"جرح غائر"... عندما يتحول الحق في الرعاية النفسية إلى كابوس

الثلاثاء 19 أبريل 202210:22 م


حتى وقت قريب، شاع في المجتمعات العربية نظرة دونية لمتلقي المساعدة النفسية. وفي بعض البلدان العربية، لا يزال الذهاب إلى معالج نفسي "عاراً" يسعى صاحبه إلى إخفائه خشية الوصم بالجنون وفقدان فرص التعليم والعمل والزواج. 

وتكشف قضية الباحث الاقتصادي الراحل أيمن هدهود الذي قضي نحبه في أكبر مؤسسات الرعاية النفسية الحكومية في مصر "مستشفى العباسية"، عن انتهاكات تمارس تحت غطاء الصحة النفسية للسجناء، إذ كان احتجازه في مستشفى العباسية التابعة لوزارة الصحة،مقدمة للإهمال الطبي. ويرجح تقرير دولي أن تقديم الرعاية النفسية استخدم غطاءً لطمس اعتداءات بدنية وقانونية في حق الباحث الراحل انتهت إلى موته ومحاولة دفن جثمانه من دون علم أسرته.

 حتى وقت قريب، شاع في المجتمعات العربية نظرة دونية لمتلقي المساعدة النفسية. وفي بعض بلداننا، لا يزال الذهاب إلى معالج نفسي "عاراً" يسعى صاحبه إلى إخفائه خشية الوصم بالجنون وفقدان فرص التعليم والعمل والزواج

حقوق غائبة عن "الزنزانة"

 ولما كان الاهتمام بالصحة النفسية للمواطنين الأحرار أمراً مستهجناً اجتماعياً، فما بالك بهؤلاء الذين يواجهون عقوبات جنائية أو سياسية؟

بحسب دليل نشرته المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي(2018) للعاملين بالسجون حول الرعاية النفسية للمساجين، يعاني واحدٌ من كل سبعة مساجين من اضطرابات نفسية خطيرة، ويتضاعف الأمر بالنسبة للنساء. وهو ما يفوق المعدل الذي رصدته منظمة الصحة العالمية، التي قالت إن الإضرابات النفسية تصيب واحداً من كل أربعة أشخاص حول العالم في المراحل العمرية المختلفة، فضلاً عن وجود 10.35 مليون مريض نفسي في العالم.

 بحسب الدليل الإرشادي، يؤثر سوء المعاملة داخل السجون على الصحة النفسية للنزلاء. مثالاً على ذلك العنف الذي يتضمن، ولا يقتصر على العنف الجنسي والتنمر والتحرش وتشويه السمعة والتمييز والإهانات التي تجرد النزيل من إنسانيته التي قد يمارسها الموظفون.

 بحسب دليل نشرته المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي، موجَّه للعاملين بالسجون حول الرعاية النفسية للنزلاء، يعاني واحدٌ من كل سبعة مساجين من اضطرابات نفسية خطيرة، ويتضاعف الأمر بالنسبة للنساء

لا أمل في للنسيان 

"صحيح، خرجت من السجن، بس نفسياً أنا لسة مسجون، مبقدرش أنام غير بعد الفجر، لو سمعت خبط جامد على الباب بخاف أوي". يقول مسالم* الذي ألقي القبض عليه في أواخر عام 2014، بتهمة "الانضمام لجماعة إرهابية أسست خلافاً للقانون".

حين قبض عليه، كان مسالم يحتفل بإنهاء الدراسة الجامعية. في الوقت عينه، كانت الدولة في بدء حربها الممتدة "ضد الإرهاب"، وبموجبها اعتادت قوات الأمن اقتحام المدرجات الجامعة ومداهمة المنازل لاعتقال من تشك السلطات في تعاطفهم مع جماعة الإخوان المسلمين أو من عبروا عن آراء رافضة لأي من السياسات التي تتخذها السلطات في حينه، خاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أو تلمس فيهم ميلاً للممارسة السياسة، وهو ما جعل مسالم هدفاً للرصد، إذ انشغل وقتذاك، حسب شهادته لرصيف22، بمحاولة فهم الواقع السياسي من خلال الاطلاع على أفكار المجموعات السياسية التي كانت في نهاية طور النشاط، قبل أن تُخنق السياسة كلياً في الشارع المصري خلال الأشهر التالية.

يقول مسالم: "كنت أتحسس خطواتي الأولى في عالم السياسة بعد ذروة نشاطها خلال ثورة 25 يناير/ كانون الثاني وما تلاها وصولاً إلى 30 يونيو /حزيران 2013، ولكن من دون التقاطع معها بشكل كامل. لم أختر أن أكون ضمن فريق ضد آخر، فقط أردت أن أفهم المشهد السياسي. وفي أحد الأيام أثناء عودتي من عملي بوسط البلد، رأيت مجموعة تتظاهر، ولسوء الحظ ما أن اقتربت منها حتى طوّقها رجال الأمن وألقوا القبض علي". 

كان مسالم "محظوظاً إلى حد ما"، إذ قضى نحو أسبوع "في أحد الأجهزة السيادية"، قبل الإفراج عنه. وهنا انتهى نصيبه من الحظ. يقول: "ظننت أن الأمر انتهى، ولكن  بعد نحو ثلاثة أسابيع، وفي الخامسة فجراً، اقتحمت مجموعة من رجال الأمن منزلي وتم اقتيادي إلى مكان لم أعلمه في حينه، مكثت ثلاثة أيام دون أن يوجه أحد سؤالاً إلي. كنت استمع إلى أصوات آخرين يتم تعذيبهم. كان الضغط النفسي رهيباً".

 بعد الأيام الثلاثة، اقتيد مسالم إلى غرفة التحقيقات، يقول: "مورست عليّ جميع صنوف التعذيب. لم أعرف ماذا يمكن أن أنطق به حتى يتوقفوا. كنت مستعداً أن أعترف أني قتلت السادات رغم أني لم أكن قد ولدت حينذاك. فقط لكي يتوقف التعذيب. لم أدر ماذا أقول. كانوا يطلبون مني معلومات لا أعرف عنها شيئاً. وقعت على ما طلب مني التوقيع عليه، وأمام المحكمة، حصلت على حكم بالبراءة، ولكن بعد سبعة شهور". 

"أصبحت الكوابيس تطاردني ليلاً ونهاراً، في صحوي ونومي، أشرد متذكراً ما تعرضت له من تعذيب وإهانة، وأخاف النوم وفي ذهني ذكرى الاقتحام الليلي التي بت أخشى كل ليلة أن يتكرر"

للمرة الثانية، ظن الشاب أن مأساته انتهت، لكنه رغم أنه لم يعد – حتى الآن- إلى السجن، أصبح السجن يسكنه. يعترف: "أصبحت الكوابيس تطاردني ليلاً ونهاراً، في صحوي ونومي، أشرد متذكراً ما تعرضت له من تعذيب وإهانة، وأخاف النوم وفي ذهني ذكرى الاقتحام الليلي التي بت أخشى كل ليلة أن يتكرر". 

بعض الناجين يعانون من الأرق وصعوبات في النوم بسبب خوفهم من الكوابيس التي يتعرضون لها، خاصة إذا كان في التعذيب الذي تعرض له الضحية ما يتعلق بالنوم، كضربه كلما غفا. وذلك بحسب تقرير أصدرته مبادرة "خريطة التعذيب".

في التقرير المعنون "جرح غائر... عن الآثار الجسدية والنفسية للتعذيب والحبس الانفرادي المطول والإهمال الطبي المتعمد على السجناء"، قالت المبادرة: "عادة ما يعاني ضحايا التعذيب من اضطراب ما بعد الصدمة - PTSD Post Traumatic Stress Disorder ، الذي ينشأ بعد التعرض لحدث صادم أو ساحق- مثل التعرض لتهديد فعلي بالموت، والعنف الجنسي، والعنف الجسدي المتكرر، وحوادث الاختطاف، وحوادث الإيذاء أو الاعتداء الشديد مثل التعذيب، "خاصة أن الضحية يكون مسلوب الإرادة في الدفاع عن نفسه، حيث أن الخوف الشديد، أو العجز، أو الرعب الذي واجهه أثناء الحدث الصادم يمكن أن يطارد الضحايا فترات طويلة".

يقول مسالم: "أشعر بالخوف من الجميع. أحد الأصدقاء عرض علي أن أذهب إلى طبيب نفسي، لكن الهاجس الذي ظل يراودني، هو كيف أضمن ألا يكون المعالج النفسي تابعاً لأحد الأجهزة الأمنية. أدرك أن ما أقوله هو ضرب من الجنون، لكن التجربة كانت أكبر مما أتحمل". 

أعراض متعددة 

تقول أستاذة الطب النفسي عايدة سيف الدولة، إحدى مؤسِّسات مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، إن بعض السجناء السابقين يعانون من أزمة ثقة مثلما حصل لمسالم، "التعذيب لا يسقط بالتقادم. هذه الآثار غالباً ما تستمر لفترة طويلة. قد يستطيع الإنسان بعد المساعدة الطبية أو النفسية أن يتحكم فيها بعض الشيء، لكن تجربة التعذيب لا تنسى".

 أما عن الأعراض التي تواجه السجناء السابقين فتقول عايدة سيف الدولة لرصيف22: "نتيجة الصدمات التي يتعرض لها السجناء، التي غالباً ما تكون مفاجئة وغير اعتيادية، يصابون بالقلق والاكتئاب الحاد، ويصاب البعض بأزمة ثقة، أضف إلى ذلك معاناة سجناء من عدم القدرة على النوم، إذ تزورهم كوابيس بشكل متكرر. هناك أشكال كثيرة لاضطراب ما بعد الصدمة بسبب ما يتعرضون له. أن تكون شخصاً قادراً على اتخاذ جميع قرارات حياتك، ثم تفقد السيطرة كلياً وتمنح سيادتك على جسدك إلى شخص آخر، فهذا ما يتحكم في موعد نومك ودخولك إلى الحمام لقضاء حاجتك، والتعرض للإهانات وغيرها من التجاوزات، كل هذا يترك أثراً نفسياً كبيراً جداً".

 بدأ مركز النديم عمله منذ عام 1993 كأول مركز متخصص في تقديم الرعاية النفسية لضحايا العنف والتعذيب. ومنذ إنشائه، استقبل آلاف من الضحايا والسجناء السابقين الذين يعانون من اضطرابات نفسية مختلفة. تقول سيف الدولة: "منذ بدأنا العمل ونحن نسعى لتقديم الرعاية النفسية اللازمة للسجناء السابقين. اقترابنا منهم جعلنا ندرك قسوة المعاناة التي يواجهونها. لذا نحاول الاستمرار في تقديم الخدمات بالرغم من الحصار الذي نواجه بعد قرار إغلاق مركز النديم في 2017، واستمررنا في تقديم خدماتنا بأشكال أخرى. وبعد أن نجحنا في عودة مركز النديم من جديد بقرار قضائي في مارس/ آذار 2021، نحاول أن نستمر في تقديم خدماتنا في العيادة بمقابل مادي زهيد". 

ومنذ عام 1993 حتى يوليو/ تموز 2009 قدم المركز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني إلى 3088 ضحية تعذيب، ثلثهم من المصريين، والثلثان من الذكور والثلث الباقي من الإناث، بالإضافة لنسبة صغيرة من الأطفال. ومن عام 2002 حتى عام 2014 قدم مركز النديم دعماً لنحو 772 حالة، وأسهم في تأسيس 11 مركزاً للاستماع، سبعة منها في القاهرة، واثنان في الوجه البحري، ومثلهما في الوجه القبلي. 

مثّل مركز النديم وجهوده في توثيق ممارسات العنف والتعذيب والقتل داخل أماكن الاحتجاز صداعاً في رأس الأنظمة التي تعاقبت على مصر منذ إنشائه في مطلع التسعينيات. ووفقاً لعايدة سيف الدولة، فإن الأجهزة الأمنية "لم تتحمل تقرير عام 2016، الذي رصد مخالفات عديدة داخل أماكن الاحتجاز".

في التقرير المشار إليه، رصد النديم في عام واحد "535 حالة تعذيب فرديّ، 307 حالات تكدير وتعذيب جماعيّ، 472 حالة إهمال طبيّ داخل مناطق الاحتجاز و123 وفاة في مكان الاحتجاز". على إثره ذلك التقرير، واجه المركز "تعنت من الأجهزة الأمنية" وصل إلى إغلاقه.

 ومع ذلك استمر المركز في تقديم استشاراته الطبية هاتفياً لمدة تجاوزت الأربعة أعوام. لاحقاً استعاد نشاطه بعد إدانات دولية واسعة ضد الحكومة المصرية. 

عالم موازٍ 

قضت عالية محمد* عامين في سجون وأماكن احتجاز مختلفة، بعد القبض عليها بتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية، بسبب مشاركتها في مظاهرة محدودة ضد الغلاء. تقول عالية: "ذقت الأمرَّين خلال تلك الفترة، أصبت بالتهاب المفاصل وعرق النسا، وفقدت أحباء ونسق حياة معتاداً، وهذا ما أثر في حالتي النفسية". 

الدكتور إيهاب الخراط: عندما يُحرم المُخ من استقبال المؤثرات الخارجية - كما في حالة الحبس الانفرادي- يلجأ إلى صنع مؤثراته الخاصة، وهو ما قد يصل بالسجين إلى طور من أطوار الهلوسة

تروي عالية كواليس ليلتها الأولى في الحجز "كانت ليلة لا تمحى من الذاكرة"، تستعيد في شهادتها لرصيف22 شعور الرهبة الذي لم يتركها تنعم بغفوة ولو لدقائق "ظل النوم يهرب مني كل يوم حتى بعد خروجي من السجن".

وتضيف: "كنت مرعوبة، أنا عارفة كويس إن السجن عالم مختلف، سواء من خلال قراءات أو تجارب أصدقاء سابقين، عشان كدة كان أول حاجة عملتها وأنا في الطرقة حاولت ألملم نفسي، مسحت دموعي وتظاهرت بالقوة، من أول ما دخلت غرفة الحجز وشوفت مكان في ركن بعيد وقعدت فيه، وكانت نظراتي كلها قوة وتحدي، كمان جسمي الضخم نسبيا خلق مهابة ليا، لكن المنظر الوي كان وراه رعب شديد حاولت أداريه". 

قضت عالية ثلاثة أيام داخل حجز في أحد الأقسام، ثم انتقلت إلي أحد مباني الأمن الوطني لتبدأ مرحلة تحقيقات متواصلة، وبعد قرابة ثلاثة أشهر جاء اليوم الموعود لإصدار الحكم. احتشد العشرات من أصدقائها وعائلتها في المحكمة، لوحت لهم من داخل القفص بابتسامة ممزوجة بالخوف. كانت قد صففت شعرها، وأرادت أن تظهر ثباتها وجمالها قدر الإمكان. كانت هذه واحدة من المرات الأخيرة للتمتع بالأمل و"المقاومة". 

أمضت عالية داخل السجن عامين، اعتادت خلالهما الأعراف المتبعة خلف القضبان، تقضي يومها بشكل طبيعي ولكن عندما يأتي الليل، كانت الأفكار تنهشها، والتساؤلات عن المصير تعتصر عقلها. تتساءل هل ستستمر عائلتها في دعمها بالمال لتستطيع تمرير الوقت داخل السجن. 

"الدقيقة جوة السجن بساعة برة، لكن الدقيقة في الحبس الانفرادي بيوم كامل"

تتذكر أنها أُودعت الحبس الانفرادي بعد وصولها السجن بفترة قصيرة، وهو ما كان له أكبر أثر في ازدياد هواجسها النفسية، تقول: "الحبس الانفرادي كان العقاب الأكثر قسوة في السجن، أنت مش هتخرج برة الأربع حيطان، مش هتتكلم مع حد، الوقت في السجن بطيء، الدقيقة جوة السجن بساعة برة، والدقيقة في الحبس الانفرادي بيوم كامل، مكنش قدامي غير اسمع صوت عقلي، وأخضع لمجموعة الأسئلة اللي مالهاش إجابات، كنت بحضر شخصيات وأحاسبها على تقصيرها معايا، كنت بانصب محكمة للحياة كلها، بصرخ وبعيط وبضحك بصوت عالي، كنت بخلق عالم كامل ليا في الزنزانة الإنفرادي، قضيت سنتين في السجن منهم تقريبا سنة وشهرين في الحبس الانفرادي". 

يقول الدكتور إيهاب الخراط، استشاري الطب النفسي، إن ما حدث مع عالية يرقى إلى الهلوسات السمعية والبصرية، فإن الإنسان يستطيع إيجاد مكانه في الحياة بناء على استقباله مؤثرات خارجية، سواء من بشر آخرين، أو من خلال جرائد وكتب يقرأها، وعندما تغيب تلك المؤثرات يبدأ العقل في خلق عالم موازٍ، هرباً من الشعور الشديد بالوحدة وفقدان الأمل واليأس. ولهذا في غياب أي مؤثرات خارجية يمكن أن يدركها ويشعر بها الإنسان، يبدأ المخ في صنع مؤثرات خاصة به.

 يتعرض عدد كبير من النشطاء السياسيين المحبوسين، وأبرزهم علاء عبدالفتاح وأحمد دومة، للاعتقال داخل الحبس الانفرادي وحرمان تام من التواصل مع العالم الخارجي، من خلال منع الحق الذي تنص عليه لائحة السجون في الحصول على الكتب والجرائد وأجهزة الراديو الصغيرة وفرض الزيارات من خلال حواجز زجاجية. 

ويرى الخراط أن الهلوسات يمكن علاجها ضمن خطة عمل واضحة وصارمة، "لكن الذكريات القاحمة أو المقتحمة ستظل طيلة الوقت تطاردهم، حتى لو اختفت الهلاوس".

ويؤكد أن الصحة النفسية تتأثر بشكل كبير في تجربة السجن، يقول: "هي تجربة صعبة ومهلكة للبعض، فهناك بعض الجنائيين لا يتحملون السجن، فما بالك بسجناء سياسيين. في نهاية الأمر هم سجنوا لاختلاف في وجهات النظر والرؤى من دون ارتكاب جريمة بعينها". 

ويضيف: "اضطراب ما بعد الصدمة غالباً ما يصيب السياسيين الذين يواجهون تجارب شديدة تمثل ضغطاً نفسياً كبيراً عليهم، ويحتاجون إلى فترات علاج أطول مما يحتاجها الجنائيون الذين ارتكبوا جرائم بالفعل. فالضغط الشديد الذي يتم التعرض له بالنسبة للسجناء السياسيين يصيبهم بحالة نفسية توصف بالاكتئاب الجسيم، وفي بعض الأحيان تصل إلى اضطراب ما بعد الصدمة او الكرب، هذا يستغرق سنوات للتخلص منه والحصول على المساعدة الكافية للمريض".

"الانفرادي" للسياسيين

صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي في 20 أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2015 على تعديل قانون تنظيم السجون المصري رقم 396 لسنة 1956، يمنح صلاحيات أوسع لمسؤولي السجون في تطبيق عقوبة الحبس الانفرادي، وتمديدها إلى 30 يومًا بدلاً من 15 . 

وفي تقرير حديث ذكرت منظمة العفو الدولية "سحق الإنسانية، إساءة استخدام الحبس الانفرادي في مصر"، أن السلطات المصرية "تقوم بصفة منتظمة بتصنيف المحتجزين والمسجونين لأسباب سياسية باعتبارهم خطيرين، وتستخدم الأمن القومي كذريعة لوضعهم في الحبس الانفرادي، حيث يتم استخدام الحبس الانفرادي على ما يبدو للانتقام والعقاب والترهيب".

 رفاهية الرعاية النفسية 

نص قانون رقم 396 لسنة 1956 بشأن تنظيم السجون على عدة نقاط تخص الرعاية الصحية، إذ أقر لكل مسجون محكوم عليه نهائياً الحق في العلاج. تقول إحدى مواده: "يتبين لطبيب السجن أنه مصاب بخلل في قواه العقلية أن يٌعرض على مدير القسم الطبي للسجون، وإذا رأى إرساله إلى مستشفى الأمراض العقلية للتثبت من حالته، ولكن لغياب الرقابة والمتابعة من الهيئات والمنظمات المنوط بها القيام بهذا الدور". 

في المقابل تقول عالية: "اتصابت بقطع في أربطة الركب بجانب أوجاع الضهر اللي كان طول فترة سجني بيوجعني، ما استدعى أن يعاينني طبيب السجن، انتهزت الفرصة وسألته عن دكتور نفسي، اكتفى بأنه مظر لي من دون إجابة. شعرت أنه يقول لي ‘إحمدي ربنا إنك بتاخدي رعاية طبية أصلاً’". 

أقرت القواعد النموذجية في باب خدمات الرعاية الصحية للسجناء التي اعتمدتها الأمم المتحدة، بداية من القاعدة رقم 24 وحتى القاعدة 35 أن "الدولة تتولى مسؤولية توفير الرعاية الصحية للسجناء، والتي تكون علي نفس مستوي الرعاية الصحية المتاحة في المجتمع، ويجب أن يكون في كل سجن دائرة لخدمات الرعاية الصحية تتألف من فريق متعدد التخصصات، منها تخصص الطب النفسي، وتكون مكلفة بتقييم الصحة البدنية والعقلية للسجناء وتعزيزها وحمايتها وتحسينها"، وهو ما لم يحدث مع عالية طوال فترة حبسها. 

بعد أن صدر عفو رئاسي شمل عالية، امتلأت روحها بالأمل في حياة جديدة، وظنت أنها ستعود إلى حياة ما قبل السجن، لكنها فوجئت بعد خروجها بحياة غير التي عاشتها من قبل، سجن آخر أكبر بكثير من الجدران الأربعة التي حصرتها خلال العامين: الأصدقاء ابتعدوا، المعارف يتفادون الاقتراب منها، وهناك محاذير في التعامل معها دائماً. الأمر شمل خطيبها الذي تركها، فكان أول قرار لها أن تستقل بحياتها وأن تبدأ عملية تأهيل نفسي كاملة. تقول: "شعور إن الكل رافضك مدمر. عارف! أحياناً بتمني أرجع السجن، هناك في ناس عارف أنهم مكملين معاك سنين، إنما برة الوضع مختلف. قبل ما أدخل السجن كان حواليا ناس كتير، بعد ما خرجت بقيت لوحدي. مهتمتش بكل ده، وكان اهتمامي الأول إني إزاي أتأهل نفسياً. وفعلاً تابعت مع دكتورة ودة كان التحدي الأكبر ليا. بعد أول جلسة بقيت خايفة أكمل، أنا مش عايزة أتكلم عن السجن تاني، عايزة أنساه، قاومت مرة واتنين وعشرة وكنت بعتبر زيارة الدكتورة النفسية أمر لا يمكن الفرار منه، بالرغم من كم الوجع والذكريات اللي بحكيها، بس برجع أكثر هدوءًا. أنا حالياً بقالي أكتر من سنة بتعالج نفسياً، بحس نفسي أحسنـ قدرت أرجع أكون علاقات اجتماعية من تاني، الحياة رغم إنها غامقة أوي لكن أحيانا بتدي وميض إن ممكن بكرة يبقى أحلى".

 ----------

(*) اسم مستعار بناء على طلب المصدر

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard