"عيش" وغاز وسياحة... مكاسب مصر وخسائرها من الغزو الروسي لأوكرانيا

الخميس 24 فبراير 202209:39 م

دوت صافرات الإنذار في أوكرانيا فجر الخميس 24 شباط/ فبراير، واشتعلت معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مصر تساؤلات قلقة وأمنيات مكررة يعلنها العرب لدى كل أزمة منذرة بالتهجير القسري من دول ذات أغلبية بيضاء. وبينما يهيىء رجال مصر والعالم العربي أنفسهم للزواج بالأوكرانيات اللواتي قد ينزحن (في المخيلة العربية) إلى دول الشرق الأوسط، ارتفعت أصوات جادة تتابع القفزات في أسعار القمح والنفط، وتتساءل عن مستقبل "رغيف العيش" في ظل حرب قد تطول.

في موازنة العام الحالي، توقعت مصر أن تحتاج إلى شراء 5.3 مليون طن من القمح عند متوسط سعر 255 دولاراً لطن القمح الروسي. إلا أن سعر طن القمح الروسي وصل اليوم 313 دولار، والأوكراني إلى 309 دولارات.

القمح في مصر

في أيلول/ سبتمبر الماضي، فاجأ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ملايين المصريين بعزمه رفع سعر رغيف الخبز التمويني من دون أن يقدم مبررات اقتصادية أو سياسية واضحة لهذا القرار، مطالباً المواطن بتحمل فاتورة التنمية التي تقودها الدولة.

هذا القرار أيقظ مخاوف وتساؤلات لدى خبراء مؤيدين لنهج الدولة وآخرين معارضين له.

ومع التصريحات الروسية التي أنذرت بقرب الحرب، تصاعدت وتيرة التصريحات الحكومية حول الأعباء التي تتحملها مصر لتوفير رغيف الخبز بأسعاره الحالية، ما يؤذن بقرب تراجع الدعم المقدم إلى غذاء المصريين الأساسي.

بحسب البيانات الرسمية الصادرة في سبتمبر/ أيلول 2021، استوردت مصر في السنة المالية 2020- 2021 نحو 5.5 مليون طن من القمح بتكلفة إجمالية بلغت 2.2 مليار دولار بسعر 332.4 دولار للطن الواحد من القمح الروسي. وتوقعت أن تحتاج إلى شراء 5.3 مليون طن من القمح عند متوسط سعر 255 دولار لطن القمح الروسي. إلا أن سعر طن القمح قفز اليوم مع بدء الهجمة الروسية على أوكرانيا ليصل إلى أعلى معدل له خلال تسع سنوات، إذ بلغ نحو 926.12 دولار (من دول أخرى بخلاف روسيا وأوكرانيا)، فيما قفز سعر القمح الروسي إلى 313 دولاراً للطن، والأوكراني إلى 309 دولارات.

وإذا توفر القمح من مصادر أخرى، غير روسيا وأوكرانيا، في ظل العقوبات المتوقعة، فمن الوارد أن تصل فاتورة الاستيراد المصرية للقمح وحده إلى  نحو خمسة مليارات دولار، فيما كانت الحكومة قد توقعت في يناير/ كانون الثاني المنقضي، أن تحتاج إلى 760 مليون دولار فقط من الاعتمادات الإضافية لاستيراد القمح. ومن الواضح أنها قد تحتاج إلى نحو ثلاثة مليارات دولار بسبب الحرب المشتعلة.

توقعت الحكومة المصرية في يناير/ كانون الثاني المنقضي، أن تحتاج إلى 760 مليون دولار فقط من الاعتمادات الإضافية لاستيراد القمح. لكن توقف الواردات من روسيا وأوكرانيا قد يدفع مصر إلى احتياج نحو ثلاثة مليارات دولار إضافية

ويراوح الاحتياج المحلي بين تسعة و12 مليون طن سنوياً، توفر مصر نحو ثلثيها من الاستيراد فيما يغطي الإنتاج المحلي الباقي. وبلغ الإنتاج المحلي في موسم 2021 نحو 3.5 مليون طن. وتتوقع الحكومة أن يزيد هذا العام بعد إقدامها على رفع سعر التوريد محلياً، إلا أن الأزمة الروسية التي قد تؤثر على التوريد والطاقة فتُرفع تكلفة الإنتاج محلياً خاصة مع إغلاق مصانع سماد محلية، وهذا ما قد يجعل سعر التوريد الحكومي غير مشجع للفلاحين على زراعة القمح.

وعقدت الحكومة اجتماعها الأسبوعي قبل ساعات من بدء الهجمة الروسية، وخصصت جانباً من اجتماعها لمناقشة التداعيات الاقتصادية المحتملة في حال اشتعال الأزمة الروسية الأوكرانية. وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن لدى حكومته خطة لتنويع مصادر استيراد القمح من عدد من الدول، إلا أن مخرجات الاجتماع المعلنة لم تفصح عن خطة الحكومة للتعامل مع ارتفاع أسعار القمح وغيره من الحبوب والزيوت التي تحتاج مصر إلى استيرادها لتوفير احتياجات الغذاء الأساسية. إذ تستورد مصر أنواعاً أخرى من الحبوب، على رأسها الفول وفول الصويا والزيوت وزيت النخيل الذي يدخل ضمن احتياجات تصنيع المعلبات الغذائية وزيت الطعام.

وعقد رئيس الوزراء ظهر اليوم الخميس اجتماعاً مع محافظ البنك المركزي لم يُعلن عن كثير من تفاصيله، واكتفى البيان الرسمي بإيضاح أن الاجتماع يستهدف التأكد من توفر التمويل اللازم لشراء السلع الإستراتيجية، وخاصة المواد البترولية في ضوء الازمة الروسية الأوكرانية.

وبلغ الاحتياطي المصري من النقد الأجنبي في نهاية يناير/ كانون الثاني المنقضي، 40 مليار و980 مليون دولار. وبحسب بيانات الحكومة، يكفي هذا المبلغ لتغطية احتياجات مصر من السلع الإستراتيجية، منها القمح والمشتقات البترولية والحبوب لمدة أربعة أشهر، وذلك حسب أسعار نهاية الشهر الماضي.

الخبير الاقتصادي ومستشار وزير التموين والتجارة الداخلية لتطوير الشركات، مدحت نافع يقول لرصيف22 إن روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدري القمح في العالم، كما أن أوكرانيا من أكبر مصدري زيت عباد الشمس، ومصر من مستوردي زيوت المائدة، و"بالتالي سيكون هناك تأثير مباشر على الأمن الغذائي في مصر ودول جنوب المتوسط، ما لم تكن هذه الدول أخذت في اعتبارها مخاطر الحرب قبل فترة". ويضيف: "لدى مصر رصيد احتياطي من القمح يكفي خمسة أشهر، وهذا رصيد كبير. خلال هذه الفترة بإمكانها تنويع مصادر الاستيراد".

 ويتابع: "حالياً مصر بتستورد حوالي 14% من وارداتها من القمح من أوكرانيا فقط، وده لإن القمح الأوكراني أثبت تميز على القمح الفرنسي سعراً وجودة، لكن في ظل الأزمة ممكن ننوع مصادر الاستيراد ونرجع للقمح الفرنسي وأقماح أخرى من دول مثل أمريكا وغيرها، لكن في حالة اعتمادنا على مصادر يُنقل منها القمح عبر مسافات أطول من تلك التي يُنقل منها من أوكرانيا، سيكون هناك انعكاس على الأسعار، مش في الأجل القصير، ربما في المتوسط".

وعن نسبة الزيادات في الأسعار، يؤكد نافع أن هذا لا يمكن التكهن به حالياً. ويكمل: "فيه بيوت اقتصادية متخصصة في التنبؤات دي، لكن كل التنبؤات كانت متجهة لانخفاض أسعار الغذاء من سكر وقمح وزيوت، خلال 2022 و2023، لو ماكنتش الحرب قامت أو انتهت سريعاً، لكن الصدمة اللي اتعرضلها العالم  نتيجة الحرب من شأنها إعادة الحسابات، وبالتأكيد حالياً محدش هيقدر يحدد لإن حجم وطبيعة العقوبات على روسيا لم تظهر بعد، وحجم وطبيعة الحصار الروسي لأوكرانيا لم يظهر، هل بوتين هيقفل عنهم التجارة في البحر الأسود؟ وقتها أوكرانيا هتكون في مأزق شديد لإن حوالي 90% من حركة المنتجات الغذائية لديها تتم في البحر الأسود".

النفط يشعل كل شيء

نجحت مصر في نهاية العام الماضي في خفض فاتورة استيراد المشتقات البترولية نحو 16% إلى 17%، أي ما يوازي نحو مليار دولار، مع تزايد اعتمادها على الناتج المحلي وخفض معدلات الاستيراد. إلا أن ذلك النجاح بات مهدداً بعدما قفزت أسعار النفط خلال الساعات الأولى من الهجمة الروسية على أوكرانيا ليصل سعر البرميل من خام برنت إلى 105 دولارات لأول مرة منذ آب/ أغسطس 2018. فيما ارتفع سعر الغاز الطبيعي – الذي تعد روسيا من أبرز مصدريه- نحو 40%.

الموازنة الحالية قدرت سعر برميل البترول عند نحو 61 دولاراً، إلا أن السعر ارتفع خلال الأشهر الماضية إلى 95 دولاراً، وقفزت به الحرب إلى 105 دولارات للبرميل

هذا الارتفاع لا يهدد الموازنة المصرية التي قدرت سعر برميل البترول بـ 61 دولاراً فقط، في وقت ارتفع السعر إلى 95 دولاراً ثم إلى 105 دولارات مع زيادات أخرى متوقعة إن طال أمد الحرب. وهذا ما يهدد الوضع الاقتصادي المصري الذي يعاني من تضخم وركود في إطار أزمة جائحة كوفيد-19، ومن المتوقع حدوث زيادات أكبر في أسعار السلع الأساسية والاستهلاكية نتيجة ارتفاع تكلفة التوريدات والتصنيع الناتجة عن ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج وسلاسل التوريد.

إلا أن الحرب قد تحمل أخباراً جيدة لحركة تصدير الغاز المصري المسال، مع القرارات الأوروبية بالعقوبات على روسيا ووقف استيراد الغاز الطبيعي منها لصالح مُصدِّرين آخرين، صار بإمكان مصر دعم حصيلتها التصديرية

إلا أن الحرب قد تحمل أخباراً جيدة لحركة تصدير الغاز المصري المسال. فمع توالي اكتشافات حقول الغاز، بدأت الدولة المصرية تنفيذ خطة طموحة لدخول فئة المصدرين الكبار للغاز الطبيعي المسال. وبحسب تقرير حديث صادر عن جهاز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، فقد نجحت مصر في احتلال المركز الـ 14 عالمياً ضمن مصدري الغاز الطبيعي المسال.

وبلغ الفائض في العام الماضي 3.5 مليار متر مكعب جرى تصديرها للخارج. ما يعني أن أرباح تصدير الغاز الطبيعي قد تخفف من الضغط على الموازنة العامة من خلال خلق موارد يمكنها تغطية فاتورة الارتفاعات التي تواجهها مصر في استيراد السلع الإستراتيجية، وعلى رأسها المشتقات البترولية.

ويتوقع الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والتعدين، أن يكون للحرب تأثير سلبي على مصر في مجال الطاقة، نظراً لارتفاع الأسعار العالمية. إلا أنه مطمئن إلى كون مصر قد حققت اكتفاءً ذاتياً من الغاز.

ويتوقع أيضاً ألا يشعر المواطن المصري "بأي تأثير سلبي خلال فترة زمنية محدودة، لكنه سيشعر بتأثير أكبر في ما يتعلق بتوافر السلع الأساسية، وعلى رأسها القمح، لأن مصر تستورده من روسيا وأوكرانيا، ويضيف: "ارتفاع أسعار الطاقة وتكلفة النقل هتأثر بشكل غير مباشر على أسعار السلع، وخاصة القمح".

السياحة: "فرحة ما تمت"

في أغسطس/ آب 2021، عمت الفرحة المنتجعات السياحية ووسائل الإعلام المصرية مع عودة نشاط السياحة الروسية إلى مصر عقب التوتر الناجم عن انفجار طائرة شرم الشيخ، ثم أزمة جائحة كوفيد-19. وقفزت إشغالات الفنادق في جنوب سيناء – الوجهة السياحية الأبرز للسياح الآتين من روسيا وشرق أوروبا- إلى 92%.

هذه الفرحة تراجعت مع بروز بوادر الحرب الروسية على أوكرانيا. إذ أعلنت غرفة السياحة قبل يومين من بدء الحرب أن الإشغالات الفندقية انخفضت 30% دفعة واحدة في شرم الشيخ والغردقة. ووفقاً لتصريحات صحافية، تشكل روسيا وأوكرانيا معاً "أهم الأسواق المصدرة للسياحة إلى مصر". وبحسب البيانات الرسمية لوزارة السياحة يشكل الروس وحدهم 33% من إجمالي السائحين الذين تستقبلهم مصر سنوياً. وتوقعت مصر في آب/ أغسطس الماضي أن تصل أرباحها من السياحة الروسية إلى نحو ثلاثة مليارات دولار. ووفقاً لوكالة السياحة الحكومية الأوكرانية، فقد بلغ عدد الرحلات السياحية إلى الخارج التي قام بها المواطنون الأوكرانيون عام 2021 نحو 14.7 مليون رحلة، وجاءت مصر في المرتبة الثانية بنسبة 21%.

وبدأت دول الاتحاد الأوروبي في فرض حزمة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، ومن المتوقع أن تزداد العقوبات عقب الاجتماع الافتراضي لدول حلف شمال الأطلنطي (الأطلسي) المقرر غداَ الجمعة 25 شباط/ فبراير. ومن المنتظر أن تؤثر هذه العقوبات على المواطنين الروس، وقدرتهم على السفر والسياحة، وتالياً على الدخل المصري المتوقع من السياحة الروسية التي تعول عليها السلطات المصرية في تنشيط القطاع الذي يعاني تراجعاً منذ سنوات.

ويقول لرصيف22 عضو مجلس إدارة غرفة شركات السياحة في مصر، علاء الغمري، إن قطاع السياحة المصري سوف يتأثر كثيراً بالحرب الروسية الأوكرانية: "بعدما رجعت بقوة السياحة الروسية والسياحة الأوكرانية، وقفتا تماماً بسبب الحرب، وكل الرحلات أُلغيت".

وأضاف الغمري: "تحديد نسب السياحة الروسية أو الأوكرانية قياساً على حجم السياحة في مصر صعب حالياً، لأن قطاع السياحة المصري لم يعد إلى نشاطه الطبيعي بسبب أزمة كوفيد-19. يومياً كانت هناك قرابة ست رحلات روسية إلى مصر. الآن توقف الرحلات في انتظار ما ستؤول إليه الحرب".

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard