"محدش فاهم حاجة"... الشائعات وغياب اليقين يزيدان اشتعال الأسعار في مصر

الجمعة 29 أبريل 202204:13 م


بعد أيام من انتصاف شهر رمضان، احتاجت ميرفت عبدالرحيم إلى شراء "خزين جديد" للبيت مع قرب نفاد زجاجات الزيت ولوازم الطهو التي اشترتها قبل بداية رمضان.

كانت ربة المنزل الشابة تعرف أن الأسعار تزداد، لكنها لم تتصور أن تدفع في اللوازم القليلة التي ذهبت لشرائها، أكثر من ضعفي ما دفعته قبل 20 يوماً ثمن نفس المستلزمات. كان لدى التاجر في بقالة "الجملة" التي اعتادت الذهاب إليها في حيها بشرق القاهرة ردود متضاربة حول نقص الزيت وتوقف استيراده ثم تأثر سعره بسعر الدولار كونه مستورداً بعد "التعويم الجديد". تقول ميرفت: "في الآخر زهق وقالي: بصِّي الغلا (الغلاء) علينا كلنا ومحدش في السوق فاهم حاجة".

الرد الذي تلقته ميرفت كان صادقاً، تشهد على ذلك منشورات وتعليقات تجار وموردين وأصحاب مصانع وعاملين في مجال الاستيراد، إذ باتت احتجاجاتهم تغرق وسائل التواصل الاجتماعي، ويتفقون جميعاً على أنه "محدش فاهم حاجة".

خبير اقتصادي: "المستثمر لو اكتشف ان مفيش شفافية في أي مجتمع من المجتمعات مش هيشتغل فيه، لإن غياب المعلومات بيهدد استثماراته وبيتسبب في خسارته"

أوامر شفهية

قبل بضعة أيام، تلقى عدد من المستوردين وأصحاب المصانع الراغبين في استيراد مواد خام لمصانعهم ردوداً غير موثقة من البنوك التي يتعاملون معها، جاء فيها أن "أوامر شفهية" صدرت عن البنك المركزي المصري يُمنع بموجبها قبول موارد النقد الأجنبي غير المعلومة المصدر، أو التي جرى الحصول عليها من شركات الصرافة بفواتير رسمية، وأن على العملاء أن يدفعوا تكلفة اعتماداتهم في العمليات الاستيرادية كاملة، إضافة إلى 20% بالجنيه المصري، أو أن تكون الموارد الدولارية الذاتية للمستورد ناجمة عن نشاط تصديري.

هذه التعليمات تعني أن المستورد أو التاجر لا يمكنه تمويل عملياته الاستيرادية من النقد الأجنبي إلا من خلال البنك، أو من خلال موارده الذاتية الناتجة عن نشاط التصدير حصراً.

أصداء تلك "التعليمات" التي لم يصدر بها كتاب رسمي من البنك المركزي حتى اللحظة، سرعان ما أثارت موجة من الغضب والارتباك، خاصة عندما تداولتها مواقع إخبارية، ما كسا "الشائعة" ثوباً من الصدقية.

وتوالت تعليقات المستوردين بين متفائلين ومتشائمين عبر مجموعة خاصة تجمعهم على فيسبوك، فقال محمد عبد الرحمن: "القرار ده معناه إن الاستيراد توقف في مصر، منين الشركات هتجيب موارد دولارية ذاتية لما يكون البيع بالجنيه المصري وممنوع التعامل بالدولار مع العملاء داخل مصر، والبنوك مش بتوفر دولار إلا للاحتياجات من السلع الأساسية؟". أما هلال عبدالله فقال: "تخبط وعدم شفافية عن الوضع الحالي للبلد، وترك الفرصة للإشاعات، البنك المركزي المفروض يطلع يشرح الوضع الحالي للبلد علشان اللي يقدر يساعد، أو حتى الناس تبقى مقتنعة بأي قرار حالي أو مستقبلي".

التعليمات الشفهية سلاح ذو حدين. فجانبها الإيجابي يتمثل في تقليل خروج الدولار من البلاد، لكن جانبها السلبي يتمثل في تحجيم النشاط التجاري في مصر، الواقعة في أزمة تتطلب زيادة هذا النشاط على كل الأصعدة

لكن مروان كامل كان من فريق المتفائلين: "طبعاً الهدف من القرار توطين الصناعة، يعني كل مجموعة مستوردين في نفس الصناعة يجمعوا بعض ويعملوا مصنع مع شريك أجنبي". ومثله أحمد الحسيني الذي قال: "الغرض القضاء على السوق السوداء أولاً وتعطيل عملية الاستيراد لوقف نزيف العملة لحد ماربنا يفرجها". بينما أكد آخرون أنه لم يصدر أي بيان رسمي من البنك المركزي بهذه التعليمات وبالتالي فهي "مجرد إشاعات"، وقال غيرهم إنهم ذهبوا للبنوك وتلقوا رفضاً لفتح اعتماداتهم المستندية للحصول على الدولار من غير المصدرين اللذين حددهما المركزي.

نقص حاد في الدولار

وعلى مدار أكثر من عامين، يواجه الاقتصاد المصري توتراً كبيراً، ويشهد الجنيه ضغوطاً متصاعدة بدأت مع جائحة كورونا، وما أحدثه الإغلاق العالمي على حركة السياحة وارتفاع معدل البطالة الذي وصل عام 2020 إلى 9.6%، ولم تكد مصر تخرج من هذه الأزمة، حتى انطلقت صافرات الحرب الروسية الأوكرانية في شباط/ فبراير الماضي، وتركتها في مواجهة تكاليف تتزايد للوفاء باحتياجاتها الكبيرة من استيراد القمح والبترول وسلع إستراتيجية أخرى، فضلاً عن خسارة في عائدات السياحة من الزائرين الروس والأوكرانين.

إضافة إلى هذا، دفعت أنباء عزم الفيدرالي الأمريكي رفع معدلات الفائدة على الأجانب المستثمرين في أدوات الدين المصرية إلى سحب مليارات الدولارات من الخزانة المصرية زاد من الضغوط على مخزون العملة الأجنبية.

في ظل هذه التطورات، قفز معدل التضخم السنوي خلال آذار/ مارس الماضي للشهر الرابع على التوالي، مسجلاً 12.1%، ومتجاوزاً مستهدفات البنك المركزي 9% خلال الربع الرابع من عام 2022.

كما انخفضت الاحتياطات الدولية للنقد الأجنبي بخزائن البنك المركزي، لأول مرة منذ 20 شهراً، ووصلت بنهاية آذار/ مارس إلى 37.082 مليار دولار أمريكي، مقابل 40.99 مليار دولار في نهاية شباط/ فبراير 2022، بنسبة 9.6% تقريباً، إذ استخدمت الدولة الاحتياطي في مواجهة صدمة الأسواق الخارجية.

هذه الظروف الصعبة دفعت الحكومة لاتخاذ إجراءات عاجلة في محاولة منها لتوفير العملة الصعبة التي تحتاجها لسداد ديونها الخارجية واستيراد السلع الأساسية، ففي اجتماع استثنائي بتاريخ 21 آذار/ مارس 2022، قرر البنك المركزي استخدام اثنتين من أدوات السياسة النقدية في آن واحد، إذ رفع سعر الفائدة بنسبة 1%، وسمح بمزيد من المرونة في سعر صرف الجنيه ليتجاوز 18 جنيهاً أمام الدولار الواحد، بعدما كان مستقراً عند 15.7 جنيه مقابل الدولار منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.

وكانت نتيجة كل تلك الظروف مجتمعة قفزات هائلة في أسعار الغذاء والأدوية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب توقف الأعمال وإعلان عدد من أصحاب المصانع ومستثمري سوق الاستيراد والتصدير إلى التفكير في إنهاء أعمالهم وتسريح العمال ما يهدد بخلق أزمة اجتماعية متفاقمة.

الشفافية مطلوبة

يقول الخبير الاقتصاي عادل عامر لرصيف22 إن من المتعارف عليه أن يصدر البنك المركزي تعليماته الدورية للبنوك بصورة كتابية موقعة من محافظ البنك، أما إصدار تعليمات شفهية "فهذا أمر غير معتاد وقد يرجع لسياسية البنك في هذه الفترة".

فيما يرى يقول الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية رشاد عبده أن الشفافية "جزء أساسي من القرار الاقتصادي والحوكمة وتعني الإدارة الرشيدة"، مؤكداً على دورها في تنمية الاستثمارات: "المستثمر لو اكتشف ان مفيش شفافية في أي مجتمع من المجتمعات مش هيشتغل فيه، لإن غياب المعلومات بيهدد استثماراته وبيتسبب في خسارته". يأتي هذا في وقت تسعى الدولة جاهدة إلى جذب الاسثمارات الإنتاجية المباشرة في مجالات الزراعة والتصنيع، مما يتعارض مع الممارسات "غير الشفافة" التي ينتهجها البنك المركزي.

وأضاف الخبير

الاقتصادي لرصيف22، أن هناك منظمة للشفافية، مقرها ألمانيا، تتولى تصنيف الدول وفقاً لمدى توافر الشفافية والكثير من المستثمرين يتخذون قراراتهم بناءً على التقرير السنوي لهذه المنظمة، ومصر باتت لا تتمتع بترتيب جيد لدى تلك المنظمات.

ومنطمة الشفافية الدولية، هي منظمة غير حكومية معنية بالفساد، وتشتهر عالمياً بتقريرها السنوي "مؤشر الفساد"، الذي يقارن بين الدول، وفي عام 2021، احتلت مصر على المؤشر المركز 117 من إجمالي 180 دولة.

وعن تأثير غياب الشفافية على المواطن، يرى عبده أن غياب الشفافية يعني غياب الاستثمار وما يترتب عليه من غياب فرص العمل والانتاج والقدرة التصديرية: "يبقى البنك المركزي هيمول التنمية واحتياجات الشعب من السلع الأساسية إزاي؟ وغياب الاستثمار هيقلل العملة الأجنبية ويرفع التضخم وبالتالي غلاء الأسعار وزيادة معاناة المواطن".

أما مريانا عزمي، العضوة في مجلس إدارة شركة ماكينزي للاستشارات المالية، فتقول إن الشفافية من أهم عناصر سوق المال في كل دولة، وتعني أن أي مواطن يستطيع الحصول على المعلومة بصورة واضحة وسهلة وأكيدة، مشيرة إلى أن كل مستثمر

يرغب في بدء مشروع، يجري دراسات الجدوى استناداً إلى القرارات المعلنة والبيانات المتوفرة، وفي حالة رصد غياب الشفافية من خلال الاعتماد على قرارات شفهية أو ممارسات سرية تتعارض مع القوانين أو وجود تلاعب في الارقام والبيانات، يحجم المستثمرون فوراً عن الدخول إلى مثل هذا السوق.

تضيف عزمي: "دراسات الجدوى تتضمن الفرص والمخاطرة والتحديات ونسب الفشل، لكن في حال غياب أي نقطة من هذه النقاط تكون الدراسة غير دقيقة. وبالتالي، تصبح فرص نجاح المشروع أقل، وفشل مشروع تلو الآخر بسبب نقص أو غياب المعلومات يترتب عليه في النهاية الفشل الاقتصادي.

وتلفت إلى أن التعليمات الشفهية أخطر من نقص المعلومات، فعندما يشرع مستثمر في بدء مشروع ويرصد له ميزانية ويبدأ العمل الفعلي، يكتشف أن هناك تعليمات شفهية تعيق إتمام مشروعه: "إنت كدا بتخسر الناس وبترفع معدلات الفشل الاقتصادي".

وتؤكد أن مدى توافر أو نقص المعلومات يقدم رسالة للمستثمرين الأجانب: "كل الشركات بتكون عارفة حجم النشاط الاقتصادي في أي دولة وبتقيمه، فلو أصبحت سمعة دولة ما في سوق الاستثمار الخارجي أنها تنفذ قرارت غير معلنة ده بيوقف الاستثمار ليس الخارجي فقط، ولكن المحلي أيضاً، وينعكس على المواطنين برفع معدلات التضخم وانتشار البطالة وقلة الناتج القومي للدولة".

وتكمل: "فلو عايزين نساعد الاقتصاد، لازم يكون فيه وضوع كامل لكل معلومة، بدون معلومات شفهية أو غياب للمعلومات".

وترى عزمي أن غياب أو نقص المعلومات عكس توجهات الدولة التي ينادي بها رئيس الجمهورية، والمتمثلة في زيادة الاستثمار الأجنبي ومشاركة القطاع الخاص بصورة أقوى وأكثر فعالية في السوق، وهذه التوجهات أساسها توفر المعلومات الكافية والدقيقة: "ماينفعش اللي عنده صديق في موقع ما يقدر يوصل للمعلومة واللي ماعندهوش معارف مايوصلش، أعتقد فكرة غياب المعلومات مش توجه من الدولة ولا يتم بصورة متعمدة، لإن أي حد عارف اقتصاد بيقدر قيمة المعلومة وعارف إن غيابها خطير".

وتضيف عزمي: "إصدار التعليمات الشفهية خاصة في هذه الفترة، فكرة غير صائبة". وتوضح: "الكل في حاجة لمعرفة الحقائق"، تجنباً للشائعات والفوضى وتهديد للاستقرار الاقتصادي: "ممكن المستورد يشوف التعليمات تعنت من البنك، مش توجه للدولة، فيلجأ لأساليب تانية لتوفير العملة قد يكون بعضها خارج عن أنظار البنك المركزي حتى لو كان قانونياً والحيل كتير، أي قرار لازم يُعلن بشكل رسمي حتى لو مؤقت".

وتختم أن التعليمات الشفهية سلاح ذو حدين، "فجانبها الإيجابي يتمثل في تقليل خروج الدولار من البلاد، لكن جانبها السلبي يتمثل في تحجيم النشاط التجاري في مصر، التي تقع في أزمة تتطلب زيادة هذا النشاط على كل الأصعدة: "الأفضل نترك تدفق الدولار ونحمي المستوردين ويبدأوا يتعاملوا بصورة طبيعية وفق العرض والطلب تحت أعين الحكومة".

ووفقاً لتقرير اقتصادي إقليمي للبنك الدولي، تُعتبر الشفافية بشأن القضايا الاقتصادية الحرجة مثل الدين العام والعمالة، هي الحل الأمثل لدفع النمو وتعزيز الثقة في الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأظهر استطلاع حديث أجرته "رويترز" أن الاقتصاد المصري سينمو بنسبة 5.3%، في السنة المالية المنتهية في حزيران/ يونيو 2022، لكن وتيرة النمو ستتراجع إلى 5.2% في 2022/2023، و5.0% في 2023/2024، مع تراجع السياحة وارتفاع أسعار السلع الأساسية وأسعار الفائدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard