تصعلك وكُفّر وسُجن وقال: "إلهي أعِنّي عليهم"... الشاعر التونسي أولاد أحمد

الثلاثاء 5 أبريل 202207:02 م

"تونس... سلّمتُ في الدُّنيا... وقلتُ أكونُها: شعراً ونثراً وناقداً ومُبشّراً طوالَ الفصولِ الأربعهْ... أنْثى وأمّي ليس لي قبْرٌ في المــَا-بعْدُ (في الأُخْرى) سوى هذي الحُروفِ الأربعهْ"؛ كانت تلك آخر كلمات كتبها الشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد يوماً قبل وفاته في 5 نيسان/أبريل 2016 من المستشفى العسكري بتونس، تاركاً 6 دواوين شعرية: "الوصية"، و"نشيد الأيام الستة"، و"لكنني أحمد"، و"ليس لي مشكلة"، و"جنوب الماء"، و"حالات الطريق".

كما ترك في النثر مجموعة "تفاصيل" (1991)، و"القيادة الشعرية للثورة التونسية" (2013)، والمئات من المقالات الصحفية المنشورة في الصحف والمجلات التونسية والعربية، من خلال مسيرة امتدت على أكثر من ثلاثة عقود، صارع من خلالها كوابيسه وغيلانه "اللغوية" و"الفقهية" و"الخرافية" و"الدستورية" و"الجهلانية و"الدون فكرية"، كما تشابك مع أصحاب السلطة، ونصب العداء لرجال الدين، وامتهن الحريّة شعراً ونثراً وحلماً، فكانت قصائده "جيشاً من الأحلام منتشرة على الدنيا".

بعد رحيله بسنوات لم نر احتفاء رسمياً بذكراه، سوى بعض المبادرات الباهتة هنا وهناك، والتي لم تكن في حجم وطن كما أحبّه وكتبه أولاد أحمد الشاعر الرمز. ألم يقل أنّ "تونس هي موضوع كتابتي الوحيد، شعراً ونثراً وكلاماً ومشْياً وحُلْماً وشراباً، منذ انخراطي في الكتابة وإلى هذه اللحظة. تونس التي هي اسم أمي كذلك، فقد كان أجدادنا، زمنَ الاستعمار، يسمون النساء باسم البلاد حتى لا تنسى القبائلُ اسم الوطن".

الصعلوك الذي لا يحتويه قالب ولا سلطة

كما "ينبت العشب من مفاصل صخرة" نبت أولاد أحمد من "بادية حافية في أقصى الجنوب، يستوجب الوصول إلى كلابها ثلاثة أرباع يوم". هكذا كان يصف قريته النوايل بمحافظة سيدي بوزيد، حيث ولد في الرابع من نيسان/أبريل سنة 1955، وحيث عاش في بيئة قاسية، وشّمها الفقر. تزامن ذلك مع فترة خروج الاستعمار الفرنسي لتونس وبداية بناء الجمهورية الأولى، ليسافر بعد تعليمه الابتدائي إلى محافظة قفصة ثم إلى العاصمة تونس، ليتحصّل على دبلوم في التنشيط الثقافي أواخر السبعينيات.

خلال رحلة بحثه عن إله يعينه في ضفاف البحر الأبيض المتوسط في شمال إفريقيا، صدم بما أسماه استعمار الكابوس اللغوي والفقهي والخرافي، والدستوري والجهلاني والدون فكري

بدأ تجربة الكتابة الشعرية وهو في سن الخامسة والعشرين، أواخر سبعينيات القرن الماضي، السن الذي بدأ فيه معترك نضاله كي يعيش حرّاً مبدعاً مفكراً شاعراً وصعلوكاً بالأساس؛ ذلك الصعلوك الذي لا يحتويه قالب ولا سلطة. وبعدما أنهى جميع مراحل تعليمه في تونس، سجن أولاد أحمد في "أحداث الخبز" أو "انتفاضة الخبز" في 1984 على خلفية اعتصام نفذه الاتحاد العام التونسي للشغل، ليُمنع بعد ذلك ديوانه "نشيد الأيام الستة" حيث احتجزته السلطات قرابة الأربع سنوات، وطرد من عمله كمنشط ثقافي، وحتى عندما باشر عمله بعد سنوات الطرد لم يستردّ حقوقه.

كانت رقابة السلطة على كلماته بمثابة مقصلة حادّة لا تبقي ولا تذر، تجرح كلماته وتبتر معانيها، فقد اضطهدته الرقابة بشتّى المضايقات؛ كأن مسحت أبياتاً وحذفت مقاطع من أشعاره ومقالاته حتى أنه كتب "هذا أنا لا يقرأ البوليس نصي في الجريدة ناقصاً، بل يقرأ المخطوط حذو مديره في الليل قبل توجعي وصدورها، وإذن سأكتب لمن أريد وما أريد".

معاداته للإسلاميين

أدار طيلة أربع سنوات بيت الشعر التونسي وكان مؤسسه ومقترح فكرة أن يكون للشعر بيت في تونس، ليزاح بعد ذلك من بيته، بيت الشعر، ويكابد ويلات الفقر والتهميش أكثر فأكثر، خاصّة وأنه رفض جائزة الاستحقاق الثقافي لرئيس الجمهورية في عام 1993، ورفض بذلك التطبيع مع النظام بكل ما حمله من استبداد وقمع وديكتاتورية حتى أنّه سخر من بن علي في حوار صحفي أجراه في عهده في 2004 قائلاً: "كان لدينا رئيس يتكلم وُيمسرح خطابه (يقصد الحبيب بورقيبة) والآن أصبح لدينا رئيس لا يتكلم ونسمعه مُسجّلاً".

"هذا أنا لا يقرأ البوليس نصي في الجريدة ناقصاً، بل يقرأ المخطوط حذو مديره في الليل قبل توجعي وصدورها"

أولا أحمد كان يسمي الإسلاميين "دود الأرض"، وهي عبارة اقتبسها من الشاعر أحمد فؤاد نجم، فقد عُرف بمعاداته الكبيرة للإسلام السياسي وما حمله من ثقافة ماضوية تلغي التعدد والتنوع؛ معاداة جوبهت بالعديد من حملات التكفير والتشويه حتى أنّ الإسلامي يوسف القرضاوي كفّره سنة 2007 واتهمه بالتطاول على الذات الإلهية والإلحاد وذلك على خلفية قصيدة يقول مما يقول فيها:

إلهي أعنّي عليهم

لقد عقروا ناقتي

وأباحوا دمي...

في بيوت أذنت بأن لايراق دم فوق سجادها

إلهي

أعوذ بك الآن من شر أهلي يبيعون خمراً رديئاً ويؤذون ليل السكارى البريء

إلهي

لقد تم بيع التذاكر للآخرة

ولم أجد المال والوقت والعذر كي أقتني تذكرة

فمزّق تذاكرهم يا إلهي ليسعد قلبي

ألم تعد الناس بالمغفرة؟

عداوته بدأت مع الإسلاميين منذ كان في الجامعة عندما طالب بعدم استعمال مضخمات الصوت في المساجد في صلاة الفجر. ولعلّ أكبر حملة ضده تعرّض إليها أولاد أحمد في سنواته الأخيرة من قبل الإسلاميين بعد خطابه في اعتصام الرحيل، الاعتصام الذي بدأ على خلفية الاغتيال السياسي الثاني في تونس بعد مقتل الشهيد محمد البراهمي رمياً بالرصاص أمام منزله، فقال أولاد أحمد مما قال: "نحنُ نتحدث عن الدولة المدنية، وهم يتحدثون عن دولة الخلافة، نحن نتحدث عن دولة القانون، وهم يتحدثون عن دولة الشريعة، نحن نؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة وهم يعتبرون أن المرأة ناقصة عقل ودين. نحن نحدد تاريخ تونس بخمسة آلاف سنة على الأقل، وهم يحددون تاريخها ب 13 قرناً".

أسابيع قبل وفاته ولقاء خاطف

قبل أسابيع قليلة من رحيله عنّا التقيته في مقهى بأحد الفنادق في شارع محمد الخامس بالعاصمة تونس، وكان في أحسن حال حتى أنّي اعتقدت أنه في طريق الشفاء حقاً، ففي ذلك اليوم كان سعيداً بشعره الذي نبت من جديد بعدما تساقط من مفعول العلاج الكيميائي للسرطان، وكان شاكراً جدا لطاقم الطبي وشبه الطبي ممن اعتنوا به وسهروا على علاجه، وكان متفائلاً أنّه سينجو من المرض، ولم يكن خائفاً أبداً من الموت حتى أنّه جهّز نفسه في حال وفاته، حيث رتّب كل إصداراته ومنشوراته الباقية على حاسوبه المحمول، قائلاً: "هذا ما سيبقى لابنتي كلمات" يقصد دواوينه وكتبه.

في ذلك اللقاء لم يتردد مطلقاً في اشعال سيجارة، فنهيته بلطف أن يتوقف عن التدخين، لكنه تمسّك بتدخينها متسائلاً: "ما معنى أن يموت الإنسان في صحّة جيّدة؟".

لا أشجع أحداً على التدخين هنا ولكن أسرد ما حصل وقتها ليس أكثر. كان يفضّل مناداته بلقبه وباسمه كاملاً. ناديته في ذلك بالــ"الصغير"، فبدا عليه بعض الامتعاض والانزعاج وقال: "ناديني باسمي كاملاً".

عندما توفي أولاد أحمد أقيمت له جنازة مهيبة، حيث شيعنه نساء تونس اللواتي كسرن أكثر فأكثر مسلّمة ألا تشيّع النساء الجنائز ولا تدفن موتاها

وعندما سألته كيف تمضي وقتك في هذه الأيام؟ قال: "في هذه الأشهر القليلة أعدت إصدار ثلاثة كتب، رتّبتها من جديد، وأصلحت فيها ما أصلحت، حتى أنّ ذلك أثّر على الدواء الذي أتعاطاه. ما قمت به من عمل في هذه الأشهر القليلة لم أقم به طوال عشر سنوات، وعياً بالموت. ولم أعد أنام كثيراً. أريد أن أعمل ما استطعت. فاستدركت، وقلت له: ألا تريد أن تترك الشعر والكتابة قليلاً حتى تشفى؟ فقال ضاحكاً: "أنا عشت قبل أن أتزوّج بأمّ (كلمات) أعزب، ولذلك أنتجت العديد من الكتب. أنا أحوم حول الشعر المليء بالفكر، وما دمت أفكّر فلن ينقطع الشعر".

تحدّثنا في ذلك اللقاء عن حفل تكريمه بالمسرح البلدي في تشرين الأول/أكتوبر  من سنة 2015، فقال إنّ "العرض الذي قمت به في المسرح البلدي بمناسبة تكريمي كان تصوّري، وتعبت فيه جداً. ركّزت في ذلك العرض على عنصري الوطن والثورة؛ فالوطن أعلى من كل النصوص المطلقة. وعلى الفنانين أيضاً أن يقوموا بعروض تُنسي الناس خطابات السياسيين الذين لا يعرفون فنّ الخطابة، ولا يستعملون لغة مقنعة. ألم يكتب محمود درويش خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة؟ والرباعي الراعي للحوار الذين ذهبوا لاستلام جائزة نوبل للسلام بخطابات مختلفة؟ لو كانوا يدركون ويفكرون لكتبت لهم خطاباً تاريخياً موحّداً. على المثقّف أن يملأ المسارح. أنا عندما صعدت على ركح المسرح البلدي كرّمت من كان في هذا الفضاء وهم كرّموني، بالدموع والبكاء. خطابي الذي قلته في باريس بدأته بـ: أيها المهاجرون! أقصد عمالنا في الخارج، وأيها الأنصار! وأقصد أنصار الشعر".

جنازة مهيبة ونساء كسرن مسلّمة أخرى

عندما توفي أولاد أحمد أقيمت له جنازة مهيبة، شبّهت بجنازة المناضل النقابي فرحات حشاد أو جنازتي شكري بلعيد ومحمد البراهمي، حيث شيعنه نساء تونس اللواتي كسرن أكثر فأكثر مسلّمة ألا تشيّع النساء الجنائز ولا تدفن موتاها.

في تلك الجنازة حضر أهل الشعر، والكلمات، نقابيون/ات وحقوقيون/ات ومحامون/ات وصحفيون/ات وفنانون/ات باختلاف فنونهم وسياسيون/ات، وحتى أعداؤه من الإسلاميين، جاؤوا لتشييعه في ذلك اليوم.

في يوم جنازته كان الطقس متقلّباً جداً، تغيّم قليلاً، لتمطر قليلاً، لتشرق الشمس وسرعان ما تختفي. أذكر وقتها أنّ أحدهم قال: كل شيء في هذا اليوم يشبه أولاد أحمد.

خلال رحلة بحثه عن إله يعينه في ضفاف البحر الأبيض المتوسط في شمال إفريقيا، صدم بما أسماه استعمار الكابوس اللغوي والفقهي والخرافي، والدستوري والجهلاني والدون فكري، وفي كل استعمار خاض معركته لأجل الحرية، وترك أبياتاً حفظها التونسيون وخاصة التونسيات، بما أفردهن من قصائد لمناصرة حقوقهن لأجل المساواة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard