أبناء الأيزيديات من داعش... الطائفة تُكمِل ما بدأه المتطرفون

الأربعاء 27 أبريل 202205:00 م

بقيت مهى (اسم مستعار) والتي تبلغ من العمر 23 عاماً، في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في الموصل لمدة خمس سنوات (2014-2019)، قبل أن "يشتريها" أهلها منهم، ويسترجعوها من خلال دفع مبلغ من المال كحال الكثيرين من أهالي الأيزيديات المخطوفات. خلال تلك الفترة، أنجبت مهى طفلاً يبلغ من العمر اليوم ثماني سنوات، وهو مع والده الذي رفض أن تأخذه معها عند تحريرها، لأنه يريد تربيته كمسلم وليس كأيزيدي.

قصة مهى هي واحدة من آلاف القصص المأساوية التي خلّفها "داعش" في المناطق التي كان يسيطر عليها، وهي إحدى السيدات اللواتي أصبحن أمهات من جراء الاغتصاب الذي وقعن فيه طوال سنوات عدة، عندما كنّ في الأسر.

تقول مهى لرصيف22: "عدت إلى أهلي ولكنني لست سعيدةً، فالداعشي الذي تملّكني طوال سنوات الأسر، قال لي إنه لن يتزوجني لأنني أيزيدية، ولا أستحق الزواج، بل الاغتصاب فحسب، وبعد إنجابي منه، أخذ الطفل مني، الطفل الذي أحس نحوه بإحساس الأمومة، ولكن من الصعب أن أعود إليه، فربما نموت أنا وهو".

تهدف حملة "اسمي اسم أمي" إلى تعديل قانون البطاقة الوطنية العراقية رقم (3) لسنة (2016)، لنسب الأطفال الناتجين عن حالات الخطف والاغتصاب

تضيف: "الكثير من الحالات التي تلجأ إلى المركز ويتم التعامل معها ورعايتها، هي حالات لسيدات أيزيديات، تم اختطافهن من قبل داعش واغتصابهن، ونتج عن الكثير من هذه الحالات أطفال إما بقوا مع آبائهم بعد التحرير، أو وضعتهم/ ن السيدات المحررات في ملاجئ، بحكم أنهم مسلمون ولا يقبل الأيزيديون تربية أبناء مسلمين، فقد يتسبب ذلك في قتلها هي والطفل من قبل عائلتها".

تعاني مهى من حالة نفسية سيئة، فقد تم اختطافها وهي مراهقة واغتصابها، ومن ثم تحريرها وأخذ ابنها منها، وهو ما أدى إلى محاولتها الانتحار أكثر من مرة، مما تسبب في تشوهات في جسمها تعيش معها اليوم من دون القدرة على الوصول إلى علاج أو عمليات تجميل.

"اسمي اسم أمي"

أطلقت مجموعة من منظمات المجتمع المدني والمتخصصين في القانون، إلى جانب العديد من عضوات برلمان إقليم كردستان ومجلس النواب العراقي، حملةً بعنوان "اسمي اسم أمي"، والتي تهدف إلى تعديل قانون البطاقة الوطنية العراقية رقم (3) لسنة (2016)، لنسب الأطفال الناتجين عن حالات الخطف والاغتصاب التي عانت منها الأيزيديات إلى أسماء أمهاتهم والاعتراف بنسبهم إليهنّ.

وتنصّ مسودة تعديل القانون على أن "يُعدّ الاسم كاملاً إذا تضمن اسم الشخص المجرد واسم أبيه أو أمه، واسم الجد الصحيح من الطرفين، واللقب إن وُجد، وأن تقوم محكمة الأحداث وبصورة سرية بإرسال نسخة من القرار الخاص باختيار اسم المولود أو الطفل الذي تم العثور عليه وتأريخ محل ولادته والمؤسسة التي آوته وتاريخ العثور عليه إلى المديرية وفقاً لنموذج يُعد لهذا الغرض. وأن يُعد المولود أو الطفل الذي تم العثور عليه مسلماً عراقياً أو معتنقاً دين أحد الوالدين الذي نسب إليه ما لم يثبت خلاف ذلك"، وينص القانون الحالي على أن يُعدّ اللقيط أو مجهول النسب مسلماً عراقياً ما لم يثبت خلاف ذلك.

نتج عما قام به داعش من خطف واغتصاب وجود أطفال إما بقوا مع آبائهم بعد التحرير، أو وضعتهم/ ن السيدات المحررات في ملاجئ، بحكم أنهم مسلمون ولا يقبل الأيزيديون تربية أبناء مسلمين، فقد يتسبب ذلك في قتلها هي والطفل من قبل عائلتها

تقول سهيلة الأعسم، وهي ناشطة ومدافعة عن حقوق المرأة والطفل، ونائبة رئيس رابطة المرأة العراقية وشبكة النساء العراقيات، لرصيف22: "بعد عودة الناجيات وأبنائهن الذين بلغ عددهم ما بين ألفين وثلاثة آلاف طفل/ ة، لم يُمنَح هؤلاء الأطفال الجنسية أو البطاقة الوطنية بحكم أن آباء هؤلاء الأطفال غير معروفين، وهو ما يؤثر على هويتهم وموقعهم في المجتمع، مما سيشجع على أن يكونوا منبوذين ومهمشين وغير مندمجين، وتالياً يُصبح تغلغل الإرهاب والتطرف إليهم سهلاً لعدم تقبلهم في المجتمع، وعدم إعطائهم الجنسية وإدماجهم في المجتمع، وهو ما دفعنا لإطلاق هذه الحملة".

وتشير إلى أن "أكثرية أصحاب القرار، يرفضون إعطاء الجنسية لهؤلاء الأطفال، فنحن نطالب بأن يتم نسب الأبناء إلى أمهاتهن، لأن الأب مغتصب وغير معروف، وحتى الأمهات لا يعرفن من هم آباء هؤلاء الأطفال، وعليه علينا إنقاذ هؤلاء الأطفال من أن يكونوا أفراداً غير صالحين في المجتمع، ليكون مستقبل هذا البلد أكثر أماناً".

تأسف الأعسم لرفض الطائفة الأيزيدية أيضاً هؤلاء الأطفال، "بحكم أن نسبهم إسلامي، فالأم حائرة بين طائفتها وبين الدولة وبين داعش"، وتتحدث عن أن "هناك محاولات اليوم للتفاوض مع الطائفة الأيزيدية لكي تقبل استقبال هؤلاء الأطفال الذين وُلدوا من غير ذنب".

ينص القانون الحالي على أن يُعدّ اللقيط أو مجهول النسب مسلماً عراقياً ما لم يثبت خلاف ذلك

من جهتها، توضح النائبة السابقة في البرلمان العراقي، ريزان ديلر الشيخ، التي قادت هذه الحملة مع آخرين: "أطلقنا الحملة لأن قانون الأحوال الشخصية لا يعطي المرأة الحق في إصدار البطاقة الوطنية أو الجنسية باسم الأم، وبعد الحرب مع داعش، هناك تقريباً ثلاثة آلاف طفل ولدوا لأمهات أيزيديات من دون أب، لذلك نحن الناشطين ومؤسسات المجتمع المدني والبرلمانيين، عملنا على حملة لتعديل قانون البطاقة الوطنية، فالمادة 26 تنص على أن أي طفل يولد داخل العراق لأب مجهول يصبح مسلماً، وهي مشكلة؛ هن أيزيديات ولا يردن أن يكون أطفالهن مسلمين، لذلك لم تقبل الطائفة الأيزيدية هؤلاء الأبناء".

تضم الحملة منظمة ناس للتنمية، ومنظمة ئيمة للتنمية البشرية، واتحاد نساء کوردستان، ومنظمة المساعدات القانونية للمرأة، ورازاو محمود فرج، وريزان دلير مصطفى، وگهشە دارا حفید، وتهلار لطیف محمد، وبهار منزر عثمان، وبهار علی قادر، وشوخان أحمد رشيد، وسوما ياسين، ونازە شیروان.

رفض الأبناء

في العام 2019، قَبِلَ المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى الناجين/ ات من قبضة تنظيم داعش، وعدّ ما تعرضوا له خارجاً عن إرادتهم، ولكنه عاد بعد أيام عدة وأوضح أنه "لم يكن يعني بتاتاً الأطفال الذين وُلدوا نتيجة الاغتصاب، بل إن المعنيين هم الأطفال المولودون من أبوين أيزيديين، وتم اختطافهم إبان غزو داعش لمدينة سنجار".

وينطبق ذلك على كل النساء العراقيات، إذ لا يمكنهن نسب أطفالهن إليهن، أو اختيار الديانة، ما دام الأب مجهولاً، فهم/ ن يُنسَبون إلى أسماء وهمية ويُسمَّون لقطاء، كما تشرح ديلر الشيخ، لرصيف22، وتضيف: "تحدثنا منذ أن أطلقنا الحملة مع رجال الدين المسلمين وأساتذة الجامعة القانونيين، ووجدنا أنه ليست هناك مشكلة كبيرة في أن يكون الأطفال تابعين لأمهاتهم، إلا أن رجال الدين وقفوا ضد الحملة بقوة، وهناك حملات تحريض على المجموعات العاملة على الحملة، لأنهم يرونها ضد دين الإسلام، لأن الولد يجب أن يتبع والده، والقانون الحالي ينص على ذلك، لذلك الحل الذي قدّمناه ليس شرعياً أو قانونياً بالنسبة إليهم، كما أن العقلية الذكورية التي تحكم المجتمع تقف حجر عثرة في طريقنا، حتى في بعض الأحيان من قبل النساء داخل الأحزاب الدينية، ولكن صوتنا عالٍ ومطالبنا واضحة".

وتعاني النساء الأيزيديات الأمرّين، فهن ناجيات من الخطف والقتل والاغتصاب واليوم يعانين من إبعادهن عن أطفالهن، وكذلك تعاني السيدات المسيحيات وكل غير المسلمات اللواتي لديهن أبناء مجهولو الأب، ولا يمكنهن ضم أطفالهن إلى أسمائهن أو ديانتهن.

 أقرّ العراق العام الماضي، قانون الناجيات الأيزيديات لتقديم الدعم، الذي طال انتظاره، ليس للنساء الأيزيديات فحسب، ولكن للناجيات من الطوائف الإثنية والدينية الأخرى

وتشير النائبة السابقة إلى حالة الأطفال الذين يعيشون في ملاجئ، ولا يستطيعون الانضمام إلى سلك التعليم، ويعيشون بعيداً عن أمهاتهم وعوائلهم، و"هي مشكلة أخرى قد نحصد نتائجها ندماً في المستقبل، لذلك فكرنا في هذه الحملة في تغيير قانون البطاقة الوطنية لخدمة هذه الفئة الأساسية، التي تخدم الأطفال الضحايا والأمهات الأيزيديات اللواتي في المخيمات لإرجاع أطفالهن، فالعديد من السيدات حاولن الانتحار، وبعضهن هربن للوصول إلى أطفالهن".

وكان البرلمان العراقي قد أقرّ، في الأول من آذار/ مارس من العام الماضي (2021)، قانون الناجيات الأيزيديات لتقديم الدعم، الذي طال انتظاره، ليس للنساء الأيزيديات فحسب، ولكن للناجيات من الطوائف الإثنية والدينية الأخرى، اللواتي استهدفهن تنظيم داعش المتطرف، عقب احتلاله مساحات شاسعةً من العراق، في الفترة من 2014-2017، وهو ما وصفته ممثلة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع، باميلا باتن، بـ"لحظة فاصلة" في العمل نحو معالجة الأخطاء التي ارتُكبت ضدهن وضد الأقليات الأخرى، وسلطت الضوء على الحاجة إلى تعويضات فعالة، وتوفير الخدمات ودعم سبل كسب العيش والتعويضات للناجين من العنف الجنسي.

ويعترف القانون رسمياً بالإبادة الجماعية التي ارتُكبت ضد الأيزديين، ويضع إطاراً للتعويضات المالية وغيرها من التعويضات الملموسة، ويوفر سبل جبر الضرر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard