شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
العالم السفلي للقاهرة و"كابتن هول" الكلب... مذكرات أشهر ضابط إنكليزي في البوليس المصري

العالم السفلي للقاهرة و"كابتن هول" الكلب... مذكرات أشهر ضابط إنكليزي في البوليس المصري

ثقافة

الأحد 27 مارس 202205:25 م
Read in English:

Cairo’s dark underworld in the words of British Police Commissioner Thomas Russell

كوثيقة اجتماعية وأمنية كاشفة لأحوال المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين، جاءت مذكرات "توماس راسل" أحد أشهر الضباط الإنكليز في البوليس المصري، خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر، وبعد 70 عاماً من صدور مذكرات راسل في لندن، صدرت النسخة العربية منها عن دار الرواق للنشر بالقاهرة، بترجمة الكاتب الصحفي والروائي مصطفى عبيد، بعد أن حصل على النسخة الأصلية منها، عبر متجر الكتب الإلكتروني "أمازون".

في ذلك الزمن، كانت بريطانيا تُشرف على أداء الوزارات والهيئات المصرية، من خلال نظام المفتشين الإنكليز، الذين كانوا يقومون بدور رقابي، لتثبيت نظم الإدارة البريطانية، كبذور استعمارية في قلب القطاعات الحيوية المصرية، وكان بيرثي ماتشيل– ابن عم راسل- مفتشاً بوزارة الداخلية المصرية، وبتحفيز منه، جاء توماس راسل ليعمل ضابطاً في البوليس المصري عام 1902.

بدأ راسل رحلة عمله في مصر، كمتدرب مع "خفر السواحل" في المكس غرب الإسكندرية، وكان العمل الرئيس لخفر السواحل يتمثل في منع تهريب المخدرات إلى القرى والمدن المصرية.

وفي كانون الثاني/يناير عام 1903، حين كان راسل في الـ24 من عمره، تولى منصب نائب مفتش في محافظة البحيرة، ومنها تنقل إلى عدة محافظات بالدلتا، حتى صار مفتشاً في الصعيد عام 1908. وفي عام 1911 صار نائباً لحكمدار الإسكندرية، ثم نائباً لحكمدار القاهرة، حتى وصل إلى منصب حكمدار القاهرة عام 1918، وظل به حتى خروجه من الخدمة عام 1946.

رغم سيطرة النزعة الاستعمارية المتغطرسة لـراسل في بعض الأجزاء من المذكرات، إلا أنها تُعد شهادة حيادية وموضوعية في جانب كبير منها

تكمن أهمية مذكرات توماس راسل التي صدرت في لندن عام 194، في كونها وثيقة نادرة، تكشف جوانب مجهولة ومعتمة في الحياة الاجتماعية للمصريين، في فترة شهدت الكثير من التقلبات والتغييرات في أحوال وسمات المجتمع. ورغم سيطرة النزعة الاستعمارية المتغطرسة لـراسل في بعض الأجزاء من المذكرات، إلا أنها تُعد شهادة حيادية وموضوعية في جانب كبير منها، تكشف خفايا عوالم الجريمة والمخدرات والدعارة والقمار وقطاع الطرق.

وعلى جانب آخر، هي رحلة ساحرة في صحاري مصر، التي تجول فيها راسل كسائح وصياد ماهر، للطيور والحيوانات البرية، أقام خلالها صداقات قوية مع شخصيات بدوية وعربية، يعملون كمرشدين وقصاصي أثر في الصحراء.

جرائم الأجانب في ظل الامتيازات

كانت مؤسسة الشرطة المصرية تُدار وفقاً للنظام المتبع منذ عهد نابليون، وهو أن تحديد التُهم للمتهم يتم من خلال النيابة التابعة لوزارة العدل، وهذا النظام، وفقاً لراسل، كان له الكثير من السلبيات، غير أن العائق الحقيقي أمام عمل الشرطة المصرية، كان يتمثل في نظام الامتيازات الأجنبية الذي يعود إلى القرن التاسع الميلادي، وبموجبه كان يصعب السيطرة على جرائم الأوروبيين الذين يعيشون في مصر، حيث لم يكن من المُتاح محاكمتهم بالقانون المصري، وكانوا دائماً ما يحتمون بمحاكمهم القنصلية.

يقول راسل: "لم يكن من المُتاح دخول أي منزل يخص أجنبياً من دون تصريح رسمي من القنصل الخاص به. وهكذا لم يكن غريباً أن تزدهر جرائم الأجانب في ظل الامتيازات، وكان البوليس يشعر بالحسرة عند فك قيود المجرمين الأجانب".

جريمة قتل كل ثلاث ساعات

وبإحصائية رسمية يفتتح راسل توثيقه لعالم الجريمة في مصر، وتكشف الأرقام أن القتل كان الجريمة الأكثر انتشاراً في الريف، وأن 80% منها كان بسبب الثأر، و18% بغرض السرقة؛ فكانت هناك جريمة قتل تحدث كل ثلاث ساعات في الريف، حتى صار القتل أمراً شائعاً ولم يكن يلفت انتباه الفلاحين، الذين –بحسب راسل- كانوا يتحولون إلى قتلة في لمح البصر، رغم ملامحهم المسالمة الهادئة وإحساسهم العظيم بالفكاهة.

وبجانب القتل، كان "السطو" يُمثل ظاهرة عامة في مختلف أنحاء البلاد، وتحديداً في الوجه القبلي، وكانت عمليات السطو تتم من خلال عصابات، يرأسها في الغالب "أنصاف السودانيين"، واستمرت هذه العصابات في ترويع المواطنين، حتى تم التخلص منها عبر فرق "الهجانة" التي أسسها راسل في عام 1906، وتكونت من رجال سودانيين اتسموا بالقسوة والقوة.

بإحصائية رسمية يفتتح راسل توثيقه لعالم الجريمة في مصر، وتكشف الأرقام أن القتل كان الجريمة الأكثر انتشاراً في الريف

ويُشير راسل عبر عدة فصول وثق خلالها جوانبَ من الحياة الاجتماعية للفلاحين والصعايدة، أن القانون الرسمي الذي يُنظم العلاقة بين الأفراد والدولة كان هامشياً، في مقابل القانون الآخر غير الرسمي (الاجتماعي) الذي وضعه وشكله الفلاحون والعرب، وفقاً للعادات والتقاليد والأعراف السائدة.

ويؤكد راسل أن هذا القانون الأخير، كان هو السائد والحاكم بين الناس، على عكس المدن التي كانت تخضع للقوانين الحكومية الرسمية، كما يرصد مظاهر الفقر المدقع الذي عاش فيه الفلاحون، "وكيف لأسرة كاملة أن تعيش على دخل يومي لا يتجاوز بضعة قروش، لتوفر لهم بالكاد خبزاً مصنوعاً من الذرة"، ويُشير إلى انهيار مستوى صحة الفلاح، وهو الأمر الذي تمثل في انتشار مرضين خطيرين هما: البلهارسيا والأنكلستوما، وبعد أن كانت البلهارسيا محصورة في منطقة الدلتا فقط، انتقلت إلى الصعيد، بعد تغير نظام الري من "الحياض" إلى "الري الدائم".

ورأى راسل أن تعاطي الفلاحين للمخدرات، في ذلك الزمن، جاء كنتيجة مباشرة لانتشار هذه الأمراض المضعفة الخطيرة، ومن ثم كانت حاجتهم ماسة "للمنبهات" لكي تقوي من عزيمتهم وقدراتهم.

قصاصو الأثر والكلاب البوليسية

ويستعرض راسل في مذكراته، الطرق المتنوعة التي كانوا يستخدمونها في تتتبع المجرمين، وكان أشهرها "قص الأثر"، وهي مهارة تميز بها البدو وسكان الصحراء عن غيرهم من المصريين، فعن طريق "قصاص الأثر" يمكن تتبع خطى المجرمين، بل وتحديد أعمارهم وأوزانهم، ونوع صاحب الأثر، حتى وإن كان السطح صلباً.

أما الكلاب البوليسية، فيفرد لها راسل فصلاً كاملاً، يحكي فيها قصصاً عجيبة عن قدرات الكلب "هول"، الذي ساعد الشرطة في الكشف عن 170 جريمة. و"كابتن هول" كما كان يُطلق عليه، كان اكتشافاً استثنائياً لضابط شاب مصري يُدعى ألفي، قضى كثيراً من سنوات دراسته متخصصاً في أعمال الكلاب.

وكان هول يتميز بالذكاء الشديد، وكانت لديه قدرات رائعة على تتبع رائحة لعدة أيام، ومن أهم الجرائم التي كشفها هول، وكانت تخص راسل، هي نجاح هول في اكتشاف ثلاثة من العرب، قاموا بقتل "جودة"، وهو مساعد الصيد الذي كان يعمل مع راسل في بعض رحلات الصيد.

يقول الحكمدار: "لقد كان مجرد ظهور هول في الكثير من القضايا وسيره على مسرح الجريمة، سبباً مباشراً في قيام الشخص المذنب بالمسارعة بالاعتراف بالجريمة قبل أن يكشف عنه الكلب. وكان هول هو الموظف الأشهر لدى البوليس في البلد، وكان له جمهور كبير يضم المئات، يتجمعون لمشاهدة اكتشافه المجرمين المثيرين للخوف الذين يستأسدون على الناس".

النفوذ العجيب لـإبراهيم الغربي

هنا يكشف راسل تفاصيل عالم الدعارة والبغاء والقمار والإتجار بالبشر، وقد تركزت الدعارة، في مكانين هما "وش البركة" بشارع كلوت بك، وكانت في ما مضى تُمثل الحي الأوروبي بفنادقه وقناصله، قبل أن تصبح حياً تسكنه النساء الأوروبيات الحاصلات على رخصة ممارسة البغاء. أما "الوسعة" فكانت الحي المرخص رسمياً وتسكنه المصريات والنوبيات والسودانيات.

ويحكي راسل عن شخص يُدعى إبراهيم الغربي، وكان هو المتحكم والمسيطر على منطقة "الوسعة"، بنسائها و"قواديها"، وعبر التحريات والمراقبة المشددة له، توصل توماس راسل إلى أن النفوذ العجيب الذي كان يتمتع به إبراهيم الغربي في مصر: "كان لهذا الرجل نفوذ عجيب في هذا البلد، وذلك النفوذ لم يقتصر فقط على عالم البغاء، إنما تعداه إلى السياسة ومجتمع الصفوة. لقد كان شراء النساء وبيعهن كسلعة في القاهرة وباقي المحافظات لا يتم من دون إذن هذا الغربي".

وبقرار من "هارفي باشا" مدير شرطة القاهرة في ذلك الوقت، وبمساعدة نائبه توماس راسل، قامت الشرطة بحملة موسعة "لتنظيف هذه المناطق المتخمة بالعاهرات والمخنثين". وإثر ذلك، تم احتجاز نحو مائة فتاة خلال ليلتين في معسكر إيواء في الحلمية، وكان معهم إبراهيم الغربي، الذي قضى عاماً في معسكر الحلمية، ثم عاد إلى بلدته "وادي العرب" بأسوان، ليعود إلى السجن مره أخرى، بسبب أعماله الإجرامية، ويُحكم عليه بالسجن لخمس سنوات، ثم يموت في الحبس.

وكانت الامتيازات الأجنبية، تقف كعائق كبير أمام راسل عند التعامل مع دور البغاء غير المرخصة التي يمتلكها الأجانب، فالشرطة لم يكن في إمكانها دخول بيت أجنبي من دون إذن وحضور القنصل الخاص بذلك الأجنبي. ومن ثم واجه راسل صعوبات كبيرة حتى تمكن في النهاية من اقتحام بيوت البغاء الخاصة بالأجانب، وكذلك واجه نفس الصعوبات في اقتحام إحدى صالات القمار الكبيرة في شارع عماد الدين، حيث كان صاحبها على اتصال مباشر بقنصل بلاده.

أما القبض على اليهودي "مورتز سبيجل" تاجر الرقيق الأبيض، والحكم عليه بالسجن مدى الحياة بعد ارتكابه لجريمة قتل، وهروبه لمكسيكو سيتي، فكان –بحسب راسل- "ضربة موجعة لسوق تجارة الرقيق في مصر؛ حيث عرفوا أنه يُمكن القبض على القاتل بعد سبعة أشهر والإتيان به من مسافة بعيدة مثل مكسيكو سيتي".

المخدرات والملاريا وعام الهلاك

ويفرد راسل في مذكراته ثلاثة فصول، يحكي خلالها عن رحلة المخدرات في مصر، وطرق تهريبها، والمغامرات التي قام بها للقبض على التجار والمهربين، وقد حقق راسل نجاحاً كبيراً في هذه القضية، عبر تأسيسه لمكتب مركزي لاستخبارات المخدرات، وهو ما يُعرف الآن بـ"مكتب مكافحة المخدرات".

يحكي راسل أن الظهور الأول للكوكايين والهيروين في القاهرة، كان في عام 1916، على يد كيميائي قاهري، وكانت العقوبة في ذلك الوقت للتجار والمهربين، لا تتجاوز الغرامة بجنيه واحد أو السجن لمدة أسبوع

يحكي راسل أن الظهور الأول للكوكايين والهيروين في القاهرة، كان في عام 1916، على يد كيميائي قاهري، وكانت العقوبة في ذلك الوقت للتجار والمهربين، لا تتجاوز الغرامة بجنيه واحد أو السجن لمدة أسبوع، حتى انتشر المخدر الأبيض بشكل مرعب في جميع أنحاء البلاد، وإثر ذلك رُفعت العقوبة إلى الحبس عاماً والغرامة 100 جنيه.

وفي عام 1928 أصبحت الأحياء الفقيرة بالقاهرة، وتحديداً "بولاق"، مناطق موبوءة، حيث صار الحقن الوريدي للهيروين طريقة شائعة بين المتعاطين، ونتيجة لذلك انتشر وباء الملاريا في بولاق وأصبحت المنطقة ممتلئة بالجثث.

يوضح راسل: "أثبتت التحقيقات أن مرض الملاريا بدأ وانتشر بسبب إبر وسرنجات حقن المخدر التي كانت تُستخدم من قبل في علاج الملاريا. لقد كانت عدوى الملاريا تُقدم كجرعة قوية عند غرس إبر السرنجات في أجساد المدمنين".

وعلى إثر ما حدث في هذه المناطق، تم رفع العقوبة إلى السجن خمس سنوات، والغرامة ألف جنية. وكان عام 1929 هو عام الهلاك في مصر، حيث كشفت إحصائية رسمية أن نصف سكان مصر، يتعاطون الهيروين. يقول راسل نصاً: "عندما أجريت إحصاءات لعدد المتعاطين خلصت إلى أنه من بين 14 مليون شخص، عدد سكان البلاد في ذلك الوقت، كان نصفهم على الأقل عبيداً لهذا المخدر. ورأيت أن هذا الأمر يستحق عملاً، وأن ذلك يتطلب دعم رئيس الوزراء، وبعد محادثات هادفة مع رئيس الوزراء تم قبول طلبي بتشكيل مكتب مركزي لاستخبارات المخدرات".

تولى توماس راسل منصب حكمدار القاهرة، في فترة زمنية مهمة (1918)، حيث كانت ثورة 1919 على الأعتاب، ورغم أنه كان شاهداً وفاعلاً في هذه الأحداث والانتفاضات والمظاهرات، بصفته رئيساً للشرطة في ذلك الوقت، إلا أن شهادته على ثورة 1919، جاءت على مضض، كما أنه تعامل معها من وجهة نظر استعمارية، حيث حكى بحسرة عن الضحايا من الموظفين والجنود الأجانب، ولم يُشر إلى الشهداء المصريين.

وكان راسل يتلذذ باختباره للضحايا المصريين، حتى يتأكد من أنهم موتى، فكان يمرر سيجارته المشتعلة إلى أياديهم حتى يتسنى له كشف الحقيقة. ورغم هذه الغطرسة الإنكليزية إلا أن مذكرات راسل، تعد وثيقة مهمة ونادرة لنصف قرن من التاريخ المصري.

Website by WhiteBeard