اليوم. نكتب اليومَ عن بعضنا، ونحن نعيش داخل البلاد بحب. هويتنا التي تجمعنا اليوم داخلاً وخارجاً، هي هموم الحياة، وهي الحرب البعيدة عن السياسة والمعارك الخاسرة، لأنها أكبر منا نحن جيل الحرب.

يقول الباحث اللبناني علي حرب، في أحد تعريفاته للهوية، إنها "صبغة مركبة وملتبسة بقدر ما هي سورية مبنية على التعدد والتعارض، وهي عقدة من الميول والأهواء، بقدر ما هي شبكة من الروابط والعلاقات. وهي توليفة من العقائد والمحرمات بقدر ما هي سيرورة نامية ومتحركة من التحولات والتقلبات"، وكأنه يشير إلى أنها تحتاج إلى عمر ليس بالقصير، لكي يبني أي فرد هويته. عليه أن يشاهد كل أنواع التقلبات ويخوض كل أشكال العلاقات، وهذا ما حصل تماماً خلال الـ11 سنة حرب في البلاد. كثيرون وكثيرات من تشكلت هويتهم السياسية والثقافية، ربما بعد عملٍ مدني دعا لتقبل الآخر كما هو، من دون اصطفاف أو تصنيف، وربما بعد موقف سيء أو قذيفة كانت عابرةً للموت، لأن آخر جعل آخر يميل بمقدار سنتيمتر واحد، فعبرت القذيفة حياته، ليصل إلى ما هو عليه اليوم، على الرغم من الاختلاف معه في كل شيء، حتى في الرأي.

الخير والشر في بلاد الحروب نسبيان، يختلفان من شخص إلى آخر، لكن أن تطعم فقيراً من دون تصنيفه طائفياً وسياسياً، خير. وأن تمنح "حراماً" لشخص يرتجف من البرد في مخيم من دون النظر إلى سبب تهجيره، ورأيه السياسي، خير أيضاً. وأن تقتل، شرٌّ، إذ لا يحق لأحد أن ينهي الحياة غير الرب

تصنيف

يقولون في كل الأعراف إن كل شيء يبدأ صغيراً، ويكبر، إلا الموت، ويقولون أيضاً إن الوقت كفيل بالنسيان! وفي الأساطير أيضاً يقولون إن كل شيء عابر ويمضي بحب أو بحرب، وإن القدر مرسوم بدقة؟ ويقولون في الديانات أيضاً إن الخير يقابَل بالخير، ولو كان مثقال ذرة. الخير والشر في بلاد الحروب نسبيان، يختلفان من شخص إلى آخر، لكن أن تطعم فقيراً من دون تصنيفه طائفياً وسياسياً، خير. وأن تمنح "حراماً" لشخص يرتجف من البرد في مخيم من دون النظر إلى سبب تهجيره، ورأيه السياسي، خير أيضاً. وأن تقتل، شرٌّ، إذ لا يحق لأحد أن ينهي الحياة غير الرب. هي الحرب التي علمتني كما صديقي "محمد"، أن نشترك في الموت والحياة في هذه البلاد، وأن التصنيفات زائلة، والسياسة أكبر من أحجامنا نحن العاديين الذين نسير كيلومترات على الأقدام، لتعذّر النقل، وأن أكبر صراعتنا هي على مقعد في سرفيس.

أنا الآن إذاً، أراجع منشوارتٍ قديمةً، وأضحك لاصطفاف غير مبرر، وأبكي على صورة زملاء جمعتنا الجامعة بهم، وفرّقتنا الحرب. أنا الآن إذاً، أحب الجميع مثل صديقي "محمد"، وأتقبل كل آرائهم، لأننا جميعاً نستحق الحياة.

هي الحرب... جعلت هوايات السوريين/ ات أكبر من أعمارهم/ هن. تشير ملامح كل صورة على الهوية الشخصية، أننا جميعاً أكبر بعشر سنوات على الأقل مما نحن عليه، حتى من دون وجود شيبٍ يهزّ سواد الشعر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard