أمر به حمورابي وطلب تشريعه أردوغان... استخدام الخازوق للتعذيب عبر التاريخ

الجمعة 27 أغسطس 202110:28 ص

على مدار التاريخ البشري تفنن الطغاة والسفاحون باستخدام وسائل القتل والتنكيل والتمثيل بضحاياهم، ومن أقبح وأشنع تلك الوسائل كانت الخازوق الذي يعتبر أكثرها سادية ووحشية على الإطلاق؛ فمن منا لا يذكر تلك الصرخة المدوية لأحد الجنود العرب، الذي اتهم بالخيانة في مسلسل "إخوة التراب"، وهو يساق إلى الإعدام بالخازوق منادياً: "كل شي إلا الخازوق يا سيدي"؟

يقدم لنا الكاتب مصطفى محمود في كتابه "رحلتي بين الشك واليقين" صورة دامية ومفزعة عن هذا المشهد الوحشي، حيث يصف لنا ضمن قراءته لرواية “جسر على نهر درينا”، للروائي البوسني “إيفو أندريتش”، صاحب نوبل للآداب.

أهمّ مشهد في النص الفاتن، اقترن ببطولة الجسر، هو لحظة استعمال الخازوق في إعدام ثائريْن بوسنييْن تمرّدا على حكم السلطان العثماني، سليمان القانوني، حاولا نسف أساسات الجسر. الصورة الممتدة أفقياً لآلة الإعدام الرهيبة، ستعلم ملايين القراء أن السلطة العثمانية لم تكن مجرّد مساجد وصوامع وقصور، لكنها أيضاً تلك القوة الإنكشارية القاهرة التي تخوزق البشر.

درجت في حياتنا اليوم مفاهيم ومفردات تتعلق بالخازوق فيقال إن أحدهم "أكل خازوقاً"، أو "تخوزق"، عندما يصاب بمصيبة أو يقع في ورطة. ويقال أيضاً لمن نتوسم فيه الخير، ونضع فيه ثقتنا، ثم نكتشف في النهاية أنه كان "أكبر خازوق" يخرج من "قحف الرأس" بما في ذلك من دلالة جنسية مقيتة. والتعبير الأكثر شيوعاً لخيبة الأمل هو "الخازوق المبشم" أي الذي يخرج من الفم وهو النمط الفرنسي من الخازوق.

والخوزقة تعني أن يتمّ اختراق جسد الضحية بعصا طويلة وحادة من ناحية وإخراجها من الناحية الأخرى. يتم إدخال الخازوق من فم الضحية أحياناً، وفي الأعم الأغلب من فتحة الشرج، بعدها يتم تثبيت الخازوق في الأرض ويترك الضحية معلقاً حتى الموت.

الخازوق تاريخياً

من الشائع ربط فعل الإعدام بهذه الطريقة بالعثمانيين الذين مارسوه بشغف خاص وبنطاق واسع، وعلى مدى زمني طويل ودون أية اعتراضات اخلاقية أو دينية. ويصف أحمد البرعصي، أستاذ التاريخ الليبي، في مقال له، القرون التي استولى فيها العثمانيون على شمال إفريقيا بـ"العصور السادية"، ويقول "كان العثمانيون أساتذة في التعذيب، لم يكتفوا بالخوازيق بل ابتدعوا طرقاً أخرى مثل قطع الآذان، كانت سياستهم إفقار وإذلال سكان البلدان التي احتلوها."

ويقول واصفاً حصن السراي الأحمر: "بين ما استوقفني، من إنجازات العثمانيين، أنهم صمموا جداراً بطول 40 متراً، وهو يمثل السور الخارجي للسجن، ونصبوا عليه الخوازيق، حتى أن الجدار سمي في التراث الشعبي الليبي المتواتر والمنقول بـ(ساس الخازوق)، نسبة إلى هذا الجدار الرهيب، الذي كان مسرحاً مفتوحاً في الهواء الطلق لمعاقبة الثوار والمتمردين ورافضي دفع الضرائب (الميري) للولاة العثمانيين."

من منا لا يذكر تلك الصرخة المدوية لأحد الجنود العرب، الذي اتهم بالخيانة في مسلسل "إخوة التراب"، وهو يساق إلى الإعدام بالخازوق منادياً: "كل شي إلا الخازوق يا سيدي"؟

لكن استخدام الخازوق يعود إلى زمن بعيد جداً فقد ورد ذكر الخازوق في شريعة حمورابي حيث تذكر ستيفاني دالي في كتابها "أساطير من بلاد ما بين النهرين" رسالة جوابية موجهة إلى الملك زمري-ليم من أحد القادة بأنه وضع مخافر الشرطة بحالة طوارئ للقبض على أحد المتهمين، وأنهم سيضعونه على خازوق.

كما يذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت أن دارا الميدي استخدم الخازوق لتأديب أهالي بابل على إثر احتلالها من قبله عام 539 ق.م، فقام بخوزقة حوالي 3000 من سكانها. وكذلك استخدمت الآلة الوحشية في مصر القديمة فقد كان ينص قانون حورمحب أن السارق يعاقب بألف جلدة, وقد تصل العقوبة إلى الحبس أو الإعدام بالخازوق بحسب كتاب "شريعة حمورابي" و" أصل التشريع في الشرق القديم" الذي ترجمه أسامة سراس.

وللكنيسة تاريخ مع هذه الوسيلة المشينة فيذكر يواكيم رزق مرقس في كتابه "محاضرات في تاريخ الكنيسة الغربية" أنه تم حرق بيير دي برويه على الخازوق سنة 1424م. كان كاهناً من القرن الثاني عشر, وصاحب تجديد المعمودية المعادي للكنيسة حيث اتهمها بالإسراف والتبذير ومخالفة اللاهوت المسيحي. ذات المصير ناله أول مترجم للكتاب المقدس ويليام ويندال بتهمة تدمير قداسة الكتاب.

وما حدث للموريسكيين (المالكية) تحديداً بعد سقوط الأندلس تلك المرحلة عندهم التي اتسمت بالعنف المفرط والتعذيب البشع لإجبارهم على ترك دينهم فيما يعرف بـ"التنصير القسري" لمسلمي الاندلس، ليس بعيداً عن هذه العذابات، فعهدت تلك المهمة الى رجال الكنيسة من الذين نزعت الرحمة من قلوبهم، وتستروا بمحاكم التفتيش سيئة الصيت لنزع الاعترافات من المسلمين الأندلسيين وبدأت رحلة التعذيب في السجون الإسبانية من تكسير العظام، واستعمال الخازوق، وسل اللسان، وحفلات الحرق الجماعية، والحبس مدى الحياة، وغيرها من أساليب التعذيب. وأمام هذا الاضطهاد التجأ المسلمون إلى التنصير الشكلي، بحسب ما جاء في كتاب "الموريسكيون في الفكر التاريخي" ترجمة وسام محمد جزر.

جرى أيضاً استخدام الخازوق في السويد خلال القرن السابع عشر تحديداً في إقليم تيرا سكانيا الدنماركي. حيث كان يتم إدخاله بين العمود الفقري والجلد, فتظل الضحية تعاني لأربعة أو خمسة أيام. كذلك كانت الخوزقة هي وسيلة إعدام الخونة في اتحاد الكومنولث البولندي الليتواني وفقاً أيضاً للكاتب طريف سردست في مدونته "الخازوق عبر التاريخ".

وعاشت جان دارك ذات الكابوس المرعب عندما حكمت عليها المحكمة بعد اتهامها بالهرطقة, وعدم الإخلاص للديانة المسيحية، وكانت عقوبة هذه التهمة الحرق حية، ونُفذ فيها الحكم في 30 أيار عام 1431، وأُحرقت حية في مدينة روان عاصمة منطقة النورماندي التي تقع إلى الشمال الغربي من مدينة باريس.

لعل أشهر حالات الإعدام بهذه الطريقة عبر التاريخ كانت بحق السوري سليمان الحلبي بعد اغتياله لقائد الحملة الفرنسية في مصر "كليبر"، فقد أمرت المحكمة بإحراق اليد اليمنى وإعدامه على خازوق مع ترك جثته للطير، وإعدام شركائه بقطع رؤوسهم وإحراق جثثهم بعد تنفيذ الإعدام، وفقاً لما يذكره الجبرتي في كتابه "تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار" الذي كان يراه شاباً متعصباً ومهووساً دينياً، وقد أقدم على فعلته انتقاماً لمعلمه وشيخه الذي قتله الفرنسيون إثر ثورة القاهرة الثانية عام 1800م، وكان له من العمر 24 عاماً. قدم من سوريا عبر القدس إلى مصر لتنفّذ المهمة ضده بأمر من ضباط الجيش العثماني.

ترى الباحثة المصرية نيفين عمارة: "الغريب في الأمر أنه لم يعن أحد بتاريخ سليمان الحلبي ودوافعه، بل يذكر في كتب التاريخ لدينا فقط على أنه قاتل كليبر، بينما يكتب بطولته المؤرخون المستشرقون عن الحملة الفرنسية على مصر متحدثين عن الشجاعة والإقدام اللذين قابل بهما سليمان الحلبي مصيره بعد أن ألقي القبض عليه، فلقد كتب لوتسكي عن بطولته قائلاً: (وقد قابل سليمان الموت ببسالة، إذ وضع يده بجرأة في النار الملتهبة، ولم ينبس ببنت شفة حينما كانت تحترق، كما كان باسلاً طيلة الساعات الأربع والنصف الذي قضى من بعدها نحبه وهو مخوزق)".

كذلك انتشر الخازوق بكثرة أيام الحكم المملوكي, وكانت إحدى الوسائل التي اتخذها السلاحين والحكام لقمع التمردات وضرب العصاة وفقاً لما يقوله المؤرخون، ومن هؤلاء يذكر المقريزي صاحب "السلوك في معرفة دول الملوك"، أنه في عهد السلطان قلاوون كان الأمير أيدمر الشمسي القشاش، وكان قد ولى الغربية والشرقية جميعاً، واشتدت مهابته وكان يعذب أهل الفساد بأنواع قبيحة من العذاب، منها أنه كان يغرس خـازوقاً ويجعل محدده قائماً وبجانبه صار كبير يعلق فيه الرجل، ثم يرسله فيسقط على الخـازوق فيدخل فيه."

كان معارضو الحكم العثماني من أكثر من تعرض للتعذيب بهذه الآلة الرهيبة, تحديداً على يد السفاح الأشد رعباً عبر التاريخ، فلاد الثالث الروماني، والمعروف باسم "دراكولا"

وقد انتهى حكم آخر ملوكهم طومان باي معلقاً على الخازوق على أبواب مدينة القاهرة، باب زويلة، بعد هزيمته في معركة مرج دابق أمام العثمانيين ليفتتحوا حكمهم الطويل بهذه الطريقة وفقاً لابن إياس صاحب "بدائع الزهور".

فلاد الثالث المخوزق (دراكولا)

أكثرَ العثمانيون من استخدام الخازوق في تصفية معارضيهم ممن عصاهم وتمرد عليهم، وكان معارضو الحكم العثماني من أكثر من تعرض للتعذيب بهذه الآلة الرهيبة, تحديداً على يد السفاح الأشد رعباً عبر التاريخ وهو فلاد الثالث الروماني (ابن فلاد الثاني ابن دراكول)، والمعروف باسم "دراكولا", الذي استلهم الكاتب الإنكليزي برام ستوكر منه شخصيته الشهيرة في كتاب "دراكولا" الصادر عام 1897م.

ولد فلاد الثالث في مقاطعة سيفشوارا لإقليم ترانسلفانيا برومانيا, وعرف بالمخوزق نسبة إلى طريقة الخازوق التي اتبعها في إعدام خصومه, والمخالفين للقوانين، وهي إدخال وتد خشبي في مؤخرة الضحية ليخرج بعد ذلك من فمها. وقد أكثر في إراقة دماء الجنود العثمانيين بتعليقهم على الخازوق، حيث يشاع أنه أعدم في سنة 1459 نحو 30 ألفاً منهم, وإظهاراً لساديته المفرطة تناول غداءه وسط الجثث المتفسخة مغمساً خبره بدمائهم، وفقاً لمحمد فريد بك في "تاريخ الدولة العلية".

ورغم فترة حكمه القصيرة على ولاية ولاكيا في فترة حكم محمد الثاني (الفاتح) التي دامت ما يقارب سبع سنوات (1556-1562م) إلا ضحايا فلاد الثالث تجاوز عددهم المائة ألف, والطريف أن الرومانيين يعتبرونه بطلاً قومياً, ومسيحياً مخلصاً، رغم أنه خوزق راهباً مع حماره. وتصفه مخطوطات بلغارية ورومانية بالملك العادل, وحاملاً رايةَ الصليب بالنسبة للبابا لجهوده بردّ هجمات المسلمين؛ وهذا ما يذكره دورسون بك في كتاب "حجاج الكفار".

دراكولا ومحمد الفاتح

يقول محمد فريد بك في كتابه "تاريخ الدولة العلية" إن الصراع بين الرجلين بدأ عام 1460م، عندما طلب الفاتح من دراكولا إرسال الجزية له, مع خمسائة من شباب ولاكيا للانضمام للجيش العثماني. رفض دراكولا الأمر الثاني، وقام بدفع الجزية ما يمثل اعترافه الضمني بالوصاية العثمانية. ولكنه أعاد الرسل وقد سٌمرت عمائمهم بالمسامير إلى رؤوسهم لرفضهم خلعها.

ردّ محمد الثاني بإرسال جيش جرار للقضاء عليه لكنه، أي دراكولا، ولمعرفته باساليب القتال العثمانية وإتباعه اسلوب حرب العصابات، لاسيما الإغارة الليلية، تمكن منهم, لتنتصب غابة كاملة من الخوازيق التي تكللت برؤوس ما يزيد عن 20 ألف إنسان غالبيتهم من الجنود العثمانيين, على التلال المحيطة بأسوار تراجوفشت الرومانية سنة 1461م، ليسقط أخيراً بمساعدة شقيقه رادو حليف السلطان الذي قدم رأس دراكولا للسلطان, فأمر بتعليقه على خازوق خشبي في أدرنة.

لا تزال عقوبة الإعدام تثير الجدل حول العالم, هناك دول عملت على إلغائه وأخرى تحافظ عليها بحجة أنها عقوبة رادعة. لكن الطريف والمخزي في نفس الوقت ما طرحه الرئيس التركي الحالي رجب طيب إردوغان حين توجه بطلب للبرلمان عام 2016 عقب فشل الانقلاب الشهير عليه بإعادة تشريع عقوبة الإعدام بالخازوق. فإلى جانب الخازوق التقليدي، هناك الخازوق الإلكتروني المعنوي، الذي تم تطويره لمواكبة عصر السرعة والتكنولوجيا، وكأن السلطان العصملي الجديد يحن إلى ميراث أجداده الدموي ويحاول جاهداً إعادة سيرتهم الأولى في القتل والخوزقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard