"مخاطر محتملة"... ماذا يعني قرار البنك المركزي المصري توفير "سيولة طارئة" للبنوك؟

الثلاثاء 11 يناير 202208:39 م

وافق البنك المركزي المصري، على إطار جديد يمنح بموجبه البنوك العاملة في السوق المحلية "سيولة طارئة"، حال عدم قدرتها على توفير السيولة من سوق الإنتربنك "شبكة داخلية تربط بين الأنظمة البنكية"، على أن تُمنح تلك السيولة للبنوك ذات الملاءة المالية العالية فقط مقابل ضمانات كافية، وأن يكون التمويل قصير الأجل وبسعر فائدة أعلى من متوسط أسعار الإقراض السائدة في السوق وفقاً للمعادلة: سعر فائدة الإقراض لليلة واحدة مضافاً إليها هامش ربح يحدده البنك المركزي بحد أدنى 5%.

وأوضح البنك المركزي، في كتاب دوري أصدره أمس الأثنين 10 كانون الثاني/ يناير، أن مجلس إدارته وافق في اجتماعه بتاريخ 4 كانون الثاني/ يناير 2022، على إصدار الإطار العام لتعليمات "السيولة الطارئة"؛ بهدف "رفع جاهزية البنوك للتعامل مع أزمات السيولة المحتملة والحفاظ على القطاع المصرفي وثقة المتعاملين".

وأثار إعلان القرار تساؤلات وتخوفات لدى الجمهور الذي لا يملك خبرة في المصطلحات المالية والبنكية، إذ تخوف متابعون من ان القرار يشير إلى توقعات المركزي بحدوث أزمات مالية لدى البنوك قد تؤثر عن أموال المودعين، كما خشى البعض من أن يكون القرار دلالة على أن مصر تترقب أزمة دولارية جديدة شبيهة بما شهده السوق المصري قبيل تعويم الجنيه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016.

وتأتي التخوفات في ظل صدور الكتاب الدوري متزامناً مع تحذيرات التي أطلقها صندوق النقد الدولي، في اليوم نفسه، قال فيها إن "فترات من الاضطراب الاقتصادي" تنتظر الاقتصادات الناشئة، مع قيام البنك المركزي الأمريكي برفع معدلات الفائدة الأساسية، وتباطؤ النمو العالمي بسبب متحور أوميكرون.

ووفقاً لـ"رويترز" تواجه البنوك المصرية تدهوراً في جودة الأصول بسبب التأثير الاقتصادي لوباء كورونا، في حين استطاع الاقتصاد المحلي تحقيق نمو محدود خلال عامي 2020 و2021 بفضل حزم الدعم الحكومية للقطاعات الأكثر تضرراً.

ويأتي القرار كذلك في ظل تحذيرات من احتلال مصر المركز الثاني بين أعلى الدول اقتراضاً من صندوق النقد الدولي، إذ تأتي مصر في المركز الثاني بعد الأرجنتين، أكبر مدين للصندوق، وفي وقت يستمر فيه مؤشر مديري المشتريات في الإنخفاض، ما يعني ان مصر لا تنتظر مستقبلاً استثمارياً مستقراً. فيما حذر الخبير الاقتصادي الدولي كينيث روجوف أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، أن مصر ومثيلاتها من الأسواق الناشئة هي "حادث ينتظر الوقوع".

خشى البعض من أن يكون القرار دلالة على أن مصر تترقب أزمة دولارية جديدة شبيهة بما شهده السوق المصري قبيل تعويم الجنيه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016

قرار لإدارة المخاطر

وتواصل رصيف 22 مع الخبير الاقتصادي مدحت نافع، مستشار وزير التموين والتجارة الداخلية لشؤون الشركات، الذي طمأن أن قرار البنك المركزي بشأن السيولة الطارئة "إجراء طبيعي"، ينظم قواعد معينة نص عليها القانون الجديد للبنك وكان من المنتظر أن يصدر بها تشريع، وهو قرار "يُعنى بإدارة المخاطر وليس إدارة الأزمة".

وأضاف "عندما نقول إدارة المخاطر فهذا يعني الاستعداد لاحتمال وقوع أزمة مستقبلية قبل وقوعها بالفعل. والدليل على أن هذا القرار ليس استجابة لأزمة حالية أو وشيكة لها علاقة بتوفر السيولة؛ أن هامش الربح الذي يحصل عليه البنك المركزي من البنوك نظير إقراضها ما يسمى بـالسيولة الطارئة كبير: سعر فائدة الإقراض لليلة واحدة مضافاً إليها هامش ربح بحد أدنى 5%"، وبالتالي فالقرار تدبير وقائي واحترازي ولا يمكن استدامته لأن تكلفته عالية على البنوك، ولو أن البنوك تقع في أزمة حقيقية لما فرض البنك المركزي هذه النسبة.

وتابع نافع قائلاً: "لم تكن تمطر حينما كان نوح يبني سفينته"، موضحاً أن البنك المركزي يبني سفينة للنجاة في حالة وجود مخاطر أو نقص حاد في السيولة لدى بعض البنوك يستلزم لجوئها لهذه الآلية وفق الضوابط التي حددها البنك، ووجود هامش ربح كبير يعني أن هذا التدبير لا يمكن للبنوك الاعتماد عليه لفترات ممتدة.

وأكد الخبير الاقتصادي، أنه ليس هناك تداعيات سلبية على البنك المركزي او أي بنك آخر في ضوء هذا القرار، موضحاً أن أوضاع البنوك حالياً لا تضطرها للجوء لآلية "السيولة الطارئة"، وأن المؤشر السلبي يكون عند إقدام عدد من البنوك على هذه الآلية.

ونفى نافع ان يكون للقرار انعكاسات مباشرة للقرار على الودائع والمدخرات أو أسعار الفائدة للعملاء، بل العكس هو الصحيح: "إذا قلت الودائع والمدخرات داخل البنوك وحدثت أزمة سيولة ستلجأ البنوك لآلية السيولة الطارئة لفترة قصيرة، وإذا استشعر البنك المركزي أن البنوك تلجأ لهذه الآلية بشكل كبير حينها سيعدل من سياساته النقدية ويرفع سعر الفائدة لرفع حجم المدخرات والودائع في الجهاز المصرفي" فهذا ليس مؤشراً لخفض الفوائد وارتفاع السحب لكنها آلية تأتي في إطار القرارات المخطط لها من قبل البنك المركزي كي تتوافق مع القانون الجديد.

يأتي القرار متزامناً مع تحذيرات دولية تنذر بوضع غير مستقر للأسواق الناشئة، ومن بينها الاقتصاد المصري الذي يعوّل على الاقتراض في تحقيق غطاء نقدي أجنبي 

موجة تضخمية عالمية

لكن الخبير الاقتصادي عادل عامر، ليس متفائلاً بالقدر نفسه. يقول عامر لرصيف22 إن البنك الدولي أصدر تقريراً يحذر فيه الدول الأعضاء ومن بينها مصر من موجة تضخمية في الأسعار العالمية خلال المرحلة القادمة، ينتظر أن تصيب دول العالم كافة بنسب مختلفة، بسبب تداعيات أزمة فيروس كورونا التي أثرت على الناحية الإنتاجية.

وأوضح عامر أن نسب التضخم في مصر من المتوقع أن تكون بسيطة ولا تزيد عن المستوى الذي حدده البنك المركزي "7% بزيادة أو نقصان 2%"، لأنها من الدول التي اعتمدت على المشروعات الاستراتيجية لزيادة إنتاجها، حتى لا تعتمد على الاستيراد الذي يؤدي إلى تآكل الاحتياطي النقدي ورفع الأسعار وفقاً لارتفاع أسعار الدولار في المرحلة القادمة.

ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن متوسط معدل التضخم ارتفع خلال العام الماضي 2021 مسجلاً 5.8 مقابل 5.1 في 2020، تأثراً بارتفاع أسعار السلع عالمياً، لكنه لا يزال عند النطاق المستهدف الذي وضعه البنك المركزي لمعدل التضخم السنوي عند مستوى 7% "بزيادة أو نقصان 2%" في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2022.

ويتوقع عامر أن يتراجع سعر الجنيه المصري أمام الدولار خلال المرحلة المقبلة، "لكنه سيكون تراجعاً طفيفاً ولفترة محدودة".

باحثة اقتصادية: "البنك المركزي متوقع أزمة ما في كمية النقد الأجنبي الموجود، فاتخذ خطوة استباقية للتقليل من أثارها"

خطوة دفاعية عن قيمة الجنيه

سلمى حسين مديرة الأبحاث في مؤسسة "فريدريش إيبرت" الإقليمية، تحدثت إلى رصيف22 بشكل أكثر مباشرة، ترى حسين أن قرار "السيولة الطارئة" يمثل وسيلة دفاعية استباقية يتبعها البنك المركزي المصري للحفاظ على قيمة الجنيه مقابل الدولار؛ منعاً لظهور سوق سوداء، في ظل ظروف عالمية عديدة تفرض ضغوطاً عالية على قيمة الجنيه المصري: "البنك المركزي متوقع أزمة ما في كمية النقد الأجنبي الموجود، فاتخذ خطوة استباقية للتقليل من أثارها".

وفسرت سلمى معنى "الانتربنك"، قائلة إنه سوق لتداول العملة الصعبة بين البنوك، وبعضها: "اللي معاه بيدي اللي معهوش، ده في الظروف العادية، لكن في ظروف الأزمة الكل يبحث عن الدولار، وده ممكن يخلق السوق السوداء اللي ترفع سعر الدولار فتضطر الحكومة لرفع سعر الدولار وخفض سعر الجنيه، علشان كدا البنك المركزي تدخل، لو مش لاقي دولارات في الإنتربنك تعالى خد مني، والبنك المركزي بيوفر للبنوك دولارات بسعر أعلى من الانتربنك لكن أقل من السوق السوداء".

وأوضحت سلمى لـرصيف 22، أن معظم الدول النامية تتوقع تخفيضاً لقيم عملاتها الوطنية، بسبب عزم الاقتصاد الأمريكي رفع سعر الفائدة على أذون الخزانة، وهذا من شأنه خلق ضغوطاً على عملات تلك الدول ومن بينها الجنيه المصري.

وتعتمد مصر على الاقتراض في توفير ملاءتها المالية من العملة الصعبة، سواء عبر الاقتراض المباشر من كيانات دولية ودول صديقة، أو من خلال إصدار السندات وأذون الخزانة، ما يجعل من تغيرات سعر الفائدة في الولايات المتحدة بالزيادة أمراً ذو مردود سلبي على قدرة مصر على الاقتراض، فإما أن تلجأ إلى تخفيض توقعاتها وتواجه هروب الأموال الساخنة، أو تضطر إلى رفع سعر الفائدة على السندات والأذون ما يعني بالتبعية زيادة مديونيتها، في وقت تحتل فيه مركزاً متقدماً بالفعل بين الدول المدينة.

وعن تحذيرات صندوق النقد الدولي بشأن الاضطرابات الاقتصادية التي تنتظر الدول النامية، قالت حسين، إنه في ضوء السياق العالمي يتقبل صندوق النقد أن تحافظ دولاً ناشئة على قيمة عملاتها، فيما يُعرف بـ"سعر الصرف المُدار".

وأضافت حسين، إنه بخلاف السياق الدولي المفروض على كل البلدان؛ فإن مصر لها وضع خاص يتمثل في التزامها بسداد قروض مرتفعة كل عام: "حوالي 50% من قيمة الاحتياطيات عبارة عن سداد التزامات قروض كل عام بما يتجاوز 20 مليار دولار"، وهذه التزامات لا يمكن لمصر التهرب منها. إضافة إلى ذلك؛ هناك فاتورة واردات معظمها سلع أساسية مثل: الطعام، منتجات بترول وسلع وسيطة، وكانت تكلفة هذه السلع في أقل الفترات تجاوز الـ20 مليار دولار.

وتابعت أن مصر استطاعت الوفاء بتلك الفاتورة على مدى السنوات الخمس الماضية منذ قرار تحرير سعر صرف الجنيه في 2016، بسبب عاملين أولهما ارتفاع سعر الفائدة على الأوراق الحكومية، ما يجذب الكثير من المضاربين "الأموال الساخنة"، ومؤخراً دخل مصر أكثر من 30 مليار دولار من تلك الأموال الساخنة، إضافة إلى تحويلات العاملين في الخارج والتي صارت مصدراً رئيساً للعملة الصعبة يتجاوز الدخول التي تحصلها مصر من تصدير البترول والغاز الطبيعي والسياحة ودخل قناة السويس، ووصلت تلك الأموال المحولة من الخارج نحو 20 مليار دولار. "هذان العاملان (التحويلات والأموال الساخنة) يساعدان مصر كثيراً في الحفاظ على سعر صرف الجنيه أمام الدولار".

وتتفق سلمى حسين مع التقارير الدولية التي تحذر من أن مصر معرضة لوضع غير مستقر "هش"، أي أنها لا تملك أسباب الاستقرار بسبب عجز هيكلي في كمية الدولارات المتاحة، لكنها تعوض ذلك بإجراءات تساعدها على الحفاظ على وضعها، وهذا ما استطاعت تحقيقه خلال السنوات الخمس الماضية: "لكن 2022 بتمثل وضع غير مسبوق على مستوى العالم، السجل القريب لمصر بيقول إنها قدرت تعدي أوضاع صعبة كثيرة بفضل قدرتها على الاستدانة لحسن سمعتها كمقترض، لكن السنة دي هل هتقدر مصر تواصل الاستدانة ده سؤال كبير يختلف عليه المحللون الاقتصاديون".

وأكدت أن قرار البنك المركزي حركة غير مسبوقة، وبالتالي هي مؤشر لتحسب البنك لأزمة ما، لافتة إلى أن البنك يحاول الحفاظ على سعر الجنيه للتحكم في معدل التضخم: "الحكومة بتحاول تسيطر على العملة الأجنبية لردع السوق السوداء، إحنا شوفنا في 2016 لما حصل انهيار لقيمة العملة الوطنية بنسبة 50% معدل التضخم ارتفع لـ30%، وبالتالي فيه خوف كبير إنه لو حصل انفلات كبير في سعر العملة يتبعه انفلات في معدل التضخم".

ولفتت إلى أن هناك أكثر من عامل يؤثر على التضخم، أحدها قيمة الجنيه مقابل الدولار وتحاول الدولة السيطرة عليه، لكن هناك عامل آخر يُسمى "التضخم المستورد": "لإني بستورد كتير من السلع من برا والعالم كله فيه موجة تضخمية، فهنضطر نستورد من الخارج بأسعار أعلى، ياريت يكون ده درس يخلينا نعتمد على الإنتاج المحلي لكنه حل هيحتاج وقت".

وعن تدهور جودة أصول البنوك المصرية، أوضحت سلمى أن البنوك تدخل بالودائع في استثمارات لا بد أن يكون معظمها مضمون، وأكثر الاستثمارات المضمونة هي "أوراق الدين الحكومية": "كل ماتشتري أوراق دين حكومية من الدول المتقدمة بتكون مضمونة السداد أكثر لكن فائدتها قليلة للغاية، بينما هناك دول أخرى متوسطة أو عالية المخاطر تقدم أوراق دين بفائدة أعلى، ولأننا نحتاج العملة الصعبة نضطر للاستثمار في أوراق حكومية عالية المخاطر عالية الفائدة، فبدل ما نشتري من أمريكا وفرنسا وانجلترا، بنشتري من الأرجنتين والبرازيل وغيرها، ده معنى التدهور في الأصول".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard