هل تجتهد بقية الحواس لتكون بديلة لما فُقد؟

الاثنين 9 مايو 202212:00 م

"ماذا لو فقدنا إحدى حواسنا وأعدنا للعالم بكارَته؟"

كان هذا تساؤلاً في إحدى قصائدي. عدت لأفكر فيه أخيراً، كيف كانت حواسنا سبيلنا الأول في المعرفة عندما كنّا أطفالاً؟ وهل بفقد إحداها نستعيد دهشتنا تجاه العالم بينما نتدرب على التعامل معه من جديد بحاسة ناقصة؟

أفكر: أيّ الحواس يمكن التعايش مع فقدها، وأيها لا نستطيع البقاء دونها؟

ماذا عن الذاكرة الخاصة بتلك الحاسة المفقودة؟ هل ستصبح ذاكرتي كنزي؟ هل ستعينني على مواصلة الحياة أم ستعذبني بالحنين لما عرفت وذُقت ثُم حُرمت منه؟

هل سيتسلل النسيان لتلك الذاكرة تدريجياً؟

لو غاب السمع، هل سيذهب معه نداء طائر الكروان فجراً: "الملك لك يا صاحب الملك" من ذاكرتي؟ وهل ستتوقف زخات المطر عن الهطول في ليالي كانون الثاني/ ديسمبر؟

ماذا سيحدث للأغنيات حين تتبخر منها الألحان، وتبقى الكلمات أمام عيني عارية من موسيقاها؟

لو تلاشى البصر، هل سيسيل لون البرتقالات من الشجر الذي تجلس أسفله فلاحات؟ هل ستختلط تدرجات الألوان الزاهية على رقاب الحمام الجبلي؟ وهل ستنطفئ لمعة عينيّ حبيبي البنيتين؟

لو ذهب الشم، هل سيكون هناك معنى لارتداء قميص قديم أحفظ به رائحة الحبيب على جسدي؟ هل سيكون هناك معنى لأزهار الفل والياسمين التي يضعها على وسادتي؟ هل سيكون هناك طعم للخبز دون رائحته الشهية التي تملأ المنزل بالدفء؟

لو غاب التذوق، هل سيصبح عصير الخوخ الذي أحب ودواء السعال سواء، وهل ستصبح نكهة مثلث البيتزا الغارق بالجبن شبيهة برغيف خبز بائت؟

لو فُقد الشعور باللمس، بماذا أعوض أمان الحضن، ولذة القبلات؟

أعيد مشاهدة فيلم الدراما المصري "الكيت كات"، متابعةً كيف تلامس أصابع الشيخ حسني الحائط، وكيف تتحسس قدماه الأرض، وهو ذاهب فجراً للعم "مجاهد". أتمعّن كيف أنّ حجز حاسة يثير عمل بقية الحواس رهافة وأدق شعوراً.

هل تجتهد بقية الحواس لتكون بديلة لما فُقد ومترجمة له؟ رائحة الخبز تترجمها سخونته، وصوت زخات المطر يعوضه رائحة الجو. الحضن والقبلات يعوضهما الهمس في الأذن، وصوت الكروان يُستبدل بضربات الهواء المتوالية فجراً على الخد الناعم. هل تتبادل الحواس أدوارها؟

هل تجتهد بقية الحواس لتكون بديلة لما فُقد ومترجمة له؟ رائحة الخبز تترجمها سخونته، وصوت زخات المطر يعوضه رائحة الجو. الحضن والقبلات يعوضهما الهمس في الأذن، وصوت الكروان يُستبدل بضربات الهواء المتوالية فجراً على الخد الناعم. هل تتبادل الحواس أدوارها؟

نقلت تساؤلاتي تلك وحيرتي لعدد من الكاتبات والشاعرات.

تنوعت إجاباتهن بين من تتمنى الفقد ومن يُرعبها الأمر، بين من لا تتخيل حياتها دون اكتمال حواسها الخمس، وبين من لا تجد عائقاً في التواصل، حتى لو فقدتها جميعاً.

"أود لو يعود العالم بكراً مرة أخرى"

الشاعرة المصرية المقيمة في كندا، مروة أبو ضيف، تذكرتْ رواية العطر (1985) للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، وكيف تحول الفتى إلى قاتل بحثاً عن رائحة تخصه، عن شيء سحري لا يمكن شراؤه ولا تحديد ماهيته ولا لمسه، إلا أنه خاص وفريد.

تقول هذا وتعارضه بالوقت ذاته، إذ إنّها ترغب بفقد حاسة الشم تحديداً. وتضيف: "تلك الحاسة أرهقتني على مر السنين. ليست المشاهد التي حفرتها ذاكرتي هي ما ميّز العالم حولي. وربما قطعة من الموسيقى أو مقطع من أغنية ما باتت مرتبطة بأماكن معينة أو بشعور خاص من السعادة أو الحزن في عقلي. ولكن الرائحة هي التي صاحبتني في هذا العالم دوماً".

وتضيف: "لم أستطع الهروب من هذه الحاسة، من ذاكرتها الملحة للأماكن والناس والشعور. حتى أكاد أجزم أن العالم مؤخراً صار كريه الرائحة، أياً كانت الأماكن التي أزورها، المدن، الناس، الفصول. هناك دائماً رائحة غير مريحة بين الغرابة والعفن. رائحة الوهن والحزن".

وتردف أبو ضيف: "وكأنّ الحياة تشيخ بسرعة أكبر هذه الأيام. وكأنّ العالم يتلون برائحة صفراء للعجز والمرض. لون لا تراه لكن تشم رائحته في كل لحظة. أودّ لو أتخلص من هذه الرائحة، من هذه الحاسة التي تشكل العالم من حولي الآن... ذكرى الشباب ورائحة وسط البلد ومقاهي المثقفين. أودّ لو يعود العالم بكراً مرة أخرى، بلا رائحة تسمّم كل لحظة في يومي".

رأي مخالف

تختلف الكاتبة والمترجمة بسمة ناجي، في تقديرها حاسة الشم، إذ تمثل لذاكرتها عالماً حميمياً يبعث لها بالأمان والألفة.

ترجع بسمة لطفولتها، وتقول: "نختبر العالم أولاً من خلال الشم والتذوق واللمس، فالطفل عند الولادة لا يرى أبعد من ثلاثين سنتيمتراً، ولا يسمع قبل ثلاثة أسابيع. لكنه يتعرف على أصابعه وثدي أمه عن طريق فمه، ويعرف رائحة جلد أمه وأبيه، فيبني نواة علاقاته الحميمية بهذه الحواس الثلاث".

وتضيف: "مع بداية تعرفنا على فيروس كورونا، انشغلتُ بالعارض الأكثر شيوعاً، يستهين به معظم الأطباء مقارنة بأعراض تنفسية أخطر، وهو فقد حاستي الشم والتذوق. وعند التفكير في حواس الشم والتذوق واللمس، تخطر لي أمور أبسط من التعقيدات الطبية ودواعي السلامة، فأنا شغوفة بالروائح، ويشغلني حضورها في تفاصيل يومي".

وتشرح: "كنت أفضل السير في شوارع خلفية بمدينتي، تطل عليها شبابيك مفتوحة، فألتقط منها الروائح، ثم ألعب لعبة التخمين: كشري، ملوخية، أرز مسقي بشوربة دجاج عامرة بالبصل والفلفل الأسود وتوابل عرفت أسماءها لاحقاً حين صار لي مطبخي الخاص، قهوة توشك على الفوران، أو حليب غُلي جيداً واحترقت بقاياه على شعلة بوتاغاز، أو هو سكر تكرمل على النار. ما زلتُ أمارس اللعبة ذاتها على سلم العمارة في المدينة الكبيرة التي انتقلتُ إليها، مع مراعاة ما تفعله الوحدات السكنية من مزج لهذه الروائح وجعلها رائحة واحدة مركبة وغير مفهومة أحياناً، ومثيرة للغثيان أحياناً أخرى. وأشعر بامتنان لأنه لم يظهر عليّ أي من أعراض كورونا البارزة حتى الآن، ولكن أدركتُ أن حاسة أخرى تأثرت خلال تلك الأوقات، وهي حاسة اللمس".

وتقول: "التزمتُ وقتاً طويلاً باتباع قواعد التباعد الاجتماعي، لا عناق ولا قبلات ولا سلام باليد، مهما كانت الصلة وحجم الاشتياق. لم أعانق أخي أو أياً من صديقاتي طوال شهور، ولم أدخل محل ملابس، وكنت أرتدي القفازات البلاستيكية في السوق فحُرِمت من التعارف الأول مع الخضر والفاكهة قبل شرائها. وجاهدت لمنع يدي من لمس حوائط أي مبنى دخلته. ولم ألمس حتى وجهي خارج البيت. خلال تلك الأوقات، صرنا نلمس شاشات هواتفنا أضعاف المرات التي نلمس فيها الأشياء الحقيقية أو بعضنا بعضاً. ومع بداية العودة إلى حياة شبه طبيعية، فكرت في ما افتقدت خلال تلك الأوقات الصعبة، وكان أهم ما افتقدته هو التواصل الإنساني المباشر باللمس، وكيف تركت تلك الذاكرة في نفسي نوبات حنين تُرجِمت إلى مشاعر قاسية ووحدة وغربة".

وتختم بسمة أبو ضيف: "اليوم يمكنني القول إنني لم أتعايش مع فقدان اللمس. وكان من أكبر خسائري أثناء فترات الحجر الصحي أنّي حُرمتُ من الشعور بلمس أشخاص أحبهم. وفاجأني أثر افتقادي سحر هذه اللمسات البسيطة والعفوية، التي تحمل كل منها سحراً كسحر الشخصية الكرتونية (إيلسا)، ملكة الجليد، وصرتُ أقدرُ أكثر فأكثر طلب ابني المُلِح لأعانقه في لحظةٍ معينة، واعتباره العناق تعبيراً فطرياً عن احتياج حقيقي وحيوي".

ذاكرة الحواس

الشاعرة المصرية، رضا أحمد، تحدثت عن كيف يُحيلنا الجمال إلى قتلة عند تسلطه على حواسنا، ليُصبح لا فرق بيننا وبين بطل رواية العطر. تقول: "أعرف الحياة، بجمالها وهشاشتها، وردة في مزهرية تتنكر لسجنها ويفزعها صوت المقص البعيد، رحيقها هو اللدغة الوحيدة التي توقظها في ذاكرتها، أعرف كذلك الحواس، الشوك النفيس الذي عبر بالورود إلى الموت".

وتضيف: "في حصة الأحياء، رأيت جسدي الهامد تغمره شعيرات الشرايين وأدغال الأعصاب ومواساة الموت. يومها، أخبرتني المعلمة أنّ الحواس تشيخ ككل شيء، إن لم يكن من فرط الاستعمال فبسبب التجاهل والمرض. في تلك اللحظة، اكتشفت أن جسدي جزيرة أطلنطس المفقودة، وخفت أن أصير هناك عمياء. كل ما تدركه، أنك حر في التحرك داخل جسدك. تمرّن حواسك ككلاب صيد على التقاط الروائح، الرؤية في الهامش، تذوق العيوب والعطب، تتبع الأصوات الجائعة والإحساس بقشور الزمن وهي تنمو على جلدك، آليتك الخاصة هذه أنقذتك مراراً من تحمل الفشل وحدك في رحلتك الطويلة إلى قطعة الجبن".

وتكمل أحمد: "أؤمن أن للحواس ذاكرة، عندما لا نستثمرها، تتراكم كندف عفن فوق برتقالة، تعيق الرؤية والإحساس بكل جمال وقبح وتشوش ترددات الألم. حين تفقد حاسة تتحول إلى مفلس يبحث في دفاتره القديمة عن أمل للاستمرار. عمق الألم هو ما يجعل للجروح قيمة وللمفقود أهمية. لذلك، تعيش في إثر تلك الخبرة وتسترد مدخراتك تباعاً عندما توقن أن لا فائدة من الجدل وترضى بحالك الجديد. هذه الذكريات ليست خداعاً. ربما تكون ظلاً ترتاح تحته قليلاً كغريب، أو قد تكون سلامك الشخصي وجنّتك التي رتبتها لتكون مقامك وضريحك. لا تُبقي أسئلتك وهويتك الجديدة صليباً يتمدد فوقه حنينك. أعرف عن اليأس هذا وأكثر".

وتشرح: "فكرت في الظلام كثيراً وأنا أتتبع تاريخي المهزوم مع حواسي. أردت أنْ أبحث عن بدائل أو تعزية حين أفقد القدرة على الرؤية. ولم أعرف ما الذي يمكن أن يقدمه لي أنس الألوان مثلاً في ذاكرتي حين لا يمكنني التمييز بين الأزرق الهارب من صخور الغمام والأزرق الغريق في كوب الماء. كان هذا خوفي الوحيد، رغم أنني كثيراً ما تمرنت على تصفية ذاكرتي من المشاهد وتفاصيل الأصوات التي تؤلمني. إنّني أستطيع الاعتياد على الصمم لكن العمى يخيفني. أخاف أن أصير عمياء، وعلى منشفة يتمدد جسدي. حواس غريبة تتفحصه، ولا أظنني أكثر تعاسة من نول ترك مرآته الراكدة لمخيلة حجر.

الحب وفقدان الحواس

تعود الروائية المصرية شيرين فتحي إلى روايتها الأولى حيث تتخلى البطلة عن حواسها تدريجياً مع حبيبها. تقول: "عدت لقراءة الرواية لأجد بطليها لا يزالان يستمتعان بلعبة الحواس تلك. وطرحت سؤالك على البطلة الّتي ستختزل عالمها في حبيبها وعلى قدر إحساسها به ستفرز الحواس وتحدد أهميتها".

وتكمل: "لنفترض أن البطلة فقدت حاسة السمع، فسنجد أنها لم تُضيع شيئاً من مشاعر البطل تجاهها، سيظل صوته مسموعاً في أذنيها. وكأنه المادة الخام للموسيقى، عزف منفرد ومتتابع لا حاجة فيه للتميز إلى أحرفٍ وكلمات. وربما كان هو يعرف ذلك فيتعمد الصمت لفترات في حضرتها ليجيدا الإنصات معاً لما هو فوق الكلام".

"الفراغ الذي يتركه فقدان إحدى الحواس يغذي بقية الحواس فيجعلها أكثر قوة وحضوراً، ستقوى حاسة أخرى كحاسة البصر. ستقوم العين بوظيفة إضافية، ستحاول النظر إلى ما بعد المرئي، لن تتوقف حدودها عند استقبال انعكاسات الضوء الساقط على الأجساد المعتمة لاستبيان صورها وأشكالها، بل ستبحث خلف المشاهد الجامدة"

وتضيف فتحي: "الفراغ الذي يتركه فقدان إحدى الحواس يغذي بقية الحواس فيجعلها أكثر قوة وحضوراً، ستقوى حاسة أخرى كحاسة البصر. ستقوم العين بوظيفة إضافية، ستحاول النظر إلى ما بعد المرئي، لن تتوقف حدودها عند استقبال انعكاسات الضوء الساقط على الأجساد المعتمة لاستبيان صورها وأشكالها، بل ستبحث خلف المشاهد الجامدة".

وتتابع: "ثم يغطيان عيونهما بقطعة قماش، ومع ذلك يستطيع أحدهما رؤية الآخر بوضوح. هذا ما كان يحدث إذا ما غاب أحدهما عن الآخر، تتشكل صورة الغائب في عين المغيب عنه، وتظل ماثلة أمامه كأنه هو. في خطوة أخرى، سيجلسان معاً متقاربين إلى حد التلامس، سيحجبان السمع والبصر معاً، ليختبرا حاسة اللمس. هذا المشهد يحكي غالباً عن نفسه دون الحاجة للتورط في وصف ما يحدث".

وتردف: "سيعطلان اللمس ويكتفيان بالشم. وبعد ذلك سيكتفيان بالتذوق. سيتساءل بطلانا في نهاية اللعبة عن الإجابة عن السؤال. سيقودهما التفكير إلى آخر خطوة. سيعطلان حواسهما الخمس ليصبح الواحد منهما للآخر سمعه وبصره، وهو كل ما يشم ويتذوق ويلمس".

وتختم شيرين فتحي: "قد تُحجب الوظيفة الفسيولوجية للحواس، ولكن خاصية الإحساس فيها لن تتعطل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard