"عندما أموت ضَعن أحمر الشفاه"... عن زينب فرحات ودورها في الثقافة التونسية

الاثنين 7 مارس 202202:53 م

"عندما أموت، لا تحزنّ، ضعن أحمر الشفاه، وارتدين تنورات، واحرصن أن تكنّ قصيرات، وكنّ كما أنتنّ حالمات ومثقفات ومتحرّرات"؛ قالت زينب فرحات هذه الكلماتِ مراراً وتكراراً قبل وفاتها، الذي شكّل صدمة لمن عرفها، فزينب التي تحبّ الحياة وتعلي ثقافتها رحلت وبقيت إلى اليوم في قلوب محبيها من أهل الإبداع والخيال والحرية، فكرةٌ يتقاسمونها: زينب فرحات تركت فلسفة حياة تصبّ في تحرّرنا من أغلال الماضوية وأدران الخوف.

"شربت الكأس حتى الثمالة وقامت بما تملك من عناد ودهشة وبما تختزن من حب لتنقّح (التياترو) من عبث الأمكنة"؛ هكذا رثاها الفنان مارسيل خليفة.

زينب فرحات رفيقة درب المسرحي الكبير توفيق الجبالي، نسوية ومدافعة شرسة عن حقوق النساء، هي ابنة المناضل التونسي الصحبي فرحات، وشقيقة صفية فرحات النسوية ومؤسسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، واشتغلت صحفية وناشرة وأدارت فضاء التياترو وأسست جمعية زنوبيا.

التياترو... مشروع ثقافي ومواطني يعلي مبادئ الإنسان الكونية

أن يكون هنالك ملاذ آمن، خاصة في فترات الاستبداد، سياسياً كان أم دينياً، أين نصدح بأفكارنا كما نشاء وفي أي موضوع نشاء ولا نخاف من الأحكام أو الترهيب، ترهيب الجماعات التي تجد في التفكير والتعبير كفراً ورجساً من عمل الشيطان، أن تكون هنالك مساحة آمنة نسترقها من الزمن ونكون نحن دون أقنعة؛ ذلك هو فضاء التياترو، فضاء إبداع وخيال، فضاء ثقافي مستقلّ أسّسه أستاذ المسرح التونسي الفنان توفيق الجبالي عام 1987، وأدارته في ما بعد زينب فرحات.

في هذا الفضاء نستطيع أن نعبّر عن أفكارنا كما نشاء، فالأحكام مرفوضة، فقط النقاش مسموح به. في هذا الفضاء لا قانون يعلو فوق ممارسة الإنسان لحقّه في التفكير والتعبير دون وصاية من أحد، حتى إن كان حاكماً أو فقيهاً أو وصيّاً على العقول.

"شربت الكأس حتى الثمالة وقامت بما تملك من عناد ودهشة وبما تختزن من حب لتنقّح (التياترو) من عبث الأمكنة"؛ هكذا رثاها مارسيل خليفة

دافعت زينب عن فكرة تكوين الفضاءات الثقافية المستقلّة، خاصة في الأحياء الشعبية، واقترحت مفاهيم لثقافة القرب، وشجعت أصحاب الفضاءات كي يكونوا نقابة للدفاع عن حقوقهم، لكي يصبح العمل الثقافي فعلاً تنويرياً ومواطنياً واجتماعياً واقتصادياً، وكي لا ينسحب المثقّف والفنان من الحياة الاجتماعية ويدلي بدلوه في تأسيس مشروع مواطني، يصبّ في تحرير الإنسان من ركام الخوف والجهل، وأن يكون لهذه الفضاءات الثقافية دور استباقي في التكوين والتأطير والتشجيع على الإبداع والتنشئة على الفكر والجمال والحياة.

أكدت زينب على ذلك خاصة أمام غياب أو ترهل النصوص القانونية والمرجعية التشريعية التي تتعلق بتسيير الفضاءات الثقافية والمؤسسات الثقافية وحماية الملكية الأدبية والفكرية وخصوصاً تحسين الوضعية الاجتماعية الحرجة والهشة لأهل الفن والإبداع في تونس.

ومثّل فضاء التياترو على امتداد أكثر من ثلاثين سنة ملاذاً للمبدعين والحالمين لما حمله من قيمة رمزية كبرت شيئاً فشيئاً عبر السنين، وكان مختبراً لأفكار وفسحة تعلي حرية نحو مسرح حديث يتطلّع لخلق إنسان، لا باحتضانه المشاريع الفنية والثقافية التي تقدّم تصورات وأفكار تخرج عن القوالب النمطية بل بانخراطه دون قيد أو شرط في كل المبادرات المجتمعية التي تعلي حقوق الإنسان الكونية من خلال العمل الثقافي.

سألت مرّة زينب فرحات قبل وفاتها بسنوات، عن البدايات، كيف بدأ المشروع بإمكانيات مادية شبة محدودة، ومن ردّها لم يبق في ذهني غير حكاية كرتون البيض. قالت: "أردنا في ذلك الوقت أن تكون قاعات الفضاء عازلة للصوت، وطبعاً كان يتطلب الكثير من الإمكانيات، فكان منّا أن أتينا بكرتونات البيض ووضعناها على الجدران فشكّلت حاجزاً للصوت الخارجي". بمثل هذه الحكاية البسيطة بيّنت زينب أنّه مادامت الإرادة موجودة، فكل شيء سيرضخ لها، ومادامت الأفكار نابضة فستبنى لبنة لبنة.

الفضاء الذي يضم ثلاث قاعات للتدريب ورواقاً خاصاً وتياترو أستوديو مخصصاً للتدريب أيضاً، قدّم العديد من المسرحيات التي بقيت راسخة من المخيال الجمعي التونسي، أمّنها توفيق الجبالي الذي ينتمي لجيل اختار التأسيس من خلال الثقافة والفكر.

حرصت على جمع أهل الفن والثقافة بصفة دورية، وكوّنت حلقات نقاش وتعارف ومبادرات، وكانت في كل ذلك تحلم بتونس العلمانية، حيث تُحمى الحقوق وتصان الحريات

كان توفيق الجبالي في فترة الستينيات من بين مثقفين شبان خطّوا ما أصبح يسمى بـ"بيان الأحد عشر"، حيث قدّموا قراءة للواقع الثقافي في "بناء التونسي الجديد"، على أن تكون الثقافة "ركناً من أركان النهضة الاجتماعية العامة"، و"دعامة للثورة الاجتماعية وشرطاً من شروطها الأساسية"، وهذه هي الفلسفة التي رافقت مسيرته الفنية الحافلة بعد ذلك، وصولاً لتأسيسه فضاء التياترو، وكان في كل ذلك ناقداً لاذعاً للحدث السياسي والاجتماعي.

زنوبيا

لطالما أحبّت زينب فرحات ملكة تدمر زنوبيا، حتى أنها أسّست جمعية زنوبيا كي تساعد الناس، وهي جمعية ثقافية وفكرية. ومن لاشيء قامت بإنشاء كريطة الرسكلة الإبداعية، و"كريطة" باللهجة التونسية تعني عربة مجرورة. هذه الكريطة كانت تقلّ تلاميذ المدارس الابتدائية في أحد أرياف ولاية نابل، وكانت هذه الكريطة حلّاً مثالياً أمام عدم وصول السيارات إلى الأرياف العميقة.

كريطة زينب لم تكن وسيلة نقل من أجل عدم تغيّب التلاميذ، بل كانت حلاً بسيطاً وسحرياً لعدم انقطاع الأطفال عن الدراسة في تلك البقاع أمام عجز الدولة عن تقديم البديل. زينب التي تبّنت ريف "الشرف" بنابل، أسست مكتبة للأطفال في مدرستهم، بل والتقت العديد من النسوة هناك، حيث أمّنت لهن بعض الأفكار والموارد كي يصبحن منتجات وصاحبات مشاريع صغيرة.

البعض من زينب فرحات الحقوقية

ربما لا نبالغ إذا قلنا إنّ زينب فرحات كانت لوحدها قوّة وطنية تقدمية، فلم يكن فضاء التياترو الذي أدارته مجرّد فضاء ثقافي للتدريب أو العرض، بل كان فضاءً مفتوحاً للأفكار الحرّة، ومنبراً مسانداً لكل المبادرات التي تدفع لتحقيق الكرامة الإنسانية والمواطنة الفعلية والمساواة التامة، ومشروعاً يناهض بالفكر والفن كل مظاهر العنف والتمييز ضد النساء، وعلى أساس الولادة أو الجنس أو العرق أو الجنسية أو اللون أو الرأي أو المعتقد أو الجهة أو الطبقة الاجتماعية أو الإعاقة أو اختيارات الفرد وتوجهاته الشخصية أو الميولات الجنسية.

دافعت زينب فرحات دون هوادة عن مسألة المساواة في الميراث، تلك القضية التي قُبرت بعد فشل المبادرة التي طرحها الرئيس التونسي الأسبق الباجي قائد السبسي، حيث بيّن أن "تونس تتجه صوب إرساء مبدأ المساواة في جميع المجالات".

دافعت زينب فرحات دون هوادة عن مسألة المساواة في الميراث

مبادرة أثارت جدلاً واسعاً، خاصة في العالم العربي عند طرحها في تونس، وحاربها الإسلاميون عندما كانوا في الحكم، ومن بعدهم المحافظون اليوم الذين يرون في المساواة خطراً على المجتمع، إذ ينصّ قانون الميراث في تونس كما في الشريعة الإسلامية وغالبية الدول العربية، على أن للرجل نصيبين وللمرأة نصيباً واحداً من ميراث الأبوين، وبالرغم من ذلك، فإن عدداً من العائلات التونسية يطبق المساواة عن طريق ما يمنحه الأبوان وهما على قيد الحياة للأبناء.

زينب فرحات حشدت المثقفين والفنانين للدفاع عن المساواة التامة والفعلية، ودافعت عن الحقوق الفردية، خاصة أنها رفضت ازدواجية المواقف والأفعال لدى الكثير من التونسيين، إذ يأخذ الشخص ما يرضيه وما يطمئن الجماعة، ويترك ما لا يرضيه وما لا يطمئن الجماعة.

وكانت زينب فرحات أوّل من أنجز مسرحية في العالم العربي تشرّح المثلية الجنسية وتدافع عن الحريات الجنسية، بل وتتناول كل المحظورات المجتمعية في مسرحيات أو نصوص أو لقاءات فكرية ثقافية.

آمنت زينب بنموذج مجتمعي تونسي يعلي الاجتهاد والتحديث والانفتاح، ويكرس المساواة والحقوق الفردية خاصة، ووقفت بشراسة لكل هجمات الردة التي حاولت خلخلة النموذج التونسي وسحبه أكثر فأكثر نحو الرجعية والماضوية وإعادة سطوة الشريعة في تفاصيل حياة الناس.

تحدّثت زينب فرحات عن الإسلام كمعطى ثقافي، فالإسلام السياسي ماض في ابتلاع الإسلام كمعطى حضاري وثقافي، وأبواق الإسلام السياسي خاصة تلخّص الإسلام في نقطة واحدة وهي الشريعة، وذلك ما عارضته زينب.

من يعرفون الوسط الثقافي والحقوقي في تونس يدركون أن زينب فرحات تركت بصمة لا تشبه بصمة أحد، وتركت فراغاً لم يعوّض بعد رحيلها، فقد حرصت على جمع أهل الفن والثقافة بصفة دورية، وكوّنت حلقات نقاش وتعارف ومبادرات، وكانت في كل ذلك تحلم بتونس العلمانية، حيث تُحمى الحقوق وتصان الحريات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard