في الغربة، "الفجاينا" لا يفوز دائماً

السبت 30 أبريل 202201:43 م

لا زلت حتى هذه اللحظة منذ بداية غربتي أستشعر لحظات الصباح الأولى الباهتة بحثاً عن أي شريك، عدا الصور المعلقة على الحائط كأصنامٍ اعتدت أن أمارس الوقت معها هناك في بلادي.

بعيداً عن دراما المغتربات، الهاربات، المناضلات، كنت أود أن يكون اغترابي كاذباً، في بلادٍ حرّة تجعل من حنيني لبلادي رفاهية لا أكثر.

"في الغربة الفجاينا يفوز دائماً"... يقولها أحد الأصدقاء بعد الكثير من مقابلات العمل الفاشلة. تعلو وجهه ملامح اليأس: "أنتو البنات شو صاير عليكن". لا أدري كم من السيناريوهات تقافزت داخل دماغي، سرحت قليلاً.

اليوم الأول: "براءة طفل هارب"

لا تفاصيل تُذكر سوى بعض الكدمات الخفيفة على يدي، أخف بكثيرٍ من تلك التي تركتها البلاد في قلبي.

هو ليس حنيناً ثقيلاً كما قال لي في زاوية المقهى قبل وداعي لعينيه، لكنه أقرب لخوف من فقدان مسكن آمن لي فيهما.

اليوم الثاني: "تفاصيل تُذكر"

في مكانٍ أذابت فيه الشمس ضجيج الحياة، لم أستطع أن أغفى. وأما عن الحنين، فمن بين كل الماركات العالمية المتوفرة بكثرةٍ مرهقة، لمحت صندوقاً فقيراً يحمل علم بلادي، وأكداساً من صوابين الغار، عادت بي إلى حضن أمي بعد حمام شتوي ساخن، هناك حيث غفوت..

في مكانٍ أذابت فيه الشمس ضجيج الحياة، لم أستطع أن أغفى. وأما عن الحنين، فمن بين كل الماركات العالمية المتوفرة بكثرةٍ مرهقة، لمحت صندوقاً فقيراً يحمل علم بلادي... مجاز أشباح الغربة

اليوم الثالث: "فراغ عادي"

حلمت أني سافرت مجدداً، يبكون رحيلي كأول مرة. كان عليَّ حينها أن أهرب، خوفاً من صورٍ قد تتراكم في أرجاء ذاكرتي البعيدة، فتبكيني في لحظات القوة المصطنعة.

اليوم الرابع: "أبحث عن عمل"

غير متوفر. لكن البدايات غالباً ما تكون صعبة. القليل من الجهد بعد، أستطيع القيام بذلك.

اليوم التاسع: "أبحث عن عمل"

غير متوفر. البدايات غالباً تحتاج وقتاً حتى تبدأ، أو شيء من هذا القبيل. لا تيأسي، تستطيعين القيام بذلك.

اليوم الخمسين: "أبحث عن عمل"

غير متوفر.

اليوم الثمانين: "أنتي سوريّة؟".

يوجد عمل، ربما أعمال، وربما أكثر من عمل واحد في نفس اليوم. لكن الأجر أرخص من الفكر، وأغلى بقليل من اللحم (اللحم هنا يقصد به اللحم المخصص للطبخ، ماعز، بقر، دجاج... الخ).

سبعة أشهر من الغربة في بلادٍ نسيت فيها ملمس جسدي، وصمة عارٍ متحركة دون أي عارٍ يُذكر، فتاة ليلٍ دون أن أُلمس، تحترق في داخلي أزهار الليمون، وحبات البرغل المنشور فوق أساطيح ضيعتنا... مجاز الغربة

الشهر الأخير

سبعة أشهر من الغربة القسرية في بلاد أحرقت شمسها أمل الطبيعة بأن تزهر، قبل أن تحرق أملي بعملٍ يشبه ما أستحق، وفي داخلي تتراقص كل الأوصاف التي قد صادف ولُقّبت بها، بعد كل سؤال مخيف عن هويتي: "أنا سوريّة!".

"وصمة عار، يا حرام، بائعات هوى، اللحم رخيص، السياسة لعبتكن، أنتي مسلمة؟ الراتب قليل، صرتو كتير كتار، ما تحلمي يتزوجك، بتحبي نطلع بعد الدوام نحكي (بالشغل)، سوريّة كمان؟!".

سبعة أشهر من الغربة في بلادٍ نسيت فيها ملمس جسدي، وصمة عارٍ متحركة دون أي عارٍ يُذكر، فتاة ليلٍ دون أن أُلمس، تحترق في داخلي أزهار الليمون، وحبات البرغل المنشور فوق أساطيح ضيعتنا. نسيت فيها حقاً كيف تمشي الإناث ألواناً لا منتهية أكثر من الزهري فقط.

"في الغربة، الفجاينا يفوز دائماً"... أعتذر، لكن الخاسرات كثيرات جداً، يصبغن الليل ألواناً عسى لوطأة الحياة أن تستحي. قد يكون ليلاً حقاً، أو حتى بعد الليل، ليلُ مكنسة يوماً، بائعات قهوة يوماً، بنات أحدهم قليلاً، وأمهات دائماً، لكنهن خاسرات الآن، ففي عقول البعض "الفجاينا يفوز دائماً". وأما أنا، حتى اللحظة... أبحث عن أمل، أقصد أبحث عن عمل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard