"أنتو ناقصين حواس ومينفعش تدرسوا هنا"... المكفوفون في مصر وصعوبات التعليم العالي

الثلاثاء 29 يونيو 202101:48 م

طوال سنوات عمرها، حلمت دينا الحسيني (30 عاماً) بالالتحاق بكلية الهندسة قسم الاتصالات، لكن إعاقتها حرمتها من تحقيق حلمها، كونها مكفوفة.

تروي دينا، التي ولدت دون بصر، قصتها لرصيف22: "عقب حصولي على الشهادة الثانوية رغبت بدراسة الهندسة، لكنني فوجئت برد إدارة الجامعة: الكليات العلمية لا تخصكم. قرّرت تغيير مسار حياتي والالتحاق بكلية التربية قسم التاريخ، لكن فوجئت مجدداً بتعليق المسؤولين: الكليات فيها معامل وتحتاج أشخاصاً مبصرين، وهو رد يخالف القانون الذي نص على السماح لنا بالالتحاق بكليات التربية، فيما اتخذت إدارة الكلية قراراً منفرداً بمنعنا، وعليه حولت لقسم اللغة العربية بكلية الآداب، وهو ما لم أرغبه مطلقاً".

وتضيف الفتاة، وهي اليوم باحثة دكتوراه في كلية الآداب، بحزن: "للأسف عانيت خلال الدراسة الجامعية إذ كنت أعتمد على زملائي المبصرين لأخذ نسخة من المحاضرات لتحويلها للغة بريل الخاصة بالمكفوفين، خاصة وأن عدداً من أساتذة الجامعة كانوا يرفضون تسجيل المحاضرات، كيلا نستغني عن كتاب المادة، ولتجنب تفريغها وبيعها في المكتبات ما يؤثر على مبيعات كتبهم. وعلى الرغم من إعدادي لرسالة الدكتوراه حالياً، إلا أني ما زلت أواجه حالات عدم تقبل، إذ يردد البعض خلال الامتحانات: يا عيني دي كفيفة نجحها يا عم".

دينا الحسيني

لوائح داخلية للكليات

في العام 2020، صدر القرار الوزاري رقم 2555 بشأن قواعد وشروط قبول الطلاب ذوي الإعاقة بالجامعات، ونصّ على قبولهم عن طريق التنسيق الإلكتروني في الكليات والمعاهد العملية والنظرية التي تقبل شهاداتهم، وتتفق مع ترتيب رغباتهم ومجموع درجاتهم في الثانوية العامة، مع اجتياز اختبار القدرات أو المقابلة الشخصية الخاص ببعض الكليات والمعاهد. أما التقديم المباشر فينصّ على استثنائهم من شرط المجموع الكلي عند الالتحاق ببعض الكليات النظرية، وهي بالنسبة للطلبة المكفوفين "الآداب ودار العلوم والألسن والحقوق والخدمة الاجتماعية". وبكلّ الأحوال، يخضع الطلبة ذوو الإعاقة لشروط منها أن تقبل لائحة الكلية التي يرغبون بالتقدم إليها شهاداتهم، وأن يُعرَضوا على لجنة طبية مركزية يشكلها رئيس الجامعة سنوياً.

وقد أصدر مجلس النواب المصري قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، وهو يُلزم الوزارات والمؤسسات المختصة بالتربية والتعليم باتخاذ التدابير اللازمة لحصول الأشخاص ذوي الإعاقة على تعليم دامج في ضوء نوع ودرجة الإعاقة، على أن تتوافر في المؤسسات التعليمية التي تستقبلهم معايير الجودة والسلامة والأمان والحماية.

"قوبل طلبنا لدخول كلية الخدمة الاجتماعية برفض تام من الإدارة، لأن اللائحة الخاصة بالكلية ترفض قبول ذوي الإعاقات البصرية، لأن بها شقاً عملياً وميدانياً. قالوا لنا: أنتم ناقصين حواس ومينفعش تتقبلوا، ما دفعنا للالتحاق بكلية الآداب دون رغبتنا"

لا يعني ذلك بأن الجامعات المصرية لم تكن تقبل ذوي الإعاقة قبل صدور هذا القانون، لكن الكليات التي كان بإمكانهم دخولها محدودة، وهي على الأغلب تلك الأدبية التي لا تحوي شقاً عملياً. ففي عام 2007، صادقت مصر على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهي تنصّ على ضمان حقّ هذه الفئة في التعليم الشامل على جميع المستويات وعدم استبعادهم من كافة مراحل التعليم. كما ينصّ الدستور المصري لعام 2014 في المادتين 53 و81، على أن المواطنين متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة، وعلى التزام الدولة بضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفير فرص العمل لهم، ودمجهم مع غيرهم من المواطنين.

وعلى الرغم من هذه النصوص والاتفاقيات، إلا أن وضع الأشخاص ذوي الإعاقة يختلف من جامعة مصرية لأخرى، وفق ما رصده رصيف22، فما يسمح به نصّ القانون لا تلتزم به جميع الكليات بالضرورة.

تتحدث مروة السبع (26 عاماً)، خريجة كلية آداب قسم لغة عربية جامعة أسوان، لرصيف22 عن تجربتها، حينما حاولت هي وشقيقتها دعاء، وكلاهما مكفوفتان، التقديم لكلية خدمة اجتماعية: "قوبل طلبنا برفض تام من الإدارة، نظراً لأن اللائحة الخاصة بالكلية ترفض قبول ذوي الإعاقات البصرية، لأن بها شقاً عملياً وميدانياً. قالوا لنا: أنتم ناقصين حواس ومينفعش تتقبلوا، ما دفعنا للالتحاق بكلية الآداب دون رغبتنا".

مروة السبع وشقيقتها

"ينصّ القانون على قبول الطلاب المكفوفين طالما حصلوا على المجموع المناسب، لكن واقعياً، فإن الكلية تعمل وفقاً للائحة داخلية خاصة بها"، هذا ما يقوله الدكتور محمد نجدي، العميد السابق لكلية خدمة اجتماعية بجامعة أسوان، في حديث لرصيف22، ويضيف بأن هذه اللائحة تنصّ على عدم قبول أي طالب من ذوي الإعاقة، لأن الدراسة بها شق عملي يتمثل في التعامل مع المواطنين وخدمتهم، وهو أمر صعب على ذوي الإعاقة البصرية من وجهة نظر الكلية. ويتم القبول من خلال مقابلة شخصية مع الطالب، يحدّد بناء عليها إمكانية دخوله الجامعة من عدمها.

ويضرب الدكتور مجدي مثالاً عن الاختلاف بين نص القانون والتطبيق على أرض الواقع: "لو حصل طالب مكفوف على مجموع 100% في الثانوية العامة لن يقبل بالضرورة في كلية الطب، إذ قد تنصّ لوائحها المنظمة على اشتراط أن يكون الطالب دون أي إعاقات ليتمكن من الدراسة في هذه الكلية الصعبة. يأتي ذلك في وقت ينصّ القانون على قبول الطالب طالما حصل على المجموع المناسب، لكن الواقع مختلف عن القانون".

ينصّ القانون على قبول الطلاب المكفوفين طالما حصلوا على المجموع المناسب، لكن واقعياً، فإن كل كلية تعمل وفقاً للائحة داخلية خاصة بها.


قرارات لا تُطبق

وفي هذا السياق يقول الدكتور خالد حنفي، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب سابقاً، عن ذوي الإعاقة: "ينصّ قرار قبول الطلاب في الجامعات على أنه يحق للطلاب من ذوي الإعاقة التقدم للكليات والمعاهد التي تقبل شهادتهم، على أن يجتازوا اختبار القدرات أو المقابلة الشخصية. أي مخالفة لذلك هي مخالفة صريحة للقانون ويحقّ للمتضرّرين رفع دعوى قضائية أمام محكمة مجلس الدولة، يفصل فيها خلال شهر أو اثنين".

وأردف حنفي: "للأسف يمنع بعض المسؤولين تطبيق القانون برفضهم استقبال بعض الطلبة في كليات سمح القانون بأن تقبلهم. كون رئيس الجامعة أو عميد الكلية لا يعلم القانون، وهو أمر عايشناه على أرض الواقع، وأصرّ على حرمان الطالب من حقه، فمن الواجب أن نعرّفه بالقانون، ولو امتنع عن تطبيقه يحق للطالب الحصول على مستند رسمي يفيد ذلك ليرفع دعوى قضائية، لذا يجب ألا يستسلم طالب ويترك حقه طالما كفل القانون ذلك".

ووفقاً لحنفي، فإن الكليات العملية كالهندسة والعلوم والطب والحاسبات والمعلومات تحتاج لتجهيزات محددة كي تقبل ذوي الإعاقة، لذا ترفضهم لعدم جاهزيتها، ويتابع: "هناك كليات تناسب إعاقات محددة دون غيرها، فالهندسة بها أقسام تلائم ذوي الإعاقة البصرية كاتصالات وبرمجة، وهناك كليات أخرى لا تناسب حالتهم كالعمارة. لكن للأسف لا تملك البنية التعليمية في الجامعات المصرية الاستعدادات الكافية من حيث الأساتذة أو المعدات، وإلى أن يحدث ذلك، يضطر عمداء الكليات لغلق باب القبول لعدم الجاهزية".

ويطالب حنفي بضرورة العمل على تجهيز الجامعات الحكومية والخاصة لوجستياً وتكنولوجياً بما يتناسب مع ذوي الإعاقة البصرية، بتوفير الكتب الجامعية بطريقة بريل، وتأهيل المكتبات الجامعية، كما أشار لتقديمه مقترحاً لتوقيع مصر على معاهدة مراكش التي تنصّ على السماح للطلاب المكفوفين بتسجيل المحاضرات، وتدرس المعاهدة حالياً في وزارة الخارجية تمهيداً للتوقيع عليها.

"هناك كليات تناسب إعاقات محددة دون غيرها، لكن للأسف لا تملك البنية التعليمية في الجامعات المصرية الاستعدادات الكافية من حيث الأساتذة أو المعدات، وإلى أن يحدث ذلك، يضطر عمداء الكليات لغلق باب القبول لعدم الجاهزية"


"لا نحصل على الدعم اللازم"

"عندما دخلت الجامعة لأول مرة كنت طموحة ومتفائلة، لكن كل ذلك ذهب هباء. لم أحصل على دعم الأساتذة والموظفين والزملاء باستثناء عدد قليل من الأشخاص، معظم الناس اعتبر أنه ليست لنا أي حقوق". بتلك الكلمات بدأت نوران حبة (24 عاماً)، وهي خريجة كلية الآداب قسم علم اجتماع جامعة دمياط، حديثها لرصيف22.

تضيف نوران، التي تسببت جرعة علاج خاطئة لوالدتها أثناء الحمل بفقدانها البصر منذ الولادة: "تفتقر جامعتنا لفنّ التعامل مع ذوي الإعاقة، ولا توجد مواد دراسية بطريقة بريل، كما أن الأساتذة لا يمتلكون الخبرة الكافية لتحويل الكتب إلى ملفات بصيغة Word حتى نتمكن من تحويلها بدورنا للغة بريل، إضافة لعدم توفر مواد دراسية مسجلة صوتياً، فكنا نضطر لقطع مسافة 70 كيلومتراً لمحافظة الدقهلية، لنحوّل الكتب الجامعية للغة بريل بجامعة المنصورة، نظراً لعدم توفر هذه الخاصية سوى في عدد محدود جداً من الجامعات".

وتشير حبة لاستعانة الكلية بعدد من الموظفين غير المؤهلين ليكتبوا بدلاً من الطلاب المكفوفين أثناء الامتحانات، وهو ما كان سبباً في رسوبها ببعض المواد، رغم أنها كانت الأولى على دفعة مدرسة النور والأمل للمكفوفين خلال المرحلة الثانوية.

نوران حبة

لم يختلف الموقف كثيراً مع حياة رمضان، خريجة كلية آداب قسم إعلام جامعة دمياط بتقدير جيد جداً، فقد عانت من تعنّت عميد الكلية غير المبرر، ورفضه إلحاقها بالقسم الذي اختارته، معللاً ذلك بأنه قبل أعوام التحقت طالبة مكفوفة لم تكن على مستوى دراسي جيد، لذا قرّر ألا يلحق طلبة مكفوفين بأقسام الإعلام واللغة الإنجليزية والفرنسية، كيلا يتكرر الموقف ذاته.

قابلت حياة (28 عاماً) هذا الأمر بالرفض التام، ودخلت بتحدٍ مع عميد الكلية مصرة على عدم تنازلها عن حقها القانوني، ومؤكدة تمتعها بالكفاءة والجدية على حد قولها.

وأردفت حياة في حديثها لرصيف22: "قررت أن أتحدى نفسي باعتباري أول طالبة مكفوفة تلتحق بهذا القسم عام 2013، ووجدت تعاوناً إلى حد كبير في القسم رغم الصعوبات التي مررت بها، ومنها الحصول على الكتاب الجامعي بلغة بريل من القاهرة أو الدقهلية قبل الامتحانات بأيام وجيزة، وكنت في ضغط نفسي رهيب لأحصل ما أريده وأثبت أنني جديرة بالنجاح والتفوق".

"عندما دخلت الجامعة لأول مرة كنت طموحة ومتفائلة، لكن كل ذلك ذهب هباء. لم أحصل على دعم الأساتذة والموظفين والزملاء باستثناء عدد قليل من الأشخاص، معظم الناس اعتبر أنه ليست لنا أي حقوق"

وضمن هذا السياق، يضيف الدكتور محروس المعداوي عميد كلية الآداب بجامعة دمياط بالقول: "في الوقت الحاضر لم يعد هناك عائق أمام ذوي الإعاقة للالتحاق بأي قسم بالكلية، وللطالب الحق في الاختيار بين أقسام الكلية. في الماضي كانت هناك أقسام محددة للمكفوفين، لكن هذا لم يعد هو الحال الآن".

ويتابع المعداوي في حديثه لرصيف22: "لدينا هذا العام نحو 10 طلاب من ذوي الإعاقات المتعددة، سواء كانت سمعية أو بصرية أو حركية. نعمل على تقديم الدعم الكامل لهم، وفي المستقبل ستتحوّل الدراسة الجامعية إلى إلكترونية ،ولن يحتاج الطلبة لتحويل الكتب إلى لغة بريل".

بدوره، أكد الدكتور أحمد فهمي، عميد كلية الآداب بجامعة دمياط سابقاً لرصيف22، استعانة الكلية بموظفين على درجة عالية من الوعي والثقافة ليقوموا بالكتابة للطلبة المكفوفين أثناء الامتحانات، كما أشار لحرص الجامعة على تقديم كل التسهيلات الممكنة لذوي الإعاقة ومنها توفير مطبعة بلغة بريل، وعدم رفض قبول أي أشخاص مكفوفين بأي قسم، طالما كان مجموع درجاتهم يسمح بذلك.


جامعات غير مؤهلة

تقول ياسمين محمد، وهي عضوة هيئة تدريس بكلية التجارة بإحدى الجامعات المصرية، وتعاني من إعاقة حركية منذ الصغر، لرصيف22: "هناك كليات تمنع ذوي الإعاقة من الالتحاق بها بدعوى عدم لياقة الطالب، وذلك بقرارات منفردة من رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، كما أن أغلب الكليات في مصر لا زالت غير مؤهلة لقبول هذه الفئة بمختلف حالاتها".

وتروي ياسمين –التي فضلت الحديث باسم مستعار- تجربتها: "في الثانوية العامة حصلت على مجموع 96.5% وكنت أنوي الالتحاق بكلية العلوم، لكنني فوجئت برفض الجامعة. قالوا لي أمامك كليات الآداب أو التجارة أو الحقوق، أنتِ غير لائقة للالتحاق بكليات عملية تقوم على المعامل والمختبرات، وعليه التحقت بكلية التجارة".

شريحة واسعة من الطلبة ذوي الإعاقة، وخاصة المكفوفين لا يُقبلون في الكليات العملية بمصر، بسبب عدم الجاهزية اللوجستية للأمر.

وطالبت ياسمين بتزويد الجامعات بمراكز متخصصة لتحويل الكتب لطريقة بريل، ومكتبة سمعية للمحاضرات، إضافة لتوفير ترجمة بلغة الإشارة للصم والبكم، والعمل على تأهيل المباني ليستطيع الطلاب ذوو الإعاقة الحركية التحرك فيها بمفردهم، متابعة: "مؤخراً بدأت الجهات المعنية العمل على هذا الملف، لكن للأسف لا زال أمامنا وقت طويل لتصبح كلياتنا مؤهلة لذوي الإعاقة".

ويقول الدكتور عماد أبو الدهب، عميد كلية العلوم بجامعة حلوان، لرصيف22، إن ذوي الإعاقات الحركية يمكنهم دخول كلية العلوم، ولكن من يعانون من إعاقات سمعية أو بصرية هم للأسف ممنوعون لأن الدراسة تعتمد على التجارب، ويخضع كافة الطلاب المتقدمين للجامعات في مصر للكشف الطبي بالمستشفى الجامعي قبل دخول الجامعة، والفحص هو العامل الذي يحدد لياقة الطالب من عدمه.

في سياق متصل، يؤكد الدكتور أحمد عيسى، أستاذ الدراسات الأدبية بجامعة دمياط سابقاً، لرصيف22 عدم قبول شريحة واسعة من الطلبة ذوي الإعاقة، وخاصة المكفوفين في الكليات العملية بمصر، وهذا يرجع لعدم الجاهزية اللوجستية للأمر. فعلى سبيل المثال لا يمكن لكلية أن تلحق طالباً مكفوفاً بكلية العلوم، لأن الدراسة تتضمن العمل بمواد كيميائية خطرة. "قرار الرفض هو قرار جامعي يرجع لحرص الجامعة على الطلاب، وليس نصّاً قانونياً"، يضيف شارحاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard