بين التسامح والكره... كيف تتأرجح المشاعر تجاه الشريك/ة بعد الانفصال العاطفي؟

الجمعة 26 يونيو 202006:16 م

من يختبر مرارة ولوعة الانفصال العاطفي يدرك جيداً أنه ليس بالأمر السهل على الإطلاق، فالابتعاد عن الحبيب/ة يخلّف وراءه شريطاً طويلاً من الذكريات واللحظات الممزوجة بالدموع والآهات، وفي حين أن بعض الأشخاص يبذلون قصارى جهدهم من أجل استعادة شرارة حبهم القديم حتى ولو بعد مرور سنوات على الانفصال، فإن البعض الآخر تتولد بداخله مشاعر الكره والغضب تجاه من أحبه يوماً، فيحذف الشخص تماماً، كما يمزق هذا الفصل من كتاب حياته إلى الأبد.

أصعب قرار

في مشوار حياتنا قد نصادف من يكذب علينا، يخدعنا، يخذلنا، "يختفي" فجأة من حياتنا كالشبح أو يُسيء إلينا بطريقة أو بأخرى، ولكن ماذا لو كان هذا الشخص هو الحبيب/ة الذي لطالما تمنينا الارتباط به وبناء عائلة سعيدة معه؟ هل نسامحه أم أن الجرح يولد أحقاداً من الصعب إخمادها؟

من يتعرف على دلال (اسم مستعار) عن كثب، يلاحظ أنها صاحبة قلب كبير، إلا أنها حين تنجرح ويخيب أملها في شخص عزيز على قلبها، فإنها تدير ظهرها على الفور وتمشي في حال سبيلها، دون أن تلتفت إلى الوراء، خوفاً من أن تضعف أمامه من جديد.

منذ حوالي سنة، تعرفت هذه الشابة، التي تعمل في شركة للسياحة والسفر، على أحد الشبان عبر موقع فيسبوك، وللصدفة، اتضح أن مكتبه يقع على مقربة من مكان عملها، فكانا يلتقيان باستمرار وتوطدت علاقتهما بشكل سريع.

في حين أن بعض الأشخاص يبذلون قصارى جهدهم من أجل استعادة شرارة حبهم القديم حتى ولو بعد مرور سنوات على الانفصال، فإن البعض الآخر تتولد بداخله مشاعر الكره والغضب تجاه من أحبه يوماً، فيحذف الشخص تماماً، كما يمزق هذا الفصل من كتاب حياته إلى الأبد

ولكن بعد فترة، بدأت المشاكل بينهما تزداد، بخاصة وأنها لاحظت أنه يماطل في مسألة الارتباط الرسمي، ويؤجل باستمرار موضوع التعرف على الأهل، وحين واجهته بالأمر، أخبرها بأنها فتاة مميزة إلا أنه لا يفكر حالياً بالارتباط الجدي: "وقت زركتو كتير قلي أنت بنت بتاخدي العقل بس أنا هلق ما بدي فوت بشي serious (جدّي) لأنو مش كتير مأكد من مشاعري بعد".

وأضافت دلال لرصيف22: "تخيلي كان إلنا أكتر من سنتين منروح ومنجي سوا وكذا مرة حكينا بموضوع البيت والعرس وبالآخر ببق البحصة أنو ما بدو هلق يحس حالو مأسور بحدا، وإني مش المرأة يلي بيحلم وبفكر يبني عيلة معها".

وهكذا قررت دلال أن تأخذ أصعب قرار في حياتها وأن تنهي العلاقة بينهما: "أنا كمان ما فيي ضل ضيّع وقتي وأنطر هو شو بيحس. بدي شخص يكون صادق وعارف شو بدو من الأول، وأسس معو مستقبل حلو، ما بقا إلي جلادة الشباب يلي بدون يتسلّو ويطقوا حنك".

وعن شعورها اليوم تجاه حبيبها السابق، تقول: "كنت حبو كتير. بحنّ أوقات بس ما بسامح وأكيد ما برجع لهيك علاقة ما بتوصل لمحل، لو من الأول ما كذب وكان صريح معي أوكي، بس هو ضيعلي وقتي وجرحني كتير بحكيو المسمّ...".

المسامحة

بالرغم من أن علماء النفس كتبوا العديد من الكتب التي تتناول موضوع الغفران، إلا أنه من الصعب تعريف المسامحة، فالبعض يعتبر أنها عاطفة أو موقف داخلي، والبعض الآخر يعتقد أنها موقف يجب التعبير عنه في العلن.

في هذا الصدد، لاحظت البروفيسورة كاثي بيليكي، وهي طبيبة نفسية متخصصة في التسامح، أنه من الصعب تعريف هذا الفعل الفريد من نوعه، مشيرة إلى أن المقاربة الأفضل هي تعريف ما يعنيه الناس عندما يتحدثون عن التسامح.

وأوضحت بيليكي أن الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى مسامحة حبيبهم السابق لها تأثير سلبي كبير على ما يشعرون به.

ففي دراسة أجرتها في العام 2010، تبين لها أن أولئك الذين يغفرون لظنهم بأن ذلك سيجعلهم يشعرون بتحسن، لا يتذوقون طعم السعادة، في حين "أن الأشخاص الذين يغفرون كهدية لحبيبهم السابق أو للبشرية، والأشخاص الذين يغفرون لمبدأ، هؤلاء هم الأشخاص الذين يشعرون بتحسن"، على حدّ قولها.

وبالمثل، في إحدى الدراسات التايوانية، وجد الباحثون أن أولئك الذين غفروا للطرف الآخر كواجب لا غير، لا يزالون يسجلون درجات أعلى في القياسات المتعلقة بالغضب، مثل ضغط الدم وتعبيرات الوجه، من أولئك الذين غفروا من حيث المبدأ الأخلاقي.

والمفارقة، بحسب كاثي بيليكي، أنه لا داعي على الإطلاق لدفن الأحقاد مع الشريك/ة السابق/ة للشفاء منه، إذ إن "تحطم القلب" هو نوع من أنواع الصدمة، خاصة في العلاقات السامة، مشددة على أنه يمكن أن ينتقل المرء من هذه الصدمة من دون الاضطرار إلى المسامحة: "للصدمة مكونان أساسيان للتعافي، الأول: أن تتغلبوا عليها من خلال مواجهتها والثاني هو الكلمات، أي التحدث للناس عن مشاعركم، وهو أمر رائع لأنكم تحصلون بذلك على دعم اجتماعي".

هذا وكشفت بيليكي أن نوع المغفرة الذي يؤدي حقاً إلى السعادة على المدى البعيد، هو مكلف ويتطلب إعلام الشريك السابق بأنكم صفحتم عنه، مضيفة بأن أفضل طريق لهذا النوع من التسامح هو وضع أنفسكم مكان الآخر، ومعرفة لماذا كان هذا الشخص من كان عليه.

أما في نهاية حديثها مع موقع فايس، تصف كاثي بيليكي ظروف امرأة فقدت عائلتها بالكامل في الإبادة الجماعية في رواندا، وخانها أفضل صديق لها، فاضطرت للاختباء في خزانة وكادت تموت من الجوع، إلا أنها وصلت بعدها إلى التسامح المطلق: "لقد كانت نشطة للغاية في الترويج لمغفرة الإبادة الجماعية. إذا كان بإمكان أي شخص أن يغفر ذلك، فإن كل شيء يمكن أن يُغفر له".

جاذبية الإحباط

على الرغم من أن الكراهية قد تتخذ من القلب مسكناً لها أو المسامحة التي قد تشق طريقها في القلب المحطم، إلا أن الحنين إلى الحبيب/ة السابق/ة بعد الانفصال هي ظاهرة شائعة، قد تتكرر لدى العديد من الأشخاص الذين يختبرون الانفصال، مع ما يحمله من ألم وحزن وحنين، قبل أن تعود أحياناً المياه إلى مجاريها بعد إنهاء العلاقة.

فقد كشفت دراسة أن حوالي ثلث المشتركين من طلاب الجامعات، أقاموا علاقات تتأرجح بين الانفصال والعودة مرات عديدة، بينما أقام نصفهم علاقات حميمة مع شركاء حياتهم السابقين بعد الانفصال.

ولكن ما الذي يدفعنا إلى إعادة "إنعاش" علاقة محكوم عليها بالفشل؟

عندما يحدث الانفصال، يميل الناس إلى الدخول في طور ما تسميه أخصائية الأعصاب في معهد كينسي، هيلين فيشر، "الاحتجاج"، بحيث يصبح الطرف المرفوض "مهووساً بفكرة استعادة حب الطرف الذي قرر إنهاء العلاقة به".

وفي دراستها، أخضعت فيشر ومجموعة من العلماء، 15 شخصاً تعرضوا للرفض مؤخراً من قبل شركاء حياتهم، لفحص الدماغ من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

وعندما نظر المشتركون إلى صور شركائهم السابقين الذين رفضوهم، لاحظ العلماء أن هناك نشاطاً في بعض الأجزاء من دماغهم المرتبطة بالمكاسب والخسائر والحنين وتنظيم المشاعر، وكذلك المناطق المرتبطة بالحب الرومانسي والتعلق العاطفي.

وتعليقاً على هذه النتائج، قالت فيشر: "بعد الرفض، لا تتوقفون عن الشعور بالحب تجاه هذا الشخص، بل قد تحبونه أكثر"، مشيرة إلى أن المنطقة المرتبطة بالإدمان من الدماغ تكون نشيطة.

بمعنى آخر، يعاني بعض العشاق الذين تم رفضهم من قبل الطرف الآخر من مستويات مرتفعة من الدوبامين، والناقل العصبي نوريبنفرين المرتبط بارتفاع مستويات التوتر والحاجة إلى طلب المساعدة، الأمر الذي يعرف بـ"جاذبية الإحباط"، وهو الذي يجعل البعض قد يذهب إلى "إيماءات درامية" لاستعطاف الطرف الذي رفضه حتى يصفح عنه.

بعد الرفض، لا تتوقفون عن الشعور بالحب تجاه هذا الشخص، بل قد تحبونه أكثر

في هذا الصدد، شبّهت هيلين فيشر القلق من الانفصال، بشعور "الجرو" الذي يتم أخذه بعيداً عن أمه ووضعه في المطبخ بمفرده: "يدور في حلقات وينبح ويئن".

وأوضحت فيشر أن الأشخاص الذين انفصلوا عن شركاء حياتهم ثم عادوا إليهم مرات عديدة، لا يزالون مدمنين كيميائياً على بعضهم البعض، لذلك لا يمكنهم الانفصال تماماً إلا بعد أن يتخلصوا من الإدمان.

بالإضافة إلى التفاعلات الكيميائية في دماغنا، يقوم بعض الناس الذين لا تموت لديهم مشاعر الحب والحنين بعد الانفصال، بإعادة إحياء علاقاتهم "المنكوبة" ومن ثم تزيد احتمالات الصفح والتغاضي عن الأخطاء، بخاصة عند الشعور بالخوف من الوحدة، أما إذا قام الشريك/ة بالانخراط في علاقة عاطفية مع شخص جديد، فإن هذا قد يساعد على محو المشاعر القديمة ويقلل من احتمالات العودة معاً مرة أخرى.

"صحيح أنكم لن تنسوا الشخص الذي قرر الانفصال عنكم، لكنكم ستمضون قدماً وتحبون شخصاً آخر"

وعن مزايا الانقطاع عن التواصل مع الشريك/ة السابق/ة، قالت فيشر لموقع بي بي سي: "إن التعافي من انكسار القلب يشبه علاج الإدمان، إذ يتطلب الأمر الابتعاد عن كل ما يذكركم بشريك الحياة السابق، والتوقف عن متابعة حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي وقطع الاتصال به".

قد تكون الطريقة الأسهل للتصالح وتسوية الخلافات، هي التحدث بصدق وبصراحة عن الأخطاء التي أدت إلى فشل العلاقة، لكن بالنسبة للأشخاص الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن إعادة "فتيل" الحب القديم، تنصح فيشر بالنظر إلى الجانب الإيجابي، موضحة أنه بعد مرحلة "الاحتجاج"، فإن الدماغ قد يمر بمرحلة استسلام/ يأس، ثم قبول وبعدها لامبالاة ونضج.

وختمت هيلين فيشر حديثها بالقول: "إنكم تشعرون بألم وقلق شديدين، ولكن في نهاية المطاف يأتي التعافي. صحيح أنكم لن تنسوا الشخص الذي قرر الانفصال عنكم، لكنكم ستمضون قدماً وتحبون شخصاً آخر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard