فلسطينيو لبنان "على هامش القانون"... الجيل الرابع بين التهجير والتوطين والانفجار

الاثنين 29 نوفمبر 202111:47 ص
Read in English:

A fourth generation of Palestinians living in Lebanon “on the fringes of the law”

سمعَت الحاجة أم محمد بلبنان، لأول مرة، حين كانت في التاسعة من عمرها، بعدما أخبرها جارهم في حيفا أن عائلته تتحدر من مدينة صور اللبنانية. فجأة، انقلبت الأمور، وأصبحت هي وعائلتها زائرة لأقارب جارهم القديم أبو علي.

تتحدث أم محمد لرصيف22 عن خروجها من فلسطين إبّان احتلال العصابات الصهيونية لوطنها عام 1948، مشياً على الأقدام، وعن هول ما عاشته. تحكي بالتفصيل وكأن ما جرى حصل البارحة وليس قبل نحو 70 عاماً.

توجهت عائلة أم محمد إلى حدود فلسطين الشمالية، على أمل أن يعودوا إلى بلدهم بعد طرد جيش الإنقاذ العربي لمَن سيصير اسمهم "إسرائيليين". هكذا ظن الجميع.

تروي أم محمد أنهم سكنوا في بيت في قلب مدينة صور، لكن والدها قرر الذهاب إلى بنت جبيل الواقعة على حدود لبنان الجنوبية، ليقرّب المسافة على طريق العودة القريبة إلى بلاده.

ولكن الأمور لم تسر كما كان يُتصوّر. ومن بنت جبيل أجبرته السلطات اللبنانية على ركوب باص ومن ثم قطار، مع لاجئين آخرين، واقتادتهم نحو الحدود السورية. لكن السلطات في دمشق رفضت دخولهم لتجد الأسرة نفسها في مخيم نهر البارد، في شمال لبنان، بالقرب من مدينة طرابلس، عام 1949.

مع تدفق الفلسطينيين الهاربين من العصابات الصهيونية، أو بالأحرى المطرودين بسبب أعمالها، أنشأ الصليب الأحمر الدولي ومؤسسة "الكويكر" الأمريكية مخيمات لاستيعابهم. وبعد عام من التهجير، تأسست وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين (الأونروا) بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وانتقلت إليها عهدة الاهتمام بالمطرودين من أرضهم، وتقديم الخدمات الإغاثية والتموينية لهم، وأصبح الفلسطينيون في لبنان لاجئون فعلياً يقيمون على قطع أرض استأجرتها الوكالة.

يشير عبد الناصر الآيي، المدير العام لـ"لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني"، وهي هيئة حكومية تأسست عام 2005 وتعنى بالسياسات العامة التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتعمل كحلقة ارتباط مركزية بين اللاجئين الفلسطينيين وبين المؤسسات الرسمية والدولية، إلى أن "هذه المرحلة كانت صعبة جداً على الدولة المضيفة باعتبار أنها نالت الاستقلال عام 1943، ومؤسساتها لم تكن جاهزة لاستضافة مئة ألف فلسطيني وتأمين الخدمات اللازمة لهم".

لم يتدفق الفلسطينون وحدهم إلى لبنان. يشير الباحث الفلسطيني في دراسات اللاجئين جابر سليمان إلى أن "عشرات آلاف اللبنانيين كانوا يعملون في فلسطين تهجروا مع الفلسطينيين، فكان العبء كبيراً".

ويتحدث سليمان لرصيف22 عن قرار الحكومة اللبنانية إقامة المخيمات في ضواحي المدن وليس في الأرياف للاستفادة من اليد العاملة الفلسطينية الماهرة، لا سيما أن عدداً كبيراً من اللاجئين كانوا يمتلكون مهارات يحتاجها لبنان، كما أن جزءاً منهم كان من ميسوري الحال ونقل معه أمواله وذهبه.

انتعشت قطاعات لبنانية كثيرة بقدوم الفلسطينيين، "لا سيما المصارف والصناعة والزراعة وحركة الاستيراد والتصدير".

ولكن بدأت سيرة التهميش. يرى سليمان أن "وضع اللاجئين في مخيمات معزولة عن المحيط اللبناني أشبه بالغيتوهات كان بداية التهميش المقصود للفلسطيني".

منحت السلطات اللبنانية الجنسية اللبنانية لآلاف الفلسطينيين المسيحيين، بحسب سليمان، في "تمييز طائفي واضح"، كما أن "المراسيم الرئاسية الخاصة لم تتوقف عن إعطاء الجنسية لبعض اللاجئين أصحاب رؤوس الأموال بغض النظر عن طائفتهم".

ماضٍ يحدد مستقبلاً

تزوجت أم محمد في الخمسينيات، وانتقلت إلى مخيم تل الزعتر، شرق بيروت. تقول إن "الحياة سارت، وصار المخيم مثل المزرعة المزروعة بأسلاك ولها بوابة يقف عليها جندي يدخل هذا ويمنع ذاك". وتضيف أن "رجل المكتب الثاني (استخبارات الجيش اللبناني) كان يعتقل ويعذّب مَن يشاء ويمنع النساء من استخدام المياه والحمامات العامة".

يتحدث سليمان عن تلك الفترة ويقول إن "لبنان عرف نظاماً بوليسياً في عهد الرئيس فؤاد شهاب، وشملت القبضة الأمنية الجميع، لكنها كانت شديدة على اللاجئين، فكان القمع والتهميش، مع أن فترة الستينيات شهدت وفرة اقتصادية بسبب تهريب ونقل أموال من دول عربية شهدت تأميماً شاملاً، استُثمرت في بنوك أو مصالح خاصة، إضافة إلى أن البرجوازية الفلسطينية اللاجئة افتتحت الكثير من المشاريع". ويشير سليمان إلى تقرير الهيئة العربية العليا بتاريخ  18 كانون الأول/ ديسمبر 1959 الذي ورد فيه نصاً أن قيمة الأرصدة التي حُوّلت لصالح الفلسطينيين في لبنان كانت "أعلى بثلاث مرات من موازنة الدولة اللبنانية أوائل الخمسينيات".

تراكم التهميش والسطوة الأمنية على المخيمات الفلسطينية، بجانب تنامي نفوذ المنظمات الفلسطينية وتنامي ميلها إلى العمل العسكري ضد إسرائيل بنفسها بعد هزيمة 1967، دفع اللاجئين إلى القيام بـ"انتفاضة" أو "هبّة" شعبية أسفرت عن توقيع "اتفاقية القاهرة"، عام 1969، بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، برعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وتنص على "حق العمل والإقامة والتنقل" للفلسطينيين المقيمين في لبنان، و"إنشاء لجان محلية من فلسطينيين في المخيمات لرعاية مصالح الفلسطينيين المقيمين فيها"، وإنشاء نقاط للكفاح الفلسطيني المسلح داخل المخيمات تتولى موضوع تنظيم وجود الأسلحة وتحديدها في المخيمات، و"السماح للفلسطينيين المقيمين في لبنان بالمشاركة في الثورة الفلسطينية"، أي بتنفيذ عمليات ضد إسرائيل انطلاقاً من جنوب لبنان.

هكذا، امتلكت منظمة التحرير الفلسطينية نفوذاً واسعاً داخل لبنان، زاد منه قدوم مجموعة كبيرة من المقاتلين المطرودين من الأردن بعد صدامهم مع الجيش الأردني في أيلول/ سبتمبر 1970.

تذكر أم محمد أن زوجها وأخاها التحقا بمعسكرات التدريب الخاصة بحركة "فتح" في منطقة العرقوب، جنوب لبنان، وتقول: "في تلك اللحظات، شعرنا بكرامة واللاجئون صاروا فدائيين".

ويوضح أمين سر فصائل منظمة التحرير في لبنان فتحي أبو العرادات لرصيف22 أن "اللاجئين عاشوا فترة صعبة قبل حضور المنظمة في لبنان فكانوا يعانون من القمع المتعمد"، مشيراً إلى أن المخيمات تحوّلت لاحقاً إلى "خزان بشري ضد الاحتلال"، و"تشارك الفلسطيني النضال مع اللبناني، لكن أطرافاً (لبنانية) يمينية وجِهات إقليمية رفضته كلياً والتداعيات كانت كبيرة".

يفكر أحمد بالهجرة ولو كانت غير شرعية، ليلتحق بشقيقه محمود في ألمانيا حيث هاجر عبر تركيا "تهريباً" قبل خمسة أعوام. يقول: "لم تعد هناك خيارات سوى الموت ببطء في لبنان أو المجازفة"

انقسم اللبنانيون بين مؤيد للعمل الفدائي الفلسطيني وبين معارض له انطلاقاً من أن أعماله تخرق السيادة اللبنانية وتعرّض لبنان لأعمال انتقامية إسرائيلية. كما نما خوف بين المسيحيين اللبنانيين من نفوذ منظمة التحرير في لبنان واتجهت الأمور نحو التوتر.

ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، صار الانقسام أوضح: اصطدمت الحركة الوطنية اللبنانية المكونة من أحزاب يسارية وقومية وحليفتها منظمة التحرير مع النظام اللبناني وما سمّي وقتها بـ"اليمين اللبناني" المكوّن من أحزاب مسيحية.

جرّ الصراع بين الطرفين المخيمات إلى مربّع الدم. وكان حصار مخيم تل الزعتر الواقع بين أحياء مسيحية ومن ثم تدميره عام 1976 إحدى النتائج. تقصّ أم محمد هذا الفصل من سيرتها مشيرة إلى أنها "كرهت اللون الأحمر من كثرة الدم". تهجرت مرّة جديدة وتوجهت إلى مخيم شاتيلا، في بيروت، حيث كان يقيم نجلها الذي كان يدرس الطب في جامعة بيروت العربية.

ولكن المصائب لحقت بها مجدداً. عام 1982 حاصرت إسرائيل بيروت الغربية ما أفضى إلى خروج مقاتلي منظمة التحرير من لبنان. تُركت المخيمات الفلسطينية بلا حماية، وفي أيلول/ سبتمبر من العام نفسه وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا المروّعة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية ومجموعات من حزب "الكتائب اللبنانية" و"جيش لبنان الجنوبي" (ميليشيا أنطوان لحد الموالية لإسرائيل) واستمرت لثلاثة أيام واستشهد فيها مئات الفلسطينيين واللبنانيين.

تقول أم محمد إنها كانت "محظوظة" لأنها لم تكن في شاتيلا وقت ارتكاب المجزرة، لأن أختها أصرّت عليها أن تنام مع أولادها عندها في مخيم برج البراجنة، إلا أنها عاشت تبعات المجزرة بمشاهدة الجثث أثناء ذهابها للبحث عن زوجها المفقود حتى وجدته عند أحد أصدقائه في منطقة الطريق الجديدة، وبخسارة بيتها الواقع عند أطراف المخيم المنكوب.

عاش اللاجئون الفلسطينيون أوضاعاً صعبة جداً بعد خروج منظمة التحرير من لبنان. "كان هناك نوع من الانتقام الإسرائيلي واللبناني من المدنيين"، يقول سليمان. ولعلّ أقصى ما واجهوه كان أثناء "حرب المخيمات" التي استمرّت ثلاثة سنوات، بين أيار/ مايو 1985 وتموز/ يوليو 1988، بين حركة فتح في المخيمات الفلسطينية في بيروت وبين "حركة أمل" المدعومة من السوريين بقيادة نبيه بري بالإضافة إلى بعض الفصائل الفلسطينية المدعومة من دمشق. أسفرت هذه المعارك عن نهاية النفوذ الفلسطيني كلياً في لبنان.

يشير الآيي إلى أن الحرب الأهلية اللبنانية وأحداثها وصراعاتها لا تزال حاضرة في ذاكرة اللبنانيين والفلسطينيين، و"على الرغم من إزالة المتاريس، إلا أن حملها ثقيل في الوعي واللاوعي عند الطرفين"، لافتاً إلى أن "العلاقة اللبنانية مع الفلسطيني بدأت بموجة تعاطف ومن ثم مرحلة حرب أهلية واتهامه بالتسبب بالحرب"، وإلى "تطبيق شروط الهزيمة على الفلسطيني" بعد نهاية الحرب الأهلية.

ويقول ممثل حركة "حماس" في لبنان، أحمد عبد الهادي، إن "معاناة الفلسطيني في لبنان وتهميشه المتعمد من الدولة اللبنانية يعود إلى التاريخ من دون النظر الى المستقبل، فالحرب الأهلية انتهت ولم تنتهِ تداعياتها".

قوانين وممارسات تهميشية

فقدَ زوج أم محمد حياته في حصار مخيم برج البراجنة، أثناء حرب المخيمات. اضطرت للانتقال إلى مخيم عين الحلوة للسكن عند ابنتها. حالياً، تتوسط أبناءها وأحفادها، في بيت من ثلاث طبقات يحتاج إلى ترميم، لكن السلطات اللبنانية تمنع إدخال مواد البناء إلى المخيمات في جنوب لبنان لأسباب أمنية، كما تقول.

تؤكد أنها "لم تعش يوماً جميلاً بعد مغادرتها حيفا، وما أتمناه أن يعيش الصغار أياماً أحسن من أيامنا".

ولكن أمنيتها تبدو غير واقعية. حفيدها أحمد متزوج ولديه ولدان، لكنه لا يعمل بشكل منتظم بعدما فقدَ عمله في معمل لتصنيع البلاستيك قبل عامين، نتيجة قرار صاحب العمل تخفيض عدد الموظفين "من دون الحصول على تعويض أو إنذار قبل الطرد التعسفي".

يؤدي استمرار واقع اللاجئين الفلسطينيين كما هو إلى انفجار مجتمعي. لذلك، فإن "مسألة الحقوق هي مصلحة لبنانية أكثر منها فلسطينية، لأنها تؤدي إلى استقرار الملف الفلسطيني وعدم انفجاره"

يشير الآيي إلى أن "معاناة الفلسطيني تبدأ بغياب الشخصية القانونية له في لبنان. فالسلطات تعترف به كلاجئ، ولكنه يفتقد شخصيته في القوانين وأمام القضاء. وهنا نكتشف استنسابية في التعاطي معه، فمرات يُعامَل كأجنبي، ومرات كفاقد للجنسية، ومرات كمواطن عربي. وبالتالي، ليس هناك أي تعامل تتضح فيه الحقوق والواجبات، لذلك يُحرم من حقوقه الإنسانية وهذا من نتائجه أن يفتقد اللاجئ الانتماء إلى لبنان وألا تتحقق له العدالة، ولديه هاجس دائم من المستقبل، فهو باختصار يعيش على هامش القانون لأن تواجده غير مرتبط بتشريع قانوني".

اشترط قانون العمل اللبناني الصادر عام 1946 على الفلسطيني الحصول على إجازة عمل، أو تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل عليه، و"هذا غير متوفر لأنه ليس لديه دولة"، يشرح سليمان مضيفاً أن "القانون تعدّل عام 2010 ليزيل البرلمان مبدأ المعاملة بالمثل ويبقي على شرط الحصول على إجازة عمل".

من جانب آخر، ينص قانون تنظيم عمل الأجانب الصادر عام 1964 في المادة التاسعة منه على أنه "يحدد وزير العمل والشؤون الاجتماعية، خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام... الأعمال والمهن التي ترى الوزارة ضرورة حصرها باللبنانيين فقط". يطال هذا الفلسطيني المقيم في لبنان، يشرح سليمان، و"عليه يُمنع على اللاجئين العمل بمهن محصورة باللبنانيين ويمكن أن تتبدل هذه المهن سنوياً وفقاً لتوجهات الوزير المكلف، لذلك لا يُعرف عدد المهن الممنوعة تحديداً على الفلسطيني، فيمكن أن تتراوح بين 38 و70 وظيفة وفقاً لاستنسابية الوزير وقراره السنوي".


كذلك، هنالك مهن، كالطب والمحاماة والصيدلة والهندسة، تحصر التشريعات ممارستها ضمن نقابات لا يمكن للفلسطيني الانتماء إليها لأن أنظمتها الداخلية تشترط أن يكون العضو لبنانياً أو حاملاً لجنسية دولة تعامل لبنان بالمثل.

يتأسف سليمان "لعدم وجود دراسات كافية لشرح الدور الفلسطيني ومساهماته في الاقتصاد اللبناني، علماً أن العامل الفلسطيني يتمتع بكفاءة ويصرف راتبه في لبنان ولا يحوّله إلى الخارج. فاللاجئ ليس عبئاً إنما عامل تنمية إذا عُرف توظيفه، وحالياً يعمل الفلسطيني في السوق السوداء بأجور متدنية من دون أي ضمان صحي واجتماعي".

يساعد أحمد خاله طبيب الأسنان في تنظيم مواعيد المرضى في عيادته في مخيّم عين الحلوة. خاله الطبيب يجسّد مشكلة أخرى يعاني منها الفلسطينيون في لبنان، فهم ممنوعون من افتتاح بعض المحال والمصالح خارج المخيمات، ومن ضمنها العيادات. يتمنى الدكتور خالد نقل عيادته الى مدينة صيدا، "فالأسعار مختلفة ويمكنني أن أعتاش من العيادة فحسب ولا أضطر للعمل عند طبيب لبناني أو في بعض المستوصفات باسم مستعار لأجني بعض المال".

الدكتور خالد، مثله مثل أطباء فلسطينين آخرين، يعمل في مؤسسات لبنانية عبر انتحال شخصية طبيب لبناني، بالاتفاق معه، ومن ثم يتقاسمان المردود المالي، وكأن الطبيب اللبناني يبيع اسمه لساعات ويربح مالاً من دون عمل.


القيود المفروضة على اللاجئ الفلسطيني تطول وتتضمن عدم قدرته على شراء بيت خارج المخيم، وإذا قام بذلك عليه تسجيله باسم شخص لبناني. فهو ممنوع من تملك بيت أو أرض باسمه خارج المخيمات.

قبل عام 2001، كان يحق له التملك ويُعامل مثل المواطن العربي، ولكن تغيّر ذلك مع صدرو القانون رقم 296 الذي يعدّل بعض مواد "قانون اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان".

يشرح سليمان أن هذا القانون الجديد أتى في سياق "مشروع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري الاقتصادي الهادف إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية بتقديم تسهيلات لشراء العقارات، ما دفع بعض الأحزاب اللبنانية إلى رفض ذلك بحجة أنه يشجع الفلسطيني على التملك، فأقرّ حرمان أي شخص لا يملك بلداً من التملك، وهذا مقصود به الفلسطيني، بحجة محاربة التوطين".

ينص القانون المذكور على أنه "لا يجوز تملك أي حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها أو لأي شخص إذا كان التملك يتعارض مع أحكام الدستور لجهة رفض التوطين". وبسببه نشأت مشاكل قانونية للعديد من الفلسطينيين الذين كانوا قد اشتروا عقارات قبل صدوره ولم يسجلوها بأسمائهم الحقيقية.

لا تقف لائحة القيود هنا. يضيف سليمان أن "الفلسطيني في لبنان يتعرض لممارسات عنصرية من دون قانون يحكم ذلك، مثل حقه في التنقل بأريحيه فحواجز الجيش اللبناني موجودة عند مداخل غالبية المخيمات، وخارج المخيمات هو عرضة للاشتباه به أمنياً وفقاً لتنميط الفلسطيني ولا يستفيد من المعونة القضائية التي تُمنح للبناني الذي يعجز عن تحمل تكاليف المحاماة والتقاضي، ومُعرض لمنعه من السفر بسبب التقلبات السياسية"، كما جرى مع قرار أصدره وزير الداخلية عام 1994 (ألغي عام 1998) وقضى بمنع الفلسطينيين الحاصلين على وثائق سفر لبنانية من العودة بعد أن ألغت الحكومة الليبية عقود عملهم وطردتهم لأسباب سياسية، ونص على منع اللاجئين الفلسطينيين من دخول أو مغادرة الحدود اللبنانية بدون إذن خاص رغم حيازتهم على وثائق سفر صادرة عن الأمن العام اللبناني.

ويتحدث سليمان أيضاً عن تمييز يطال الطلاب الفلسطينيين في الجامعات والمعاهد التي تتطلب امتحانات دخول، فـ"غالبيتها لا تقبلهم بتاتاً، وإنْ نجحوا، بسبب المحاصصة الحزبية اللبنانية فيها".

كما يشير إلى أن "المستشفيات الحكومية لا تستقبل المرضى الفلسطينيين إلا بتعاقد مسبق مع وكالة الأونروا وهذا نادراً ما يحصل".

السلاح مقابل الحقوق؟

تُقدّر أعداد الفلسطينيين الذين نزحوا إلى لبنان قبيل عام 1948 وحتى عام 1950 بما بين 110 و130 ألف لاجئ. أما اليوم، فلا يُعرف عددهم. ففي حين يشير "التقرير الاستراتيجي الفلسطيني" الذي يعدّه "مركز الزيتونة" إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا في بداية عام 2019 يبلغ نحو 534 ألفاً، كان تقرير "التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان 2017" الذي أعدّته لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بالتعاون والشراكة مع الإحصاء الفلسطيني وإدارة الاحصاء المركزي اللبنانية، قد أشار إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات بلغ نحو 175 ألف شخص.

يشكل هذا التضارب في الأرقام إشكاليات متعددة لا سيما مع لجوء مئة ألف فلسطيني من سوريا، بعد عام 2011، ما يزال نحو 25 ألفاً منهم في لبنان، ولم يتمكنوا من الهجرة أو العودة إلى مخيماتهم ومنازلهم في سوريا، إما بسبب دمارها أو بسبب معوقات قانونية أو أمنية.

هذه الأعداد الموزعة على 12 مخيماً و156 تجمعاً في المناطق اللبنانية، جعلت "بيئة المخيمات جاذبة للخروج عن القانون، ففيها تفلت سلاح وانتشار للمخدرات لأن القوانين اللبنانية لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الفلسطينية لا بل تشجع على خرقها"، حسب الآيي.

ويعيد عبد الهادي "أسباب الواقع الأمني والمجتمعي في المخيمات إلى ارتفاع نسب البطالة والفقر لأكثر من 80%، وعدم قيام الأونروا بمهامها الإغاثية وتقديمها للخدمات، وهكذا بيئة قابلة للاختراق بالإرهاب والمخدرات".

ولذلك، عملت "هيئة العمل الفلسطيني المشترك" التي تضم الفصائل والقوى الفلسطينية باختلاف توجهاتها، على تشكيل لجان أمنية مشتركة في المخيمات، وهي على تنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، و"استطاع الفلسطينيون تجنيب المخيمات أي استغلال في الأوساط اللبنانية أو أثناء الحرب السورية، فهم على الحياد ولا يتدخلون أبداً في الشأن اللبناني" كما يؤكد أبو العرادات.

ويعود تاريخ إدارة الاجئين الفلسطينيين لمخيماتهم بشكل مستقل إلى عام 1969 وإلى اتفاقية القاهرة ونصها على إنشاء لجان لرعاية مصالح المقيمين فيها، وهي ما يعرف بـ"اللجان الشعبية". ورغم إلغاء الاتفاقية المذكورة عام 1987، لم تدخل الدولة اللبنانية إلى المخيمات وتستمر في التعامل مع هذه اللجان بوصفها نوعاً من "سلطات أمر واقع".

يعتبر عبد الهادي أن العلاقة اللبنانية الفلسطينية "قائمة على تعاطٍ أمني لا أكثر، بينما يريد الفلسطينيون أن تكون شاملة، واستبشروا خيراً عند تأسيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني وتأملوا تجاوز التعامل الأمني وبناء علاقات سياسية واقتصادية، لكن هذا لم يحدث".

في المقابل، يلفت الآيي إلى أن "اللجنة هي استشارية وليست تنفيذية، وتعمل في ملف شائك وحساس، واستطاعت خرق الجمود والعمل على بعض القوانين وساعدت في إعادة إعمار مخيم نهر البارد" الذي تدمر عام 2007 بعد معارك الجيش اللبناني مع تنظيم فتح الإسلام، كما استطاعت "تقديم مشاريع إنمائية في المخيمات بتمويل مؤسسات ودول صديقة للبنان وفلسطين".

يربط أبو العرادات إنشاء اللجنة "بمسار اتخذته القيادة الفلسطينية عام 2005، بالتواصل مع الحكومة اللبنانية والانفتاح الكبير الذي أدى إلى ‘إعلان فلسطين في لبنان’ عام 2008 والاعتذار عن أخطاء الماضي والمراجعة والمكاشفة العلنية، وافتتاح سفارة دولة فلسطين في لبنان، ما يعني أن العلاقات أصبحت بين دولتين".

ويُرجع الآيي "عدم تحقيق اللجنة لاختراق كبير إلى ظروف لبنان المعقدة سياسياً بعد استقالات حكومات متلاحقة"، ويقول: "نعتبر اللجنة نقطة الارتكاز بين فلسطين ولبنان ونحاول مأسسة الملف الفلسطيني في الدولة اللبنانية لكن التجاذبات الحزبية اللبنانية تمنع ذلك، خصوصاً وأن الأحزاب في البرلمان منقسمة إلى اتجاهين: الأول يرفض الفلسطيني كلياً والثاني يتعاطف مع الفلسطيني لكن غير مستعد لطرح الملف على الطاولة لأسباب داخلية".

من جانبه ينتقد عبد الهادي عدم وجود أعضاء فلسطينيين في اللجنة، ويطالب بإنشاء وزارة خاصة باللاجئين الفلسطينيين تكون تنفيذية وليس الإبقاء على لجنة عملها استشاري فقط، ويعتبر أن "الخلفية الأساسية لرفض بعض اللبنانيين إعطاء الحقوق للفلسطينيين عنصرية طائفية لا أكثر، وبعض الأطراف اللبنانية قالتها صراحة: ‘حلّوا عنا’".

عام 2018، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إن "الفلسطينيين تحت القانون اللبناني ولا مشكلة بتسليم السلاح للدولة ودخول الجيش المخيمات". وبرأي الآيي، "تسليم السلاح سيساعد في فكفكة الملف"، رغم أنه يتفق مع أبو العرادات على أن ملف الحقوق مسألة منفصلة عن ملف السلاح ولا ربط بينهما.

التهجير أو التوطين

يفكر أحمد بالهجرة ولو كانت غير شرعية، ليلتحق بشقيقه محمود في ألمانيا حيث هاجر عبر تركيا "تهريباً" قبل خمسة أعوام. يقول: "لم تعد هناك خيارات سوى الموت ببطء في لبنان أو المجازفة".

يشير إلى أن "محمود تخرج من جامعة لبنانية خاصة باختصاص إدارة أعمال، وبقي بلا عمل لمدة ثلاثة أعوام. فجمعنا له خمسة آلاف دولار ليهاجر والآن هو يحوّل لنا المال ليعيلنا".

ليس محمود وحدة مَن هاجر بطريقة غير شرعية. البعض وصل وآخرون عادوا. ولا توجد أرقام واضحة حول "الطيور المهاجرة"، كما يصفهم أبو العرادات، لكن "هناك حملات مشبوهة نظمها بعض المأجورين للمطالبة بالتهجير بمساعدة بعض السفارات وترافق ذلك مع إعلان (الرئيس الأمريكي السابق) دونالد ترامب لصفقة القرن".

الحديث عن هجرة اللاجئين الفلسطينيين من لبنان وأثر تشتتهم حول العالم على القضية الفلسطينية لم يتوقف يوماً. يتحدث عبد الهادي عن "مخطط لتهجير اللاجئين وتوطين الباقيين عبر استغلال الظروف"، ويقول: "حسب معلوماتنا هناك دول جاهزة لاستيعاب العدد، وذلك لإبعادهم عن فلسطين ويتزامن ذلك مع حملات شطب حق العودة وتغيير صفة اللاجئ".

كذلك الأمر بالنسبة إلى فكرة توطينهم في لبنان. هي حاضرة دائماً في خطابات سياسية لبنانية تتحدث عن خطر التغيير الديموغرافي وفي خطابات فلسطينية تتحدث عن ضرب "حق العودة". ولكن، "كلها حجج واهية لمنع الحقوق الإنسانية عن اللاجئين"، بحسب سليمان.

في السنتين الأخيرتين، فاقم انتشار فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية التي تعصف في لبنان من معاناة اللاجئين، وعرقلت الأحداث السياسية التي أعقبت انتفاضة تشرين 2019 كل عمل على حلحلة المشاكل القائمة.

يشير الآيي إلى أن "التغير في النظرة إلى إعطاء الحقوق للاجئ الفلسطيني يحتاج إلى لحظة تقاطع داخلي وخارجي لحلحلة الملف المزمن".

ويُحمّل "الدول الغربية التي ساعدت بنكبة فلسطين وحالياً لا تساعدهم في الأزمات المعيشية، المسؤولية عن أوضاعهم، وكأنها تطالب بتشتيتهم في دول مختلفة عبر الهجرة والتهجير".

في ظل كل هذا، لا تستبعد أوساط لبنانية وفلسطينية أن يؤدي استمرار الواقع الفلسطيني كما هو إلى انفجار مجتمعي، لذلك، يقول الآيي إن "مسألة الحقوق هي مصلحة لبنانية أكثر منها فلسطينية، لأنها تؤدي إلى استقرار الملف الفلسطيني وعدم انفجاره".

تتنوّع المشاكل وتتعدد التحليلات، ويبقى الفلسطينيون "ورقة بيلعبوا فيها الأجانب والعرب"، كما تقول الحاجة أم محمد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard