كيلا يصبح تاريخنا في ذمّة الماضي ويُرثى في مقابر الإهمال

الاثنين 18 أبريل 202211:00 ص


تقول الرواية التاريخية إنّ أنوم، رب السماء المتعالي وسيّد الأرض ومحدّد أقدار البلاد للإله مردوك، إله مدينة بابل الذي أصبح إله الإمبراطورية البابلية في عهد حمورابي، قد حدّد وظائف آنليل على جميع البشر. أنوم ملك أنوناكي (الآلهة الأصغر الذين يخدمونه) وآنليل الذي يُعرف باسم آخر هو "نونا مَنير"، جعلا مردوك (الإبن البكر لأنكي، رب الأرض وكتلة المياه التي تُسبّب الحياة فيها) سيّداً على "أجيجي" (الألهة الصُغرى في خدمة آنليل "إله العواصف" الذي أُنشأ لهُ معبد أيكور في نيبور، وسط بابل) وسُمّيت بابل باسمها المُبجّل وجُعِلت أعظم مدينة في العالم، وأسّست له في وسطها ملكية خالدة، أُسُسها ثابتة ثبات السماء والأرض.

وفي ذلك الحين، تم تعيين الملك حمورابي من قبل أنوم وآنليل ليعمل على إسعاد الناس وخدمتهم، حيث قال في مقدمة شريعته: "أنا حَمورابي، المكرّس، الأمير الذي يخاف الله، لأقيم العدل حتى يسود الأرض، ولأقضي على الشر والسوء حتى لا يطغى القوي على الضعيف، ولأرتفع كالشمس فوق الأقوام ذوي الرؤوس السوداء ولأضيء الأرض. أنا حَمورابي، الرّاعي، الذي عيّنه أنوم وأنليل، أنا من أعمل على الإكثار وأنمي في وفرة كل مال. نيبور- دورانكي الحامي الوفيّ، المكرّس لإيكور، الملك الكفء الذي أصلح أريدو وأعادها إلى مكانها".

هنا نرى في هذا الادعاء المتكرر للملوك والحكام بأنهم بُعثوا لإزالة المظالم ونشر العدل وإسعاد الناس، وهذه ليست إلا ديماغوجية، كان القصد منها امتصاص نقمة الجماهير العاملة وتضليلها وتمويه الطابع الطبقي الاستغلالي للأنظمة العبودية وقوانينها، إذ يستحيل إزالة المظالم وتحقيق العدالة الاجتماعية وإسعاد الناس، في مجتمع طبقي تتملّك فئة قليلة منه وسائل الإنتاج الأساسية، وتتكرّس فيه عملية استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

عن الادعاء المتكرر للملوك والحكام بأنهم بُعثوا لإزالة المظالم ونشر العدل وإسعاد الناس... 

شريعة حمورابي

حَمورابي "أمور أبي" وتعني أبا العموريين (1728-1686 ق.م) كان سياسياً محنكاً، استطاع أن يوحّد بلاد ما بين النهرين وجزءاً من "أراضي ماري" السورية، في دولة مركزية عاصمتها مدينة بابل (باب إيلو، أي بوابة الإله)، ينتمي للأُسر العشر التي حكمت بابل، وهو سادس ملك للأسرة البابلية القديمة من السلالة الأولى، التي بلغ تعداد ملوكها أحد عشر ملكاً، حكموا على مدى ثلاثة قرون (1830-1530 ق.م)، واستمر حكمه حوالي 43 عاماً.

أصدر قانونه المعروف "بشريعة حَمورابي" في العام الثاني من استلامه سدّة الحكم، والمدوّن من 282 بنداً، والذي يدلّ على مبدأ القصاص بعكس القانون السومري، أي قانون "الملك أورنمو" مؤسس أسرة "أور" الثالثة، التي حكمت عام 2050ق.م، وهو أقدم قانون مدوّن على ألواح طينيّة في التاريخ البشري تم اكتشافه (بحسب العديد من المؤرخين وعلماء الآثار)، والتي تأخذ بمبدأ الديّة والتعويض.

ولمعرفة طبيعة تلك الحضارات وقضاياها والمعضلات والإشكاليات المطروحة في تلك الحقبة الغابرة، التي تقدّم لنا لمحة عن الحياة المادية للمجتمعات الطبقية وتناقضاتها، نضيء على بعض من جوانبها، لعلها تُسعفنا في فهم طبيعة قوانين عصرنا الحاضر وخلفياتها وتفسيراتها، التي تظهر كما لو أنها امتداد لقوانين الحضارات القديمة حيث تبدّلت وتحوّلت.

لا ضير من تكرار المحاولة لنفض طبقة أخرى من الغبار الذي غطّى الحضارات القديمة الغارقة في أعماق التاريخ، ولملمة حطامها المتناثرة بين صفحات كتبه وأروقة متاحفه، لنكتشف بأن هناك مقايسة وثيقة بين القوانين في حقبة الأمبراطورية البابلية-الآشورية، والقوانين التي سبقتها من الحقبة السومرية والآكادية، مثل قانون "أورنمو" وقانون "أشنونا"، وقانون ليبيت عشتار ومن بعدها القوانين الآشورية، وهي بمجملها تدافع عن مصالح قمة المجتمع العبودي وتعزيز سلطتهم ومحدّدة إرادتهم في التشريع، لتبيان مستوى الحياة المادية للمجتمع الطبقي.

ولأن تداول السلطة تتوارثه الأُسر الحاكمة المسيطرة الذي يُعبر عن استفراد طبقة القلّة في حكم البلاد، وبعد تفسخ المشاعية البدائية وظهور الملكية الخاصة، بدأت تتشكل الطبقات الاجتماعية مطلقة الشرارة الأولى من صراعاتها، بحيث أصبح هناك طبقة "الأميلو" أو "أمار أميلو"، وهي الطبقة العليا الأرستقراطية من الأحرار، من لهم السيادة في المجتمع، ومنهم أصحاب العبيد وملّاك الأراضي، ومن خلالهم تتشكل المجالس المحلية ويؤخذ منها الموظفون والكهنة. وهناك طبقة "الموشكينوم" أي الطبقة العامة من الأحرار والأرقاء الذين تحرّروا من العبودية، يمارسون مختلف المهن، ولهم الحق في التملّك، وهم كالأميلو، أصحاب عبيد وملّاك أراضٍ، ولكنهم غير مساوين لهم في الحقوق المدنية.

يستحيل إزالة المظالم وتحقيق العدالة الاجتماعية وإسعاد الناس، في مجتمع طبقي تتملّك فئة قليلة منه وسائل الإنتاج الأساسية، وتتكرّس فيه عملية استغلال الإنسان

أما طبقة "الأردو" أي طبقة العبيد وهم أكثرية المجتمع، ليس لديهم أي وسائل للإنتاج بحيث أنهم مملوكون ومحرومون من أبسط الحقوق المدنية، كما يتم بيعهم دون محدّدات واعتبارات لأوضاعهم العائلية، ويتم تقديمهم كهدايا، ويقتلون إذا ظن أسيادهم أن قتلهم أعود عليهم بالفائدة من حياتهم. ومن خلال قانون حَمورابي نتعرّف على بعض البنود التي تُكرّس العبودية، والتي يُعتبر خرقها مساساً بأُسس النظام الطبقي العبودي، ومنها المادة رقم 15 التي تقول: "إذا عاون رجل عبداً للدولة أو جارية للدولة أو عبداً لمواطن (من طبقة الأحرار) أو جارية لمواطن على الهرب من بوابة المدينة، يقتل". وأيضاً المادة 16: "إذا آوى رجل في بيته عبداً هارباً أو جارية هاربة ممن يمتّون إلى الدولة أو إلى المواطنين ولم يقدمهم عند استدعاء الشرطة فإن صاحب البيت، يقتل". ونرى كذلك في المادة 118: "إذا سُخّر عبد أو أمة (أي جارية) للخدمة ثم أراد التاجر إشهار البيع فلهُ أن يبيع دون وجه لإقامة دعوى ضده".

وقد خصّ قانون حَمورابي الرقيق باثنين وعشرين مادة، كل بحسب خاصيتها. أما في ما يتعلق بالأمن الاجتماعي والتجاري والزراعي، فقد وردت العديد من المواد تتعلق بالسرقة والغش والتزوير والاعتداء على الغير وعلى الأملاك الخاصة أو التسبّب بالأذية والضرر، فنراها على الشكل التالي بحسب تسلسلها:

1- إذا اتهَم رجل (أي مواطن من طبقة الأحرار) آخر بجريمة قتل ولم يستطع إقامة الدليل عليها، قُتل.

 4- إذا كانت شهادة الزور تتصل بالحبوب (أي الغذاء) أو المال، أوقعت به العقوبة.

6- إذا سرق رجل متاع معبد أو متاع الدولة فإنه يُقتل. وكل من وضع يده على متاع مسروق يُقتل.

 21 - إذا أحدث رجل صدعاً في منزل قُتل أمام الصدع وحشر بداخله وسُدّ عليه.

 22- إذا ضبط رجل بسرقة، يُقتل.

 55- إذا حدث أن تكاسل رجل عند فتح قناته للريّ بحيث اجتاح الماء حقلاً مجاوراً لحقله فإنه يكيل تعويضاً بمقدار ما أصابه الخسّار.

 59- إذا قطع رجل شجرة من بستان رجل آخر دون موافقة صاحبه دفع نصف مينا من الفضة.

94- إذا أقرض تاجر بفائدة حبوباً أو مالاً وعند التسليم دفع المال بالوزن الصغير والحبوب بالمكيال الصغير ولكن حين استرد فعل ذلك بالوزن الكبير والمكيال الكبير فإنه يدفع غرامة تعادل ما أقرضه.

 195- إذا ضرب ولد أباه قُطِعت يده.

دور الكهنة ورجال الدين

وُضعت هذه القوانين والشرائع في المجتمعات القديمة لإدارة شؤون الدولة وفرض قواعد تعبّر عن إرادة الطبقة المسيطرة وحماية مصالحها ومكتسباتها، وفُرضت على المستغَلّين الالتزامات الكاملة وقدّمت للمستغِلّين كامل الحقوق والامتيازات، تقويةً لنفوذ قمة المجتمع العبودي على حساب الشعوب الكادحة من العبيد والعمال والفلاحين والحرفيين الفقراء.

"أنا حَمورابي، المكرّس، الأمير الذي يخاف الله، لأقيم العدل حتى يسود الأرض، ولأقضي على الشر والسوء حتى لا يطغى القوي على الضعيف"

هنا، لا يمكن إغفال دخول الكهنة ورجال الدين الوثنيّين بلعب أدوارهم في تقديم أنفسهم خدمةً للإمبراطوريات بانتهازيتهم وجشعهم في سبيل تخليد الأنظمة العبودية وتقديسها، حتى جعلوا من الملوك والحكام الذين يتودّدون إليهم ويتملّقون لهم أسياداً في الأرض وعلى البشر، وإضفاء صفة القداسة عليهم ورفعهم إلى مصاف الآلهة والأنبياء، كما لقبوا حَمورابي بـ "إله الملوك"، وزعموا أن القوانين والشرائع مستمدة مباشرةً من السماء، واعتبار الحاكم ممثل الإله في الأرض، وإعصاء أوامره أو الثورة عليه وعلى نظامه يعتبر عصياناً لأوامر الآلهة وانتهاكاً لحرمتها وقداستها، فيُحكم عليه بالقتل بالدرجة الأولى، أو يعاقب بالسجن أو بسلب أرضه وأرزاقه وطرده من المدينة، أو بفدية مالية ضخمة كتعويض عن الأضرار المعنوية والنفسية المسببة للحكام والكهنة وعموم المتديّنين من طبقة الأحرار، والمساس بنظام سيطرتهم وزعزعة استقرار حكمهم الملكي.

ولطالما جهد هؤلاء الكهنة لتقديس مقام الملوك والمنتمين للبلاط من طبقة الأسياد وتلميع صورتهم لدى الأقوام وإظهار طباعهم الرحيمة وأحكامهم العادلة، للحفاظ على استمرارية وجودهم، والعمل على تغييب وعي الناس خدمةً للملوك ودعماً لأنظمتهم. وعندما يشعرون بالأخطار المحدقة بالبلاد واقتراب نهاية الحكم السائد، يسارعون إلى فتح أبواب مدنهم للغزاة طمعاً بإزدهار تجارتهم وتعاظم ثرواتهم في ظل الحكم الجديد، كما فعلوا عندما غزا الجيش الفارسي بلاد الرافدين بقيادة الملك قورش، وشرّعوا له أبواب مدينة بابل وآشور على مصرعيها ليدخلها منتصراً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard