نظام الفورمات أو النجاح المتوقع والإبداع الآمن... مسلسل "سوتس بالعربي"

الأربعاء 13 أبريل 202211:05 ص

مكاتب محاماة فاخرة في مبانٍ عصرية الطراز، يجلس خلفها رجال ونساء يرتدون ملابس أنيقة من أرقى بيوت الأزياء، يخوضون نقاشات قانونية شيّقة، يتخللها مراوغات وألاعيب ومساومات في مقابل إتمام صفقات بملايين الدولارات.

بيئة عمل تنافسية، وشخصيات غارقة في قيم الرأسمالية وممارساتها، تواجه مشكلات كبرى، وتتعثر قليلاً، ولكنها تجد غالباً السبيل إلى النهاية السعيدة.

هذا هو عالم المسلسل الأمريكي "Suits"، الذي انتقل إلينا في نسخته العربية بعد تحقيق أرقام مشاهدة عالية على مدار 9 مواسم، واكتسب شهرة إضافية مع تحول إحدى بطلاته، ميغان ماركل، من ممثلة عادية إلى دوقة للعائلة المالكة البريطانية.

قرّر صُنَّاع "سوتس بالعربي" المشاركة في السباق الرمضاني الحالي، طامحين في جذب المشاهدين والمعلنين خلال موسم ذروة الإنتاج التلفزيوني.

المسلسل هو نتاج ورشة كتابة، أشرف عليها محمد حفظى، وياسر عبد المجيد، ومن إخراج عصام عبد الحميد.

ومع عرض الحلقات الأولى، انقسمت الآراء بين إعجاب بالقصة المبشرة، وطاقم العمل المتناغم، وبين استهجان لآليات التمصير، واعتبار أن المسلسل أقرب للترجمة الحرفية، سواء على مستوى كتابة المشاهد أو الرؤية البصرية.

"سوتس" من "وول ستريت" لـ"زايد"

حكاية المسلسل الأمريكي تقوم على مغامرة يُقدم عليها محامٍ بارع في إحدى شركات المحاماة الكبرى، عندما يُعين شاباً حاد الذكاء، ومُلماً بالقانون ومواده كمساعد له، رغم أنه لا يحمل شهادة جامعية؛ يعقد معه اتفاقاً سرياً، ويتعاونان معاً في العمل على الكثير من القضايا الصعبة.

ولدت الفكرة من وحي التجربة التي عايشها المؤلف والمنتج آرون كروس في "وول ستريت"، حي المال والأعمال، يؤمه كل يوم لعمله في الاستثمار البنكي.

عرف الكثير عن اللهث وراء تراكم الثروات والقوة والمكانة، وما يمكن أن يفعله المرء سعياً وراء مطامحه وأحلامه، يقول: "في البداية كتبت وفي مخيلتي أنهم مصرفيون استثماريون في وول ستريت. فأنا عملت مع رجل يدعى هارفي (الشخصية الرئيسية في المسلسل)، كنت أتمتع بذاكرة جيدة، وتورطت لفترة في تعاطي الماريغوانا. الكثير من الأفكار الأساسية التي بنيت على أساسها العمل ترجع إلى هذه المرحلة من حياتي، لكني في النهاية استقلت بعدما اكتشفت إنها مهنة غير مرضية بالنسبة لي".

تنتقل الحكاية بشخوصها إلى مصر ليصبح موقع الأحداث الرئيسي أحد المباني التجارية المعروفة في مدينة "الشيخ زايد"، وهي بيئة ملائمة بتميزها المعماري، وخدماتها ومشاريعها العملاقة التي تحتفي بها الطبقات العليا في مصر، وتتناسب بدرجة كبيرة مع المناخ العام الذي تدور فيه الأحداث الأصلية.

المحامي البارع هنا هو زين ثابت "آسر ياسين"، وتلميذه الذكي هو آدم منصور "أحمد داود"، يمران بمواقف مماثلة للعمل الأمريكي، بل وتصبح بعض النقاشات الدائرة سواء بينهما أو مع شخصيات أخرى مشابهة للأصل.

ولكن هل هذا يعني أن "سوتس بالعربي" ليس مصرياً؟

يعتمد الحوار بين الشخصيتين الرئيسيتين في المسلسل الأمريكي على الإشارة لأفلام مؤثرة في الثقافة الشعبية من حين لآخر، مثل فيلم "الأب الروحي"، يصبح هذا الملمح سمة أساسية في العمل المصري، تمنحه خصوصيته، مؤسساً لها في البداية على لسان آدم الذي يعلن حبه للأفلام، على عكس نظيره في النسخة الأصلية الشغوف بالقراءة.

ما علاقة مسلسل "سوتس بالعربي" بنظيره الأمريكي؟ وماذا يعني نظام الفورمات المرتبط بالمحتوى الإبداعي؟ وهل يعكس فقراً في الخيال عند المبدعين؟ وأيهما أفضل جودة وأكثر نجاحاً، "الأصلي" أم المصري؟

يحفل العمل بإحالات لجمل وشخصيات شهيرة من أفلام "سلام يا صاحبي"، و"ضد الحكومة"، و"إبراهيم الأبيض". وعادة ما يتم توظيفها بذكاء في الحوار، بالإضافة لاستخدام أغاني مصرية قديمة وحديثة، تعزز الصبغة المحلية للموضوع.

تظهر اختلافات أيضاً في تفاصيل بعض القضايا، ويضاف عليها تعديلات تواكب التغيرات الاجتماعية، مثل قضية التحرش الجنسي بموظفة في العمل، واستخدامها لمواقع التواصل الاجتماعي لتصعيد مشكلتها، أملاً في الاستفادة من الإجراءات التي باتت تتخذ ضد المتحرشين.

كما جرت تغييرات تتوافق مع قناعات المجتمع الشرقي، مثل قضية سيدة الأعمال، التي ترغب في تصفية شركتها للتفرغ للعائلة، فبدلاً من العدول عن قرارها بسبب عدم تحملها لصخب أحفادها كما في النسخة الأصلية، تتراجع خوفاً على اسمها وتصميماتها من التشويه.

أما على مستوى الشخصيات، فتحمل غالبيتها الصفات نفسها دون فروق كبيرة. الكاريزما التي يتمتع بها "زين" حاضرة، وأيضاً غروره وبحثه عن المنفعة الشخصية قبل أي شيء. صحيح إنه أكثر تعاطفاً في هذه النسخة، لكن أداءه مشابه لما قدمه جابريل ماكت. كذلك الحال بالنسبة لصبا مبارك في دور مديرة الشركة، وريم مصطفى في دور السكرتيرة، وتارا عماد في دور المساعدة القانونية. وإن كانت كتابة الشخصية الأخيرة تبدو مختلفة بعض الشيء عن الأصل، وتحديداً في سبب عدم عملها كمحامية، الذي يرجع إلى عدم جرأتها في الوقوف أمام القضاة والمحامين الخصوم.

في المقابل، يقدم محمد شاهين دور المحامي الغيور، بأداء كوميدي مختلف عما قدمه ريك هوفمان، ويركز على كونه ينتمي إلى فكر قديم في المهام التي يديرها بذكاء. ولكن أحياناً المبالغة في تقديم الشخصية بشكل هزلي تجعله غير مقنع كمحام ماهر ومنافس قوي لزين ثابت.

ابتعد أحمد داود هو الآخر عن أداء باتريك جاي أدامز، وقدم شخصية مرتبكة، هي الأقرب إلى موقف المشاهدين الذين يكتشفون معها هذا العالم الجديد، وساعدته على ذلك الكتابة التي تخلت عن بعض الصفات المذكورة في النسخة الأصلية، كالذاكرة البصرية الخارقة، والاكتفاء بقدرته على تخزين المعلومات، والمهارات الشخصية الجيدة.

يمكن ملاحظة هذه الاختلافات وغيرها في حالة المقارنة بين العملين، لكنها لم تكن كافية في نظر كثيرين. لذلك، قرر المنتج طارق الجنايني أن يرد عبر فيسبوك على بعض الانتقادات، ويؤكد على أن نظام "الفورمات" له شروط وقواعد يجب احترامها عند شراء الحقوق من المنتج الأصلي.

ما هو نظام الفورمات؟

إذا نظرنا إلى قائمة المسلسلات المصرية التي أنتجت في السنوات الأخيرة، سنجد مجموعة كبيرة منها استندت إلى نظام الفورمات، فقد أصبح حاضراً بقوة كنمط إنتاجي، سواء للتليفزيون أو المنصات الإلكترونية، ولكن تتفاوت درجة تفاعل المشاهدين حسب كل عمل.

يرجع الأمر إلى ظاهرة عالمية بدأت في أواخر تسعينيات القرن الماضي ببرامج المسابقات والألعاب الترفيهية، مثل "من سيربح المليون" و"الأخ الأكبر" وسلسلة "آيدول" الغنائية، وفيما بعد شملت المسلسلات بمختلف أنواعها. وهي بالأساس امتداد لتجارب إعادة الإنتاج والاقتباس التي يحفل بها تاريخ السينما والتليفزيون والإذاعة، لكنها تبلورت وأرست قواعدها مع بزوغ العولمة.

تتعدد تعريفات نظام الفورمات في الدراسات التليفزيونية، لكن يمكننا الاعتماد على تعريف المنظّر ألبرت موران، حيث يصفه بأنه مجموعة من العناصر الثابتة، التي يتم من إخلالها إنتاج عناصر متغيرة وفقاً لثقافة كل بلد، وكأنها وصفة لكيفية إعداد برنامج/مسلسل جيد في أي مكان في العالم.

تتضمن هذه الوصفة شرحاً كاملاً للعمل وآليات تنفيذه ونماذج موضحة بالصوت والصورة لضمان الوصول لأعلى جودة.

في أحايين كثيرة، توفر الشركة المالكة لحقوق المنتج الأصلي منتجين يساعدون الشركة الحاصلة على التراخيص في خروج العمل للنور.

وقد أصبح النظام رائجاً بين شركات الإنتاج لأسباب متعددة، أهمها إنه لا يحمل مخاطرة كبيرة في نظر المموّلين؛ فهم يراهنون على أعمال مجربة بالفعل، وأثبتت نجاحها بالأرقام. وهذا بالتأكيد أفضل لهم من المغامرة بالمال والوقت في فكرة جديدة أو تجربة مختلفة عن السائد في السوق، فضلاً عن الحاجة إلى محتوى جديد باستمرار مع زيادة أعداد المنصات والقنوات التليفزيونية.

أغلب شركات الفورمات تشترط الالتزام تام بكافة التفاصيل، ويشمل ذلك الحبكة والشخصيات الرئيسية وتطور الأحداث على مدار الحلقات... تعرّف على تجارب درامية مبنية على نظام الفورمات

وبشكل عام، تعتبر الفورمات منتجاً ثقافياً يحتاج إلى تكييف أو تعريب "في حالتنا"، لكسر حاجز اللغة والعادات، بحيث تكون النتيجة النهائية معبرة عن الهوية المحلية التي يُعرض فيها المسلسل. ولكن توجد إشكالية كبيرة تتعلق بشأن الشروط التي تضعها الشركات المالكة للحقوق الأصلية. يشير موران في كتابه "فهم فورمات التليفزيون العالمية" إلى أن هناك سؤالاً ضرورياً يجب أن يتوقف عنده المشترون، وهو مقدار المرونة المتاحة في تطبيق الفورمات.

أغلب شركات الفورمات تشترط الالتزام تام بكافة التفاصيل، ويشمل ذلك الحبكة والشخصيات الرئيسية وتطور الأحداث على مدار الحلقات، إلى جانب الحفاظ على البصمة البصرية المتمثلة في مواقع التصوير وأسلوب الإخراج والمونتاج، إذ تحدد فيما يعرف بـ"دليل الفورمات" كل ما هو مطلوب لكي ينفّذ العمل في بلد أجنبية، فهي ترى أن هذه العناصر هي السبب وراء النجاح، وإذا لم تتبع بدقة قد تفشل النسخة الجديدة، وتسبب أضراراً على مستوى عالمي.

وبالتالي، يجد الحاصلون على تراخيص الفورمات أنفسهم مقيدين خلال عملية التحويل الثقافي، خاصة أنهم يحتاجون إلى صياغة المحتوى بصورة تجعله مستساغاً للمشاهد المحلي، وفي الوقت نفسه، عليهم مراعاة المحاذير الرقابية والوصاية المجتمعية التي تحدّ من حرية الإبداع، بالإضافة إلى اللوجستيات المتعلقة بنظام الإنتاج المختلف، والميزانية الموضوعة للأجور والتنفيذ.

كل هذه التعقيدات تجعل من الصعب النظر إلى مسلسلات الفورمات على اعتبار أنها فقر إبداعي ومجرد تقليد بلا روح، وإنما هي مساحة لعقد المقارنات الفنية ودراسة الفروقات الثقافية وأنماط الإنتاج المتباينة.

الفورمات وفرص التأثير

في منشوره عبر فيسبوك، يذكر المنتج طارق الجنايني أن عدد مشاهدي المسلسل الأمريكي في الوطن العربي لا يتجاوزون مليوني مشاهد، في مقابل ملايين تسعى النسخة المصرية للوصول إليهم.

هو يعلم أن محبي الأصل ربما يعجبهم المسلسل الجديد أو يرفضونه، أما فرصته مع من يتعرفون على القصة لأول مرة أكبر بكثير، هؤلاء لا يتربصون بما يعرض على الشاشة، وليس لديهم أي أحكام مسبقة عن الحبكة والشخصيات، بل على العكس، يحملون انطباعات إيجابية عن طاقم الممثلين، ويستبشرون بمتابعة عمل خال من المط والتطويل، نظراً لأنه يستند على آخر متعدد الأحداث والمواسم.

ومع ذلك، فإن الروح المصرية الحاضرة في "سوتس بالعربي" تجعله ممتعاً حتى وإن شاهدت المسلسل الأمريكي، خاصة مع حالة الانسجام الجلية بين الممثلين.

وعموماً هناك تجارب كثيرة عالمية نجحت فيها الأعمال الأصلية جنباً إلى جنب مع النسخ التي أعادت إنتاجها، مثل مسلسل The Office ومسلسل Shameless.

لكن فيما يخص التجارب المصرية السابقة، يتضح أن فرصة مسلسلات الفورمات المبنية على أعمال غير أمريكية، والتي لم تقدمها أمريكا من الأساس، أفضل من غيرها جماهيرياً ونقدياً.

تعد تجارب السيناريست تامر حبيب الأهم على الإطلاق، تحديداً مسلسلي "طريقي" و"جراند أوتيل"، الذي تعاون خلالهما مع المخرج محمد شاكر خضير، الأول فورمات للمسلسل الكولومبي "صوت الحرية"، والثاني لإسباني يحمل الاسم نفسه.

اختار المؤلف عملين أثبتا نجاحهما عالمياً، إلا أنهما غير معروفين في الوطن العربي، ما يجنبه المقارنات ويضفي طزاجة على كتابته.

ورغم التزام حبيب بتفاصيل كثيرة في المسلسلين، فإنه أجرى تعديلات على المواقف والحوارات تقربهما من الثقافة المحلية. الأمر الذي ينم عن وجود مرونة، سواء لدى أصحاب الفورمات أو الشركة الحاصلة على التراخيص، التي وثقت في قدراته هو والمخرج.

كما أن وقوع الأحداث في زمن ماض صبغ العملين بنوستالجيا لحقب سالفة، كانت فيها الحياة مختلفة بكل تفاصيلها، وأصبح هناك اشتياق للشوارع الواسعة الفارغة، والملابس الأنيقة، والإيقاع الأكثر تمهلاً من واقعنا، حتى وإن كانت هذه الحالة الجمالية هي نصف الحقيقة، فالابتعاد عن الحاضر ساعد على نجاحهما وحررهما من قيوده.

في النهاية، الاعتماد على نظام الفورمات أمر شائع ومقبول عالمياً، لكن ربما علينا أن نبحث عمن يفتحون الباب أمام إجراء تغييرات فنية حقيقية تناسب حياتنا وتشبه ثقافتنا.

وعلى أي حال، يبقى شراء الحقوق من أصحابها أكثر احتراماً ونزاهة من سرقة الأفكار وتطويعها دون الخضوع لأي شروط إلزامية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard