"يمكنك أن تتوقع انجذابي للنساء المختمرات"... رسائل صوفيا لين من مصر

الأحد 20 فبراير 202204:40 م

في ثلاثين رسالة، موجهة إلى صديق مجهول، رصدت المستشرقة الإنكليزية "صوفيا لين"، التفاصيل الكاملة للحياة الاجتماعية في مصر، في الفترة من 1842- 1844، حيث جاءت صوفيا إلى مصر، في منتصف القرن التاسع عشر، بصحبة شقيقها المستشرق وعالم اللغويات الشهير إدوارد ويليام لين، الذي وضع تحت تصرفها مجموعة ضخمة من يومياته غير المنشورة في القاهرة، للاستفادة منها أثناء الكتابة، وكذلك ساعدها في الاقتراب من العالم الخفي لسيدات الطبقة العليا، المسمى بالحرملك. وحديثاً صدرت ترجمة جديدة لرسائل صوفيا عن دار الرواق للنشر، بعنوان "سيدة إنجليزية في مصر".

لم تبتعد المستشرقة الإنكليزية، عن القضايا التي جذبت وشغلت عقول المستشرقين في رحلاتهم إلى الشرق، وهي تلك القضايا المتمركزة حول الدين، والمرأة، فرغم الزخم التاريخي والمعلوماتي الخاص بتاريخ بناء القاهرة، وأسوارها، ومعالمها، في رسائل صوفيا إلا أن وضعية المرأة الشرقية، والإسلام والعالم المثير للحرملك، هي الموضوعات الأبرز التي أثارت دهشة وحيرة السيدة الإنكليزية.

الفقر وطبيعة العربي الخاضعة

في الإسكندرية –المحطة الأولى للكاتبة-، رصدت صوفيا الفروقات الحادة بين عادات الطبقات العليا، والطبقة الدنيا، وكذلك بين الحي العربي والآخر الأوروبي، ولم تخف تأثرها بالعدد الكبير من المكفوفين الذين يعبرون الشوارع بصحبة الصبية الصغار، وبإسهاب، وصفت أبناء الفقراء، والشحاذين المحتشدين في الأزقة والطرقات، لكنها أرجعت قضية الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية إلى طبيعة العربي الخاضعة "أجد شبهاً كبيراً بين طبيعة العرب وجِمالهم، لكن الجِمال تعترض أحياناً إذا حاول صاحبها تحميلها بأكثر مما تستطيع، وفي بعض الأحيان قد لا تنهض عن الأرض حتى يُخفف عنها الأحمال، أما العرب فلا يُبالون بما يوضع من أحمال فوق عاتقهم كأنهم شاحنات، أو عربات نقل".

"أجد شبهاً كبيراً بين طبيعة العرب وجِمالهم، لكن الجِمال تعترض أحياناً إذا حاول صاحبها تحميلها بأكثر مما تستطيع... أما العرب فلا يُبالون بما يوضع من أحمال فوق عاتقهم كأنهم شاحنات، أو عربات نقل"

ومن بين سمات الملابس المميزة والملامح والوجوه، لم يجذب صوفيا سوى "المظهر المميز للبدوي الغربي الجسور يرفل في سترته الصوفية، أو عباءته ذات القلنسوة المنسدلة على ظهره، كما لو كان يستعد لشتاء روسيا"، فيما شعرت بالكآبة حين شاهدت النساء المختمرات، تقول لصديقها: يمكنك أن تتوقع انجذابي للنساء المختمرات. رغم أن مظهرهن الكئيب لا يوحي بأي إثارة، فإن لديهن عيوناً جميلة واسعة ومآقي سوداء، لا يُميزها فقط رسمتها الخلابة بالوراثة، بل ويضيف الكُحل المزيد من السحر للوجه المغطى بالنقاب".

التعويذة السوداء

من الإسكندرية، رحلت صوفيا لين إلى القاهرة، على ظهر مركب في رحلة استغرقت ثلاثة أيام، مرت خلالها على العديد من المدن والقرى، ومنها فوة، مطوبس، شبراخيت، وسايس، مروراً بكفر الزيات، وقرية نادر، حتى وصلت إلى بولاق، وكان الشعور الأول الذي استحوذ على صوفيا وهي تسير في شوارع القاهرة، أن هذه المدينة ظلت مهجورة لسنوات طويلة، وحين عاد إليها أهلها، لم يمكنهم بسبب الفقر وأشياء أخرى، تصليح ما طالها من خراب: "لم أرَ في حياتي هذا العدد من بيوت العنكبوت على الكوات والنوافذ في هذا الظلام الدامس الكئيب؛ مما يجعلني أفكر في الحالة التي يعيش عليها هؤلاء السكان".

الخرافات ستحيط بحياة صوفيا في مسكنها الأول بالقاهرة، فحارس المنزل، والخادمات، يؤكدون لها أن ثمة عفريتاً، يتجول ليلاً في أرجاء البيت، وحين يلمحه أحدهم، يتخفى على الفور في شيء آخر، ومن ثم يفشلون في القبض عليه. وحول هذا العفريت كانت هناك الكثير من القصص الطريفة، والخدع التي ابتكرها الخدم، لكي يدفعوا السيدة الإنكليزية وأخيها وزوجته، إلى الرحيل عن هذا المنزل المسكون، ومن بين الخدع التي أثارت إعجاب طفلي صوفيا، هي "قطع الفحم" التي وضعها الخدم على عتبات غرف نومهم، وهذا الفحم، يقوم –وفقاً للتفسير الشعبي- بدور "التعويذة السوداء" التي عن طريقها تَسود وجوه هؤلاء الإنكليز، الذين لا يصدقون الخرافات ولا يخشون العفاريت.

الخرافات ستحيط بحياة صوفيا في مسكنها الأول بالقاهرة، فحارس المنزل، والخادمات، يؤكدون لها أن ثمة عفريتاً، يتجول ليلاً في أرجاء البيت

أما أشد ما أتعس صوفيا لين من هذه الأحداث، فهو رحيل "أمينة" التي كانت أفضل خادمة لديها، وهنا أشارت لين إلى صفات الخدم من الجنسين حيث قالت في رسالتها الرابعة: "الخدم من الرجال متميزون، وعادة ما يرتبطون كثيراً بسادتهم، أما الخادمات، فلا أعرف حقاً كيف أصفهن. أعتقد بشدة أنهن نادراً ما يستحممن، إلا حين يزرن الحمام، وهذا يحدث مرة كل عشرة أيام وربما أسبوعين. لو حافظت هذه النساء على طقوسهن الدينية سينعمن بالنظافة الكافية؛ لأن قواعد دينهم تطلب منهم التطهر بشكل مستمر، لكن الدين شبه معدوم بين الطبقات الدنيا من النساء".

في خدمة الرب

لم تخل رسالة لـصوفيا من الإشارة أو الحديث عن المسألة الدينية، وطقوس المسلمين، وممارساتهم الدينية، مثل الصلاة، والصوم، والآذان، وكذلك العبارات والجمل البسيطة، التي دائماً ما تكون على لسان المسلمين مثل: الله أكبر، والصلاة على النبي، وهي في وصفها لهذه الأجواء الدينية الإسلامية، تُبدي تهكماً وسخرية حيناً، وإعجاباً في أحيان أخرى، وعلى الجانب الآخر، تُعلي من شأن ديانتها المسيحية، في مقارنتها بالديانة الإسلامية، رغم ذلك لا يُمكننا وصف صوفيا بالتطرف، بل يمكننا القول إن رؤيتها السطحية، لهذه الطقوس، حجبت عنها الجوهر، ومن ثم فهي مثلاً لا يمكنها تقدير أهمية الإشباع الروحي الذي يصل إليه (بعض) المسلمين جراء هذه الممارسات والشعائر التي تراهم ينهمكون ويكدون في أدائها.

تقول صوفيا: "خليط من الإعجاب والشفقة يُساورني حين أفكر في هؤلاء الرفاق من جنس البشر الكادين في خدمة الرب، ولكن من منظور خطأ". وفي رسالة أخرى كرستها للحديث عن طقوس شهر رمضان، تُعبر صوفيا عن إحساسها بالشفقة تجاه الملتزمين بفريضة الصوم في طقس شديد الحرارة: "كيف يلتزم هؤلاء بالقانون الإلهي ويمنعون أنفسهم عن تناول أي شيء، حتى لو رشفة ماء، من انبلاج الفجر، وحتى الغروب. أشعر أنهم جديرون بالشفقة أكثر من أي شعور آخر، لأن نور الإنجيل مرّ من أرضهم ولكن كيف حجبوا هذا النور!... إنه التعنت".

زنازين النساء وثوب الطاعون

رغم هذه الانتقادات لممارسات وشعائر المسلمين من جانب صوفيا، إلا أن المساجد والمآذن، كانت أكثر المعالم التي حازت على إعجابها ودهشتها، وعبر صديق مسلم لشقيقها، استطاعت صوفيا التجول داخل المساجد -متخفية في زي النساء المحليات-، وهو الأمر الذي لم يكن متاحاً أمام المسيحيين في ذلك الزمن، وكان "مسجد الحسين" هو أول المساجد التي زارتها صوفيا لين بالقاهرة، وهناك كانت تتأمل الزوار وهم يطوفون حول القبر عكس عقارب الساعة، ويتلون بصوت خفيض الفاتحة؛ "بدا الورع على العديد من الزائرين، وانكبت امرأة على تقبيل الضريح بتفانٍ يُثير الانتباه، وأشعرني بغصة عجيبة؛ ذلك لأنني لا أستطيع التفكير في ضريح الحسين دون أن أتذكر، وأتأثر بحق، بالتاريخ المثير للشفقة لهذا الرجل المحبوب، والذي اتسمت طبائعه بأقصى درجات الفضيلة المسيحية".

بعد الحسين، زارت صوفيا الجامع الأزهر، وهو أكثر المساجد بل المعالم التي جذبت انتباهها في القاهرة. رحلة صوفيا داخل مساجد القاهرة، لم تخل من الحزن والأسى، وذلك حين زارت قبر ومسجد ومستشفى السلطان قلاوون، جميعها في مبنى واحد. افتتنت صوفيا بالمقبرة وزخارفها البديعة، لكنها سُرعان ما صُدمت، حين مرّت على المستشفى(المورستان) وشاهدت المجانين من النساء والرجال، مقيدون بالسلاسل، في مشهد تراجيدي مأسوي؛ "صُمت آذاننا بسبب الصرخات العصبية الحادة التي تصاعدت فور أن دلفنا إلى الممر المفضي للعنابر. الجميع تقريباً يفردون ملء ذراعهم من وراء القضبان سائلين قطعة خبز. أصابتني غُصة في القلب إثر مشاهدة هذه الوجوه البائسة، ثم تم اقتيادي إلى قسم النساء حيث لم أتوقع أن ينتظرني مشهد أشد حزناً".

في زنازين النساء، فُجعت صوفيا حين رأت شابات صغيرات عاريات، غارقات في أحزانهن، مقيدات بالسلاسل، جالسات على أرض قذرة عارية تقول: "لم أكن مستعدة على الإطلاق لمشاهدة هذا القدر من البؤس، واندفعت بسرعة نحو المخرج، أمرّ بين وجوه المجانين القذرة الشاحبة وقد بدا عليهم المسكنة والهذيان في آن. لو كان الجنون، أحد أشد المحن البشرية، يستدعي تعاطفنا، فحال تلك النساء الرثة في القاهرة تصرخ بصوت مرتفع تسأل أشد صور الرحمة".

كان عالم "الحرملك" آسراً ومثيراً بالنسبة للسيدة الإنكليزية، وكانت "سلطة النساء" في الحرملك هي مثار دهشتها وإعجابها وكذلك الود والحب والكرم التي حظيت به أثناء زياتها لحرملك الطبقة العليا

خلال رحلتها، تشير صوفيا أن مصر قد هاجمتها، ثلاثة من أضرى الأوبئة، وهي طاعون الماشية، والطاعون الذي يصيب البشر، وهجمات الجراد. دمر الأول ماشية تُقدر بمبالغ طائلة، والثاني لم يحتد في انتشاره وتأثيره، أما الجراد فكان يقتات بضراوة على الفواكه المزروعة "وُكل لفلاحي حدائق إبراهيم باشا وغيرها من الحدائق مهمة إبعاد الجراد إما بإلقاء الحجارة عليها، أو بالصراخ أو دق الطبول وغيرها من الأفعال التي تُبعد الحشرات الطائرة".

وفي ذات الرسالة التي تحدثت فيها صوفيا عن وباء الطاعون، تسرد إحدى الوقائع التي حدثت في "المنصورة" إثر انتشار الطاعون بها بصورة كبيرة، حيث تحكي أنه بعد تزايد عدد المصابين بهذا الوباء الشرس في المنصورة، جاء عدد من الروس إلى هذه المدينة، لدراسة طبيعة المرض، وإثبات ما إذا كان الطاعون معدياً أم لا، وللقيام بهذه التجربة، استأجر الأطباء بعض الفقراء، لارتداء ملابس الذين قتلهم المرض، ومقابل ذلك كانوا يدفعون لهم خمسة قروش يومياً. تقول صوفيا: "تدفق الفقراء على الأطباء الروس من أنحاء المدينة كافة، وعرضوا خدماتهم لارتداء ثوب الطاعون. وكانت النتيجة أن لم يمُت أي من مرتدي القميص من الفلاحين الفقراء، وعادوا ليمارسوا حياتهم، فيما مات واحد من الأطباء".

الحرملك... السجن الفاخر

"الحرملك" –بحسب صوفيا لين- هو عالم مصغر من النساء وحدهن حيث يقضين فيه فترة المهد والطفولة، وتشهد جدرانه على سعادتهن وتعاستهن، على مباهجهن واهتماماتهن، وما وراء الحرملك من مسرح شاسع مليء بالإثارة هو مكان مجهول تماماً لهن، وعند مغادرته لا يُحدِث انتقالهن إلى حرملك أزواجهن فارقاً كبيراً.

دخلت المستشرقة الإنكليزية إلى عالم الحرملك، بواسطة السيدة"سييدر" زوجة المفوض السامي البريطاني، والتي كانت تملك علاقات وثيقة مع جميع حرملك البلاد. زارت صوفيا حرملك حبيب أفندي، الحاكم السابق للقاهرة، وحرملك الباشا (محمد علي)، بقصر الدوبارة، وكذلك بعض حرملك الطبقات الوسطى. كان عالم "الحرملك" آسراً ومثيراً بالنسبة للسيدة الإنكليزية، وكانت "سلطة النساء" في الحرملك هي مثار دهشتها وإعجابها وكذلك الود والحب والكرم التي حظيت به أثناء زياتها لحرملك الطبقة العليا، وهي تنفي الفكرة التي تبناها العديد في أوروبا بشأن فجور الحرملك، تقول: لا جدال في أن السيدة الأولى لها سلطة عظمى قد تستغلها بصورة خطأ، لكن الإماء مفروض عليهن أقسى درجات الصرامة، والنظام المفروض حول شابات الحرملك في الشرق لا يمكن مقارنته بشيء في أوروبا سوى نظام دير الراهبات".

استفاضت صوفيا في وصف مظاهر البذخ في عالم "الحرملك" مشيرة إلى البهرجة التي يتميز بها الذوق التركي، في مقابل رقة وبساطة الذوق العربي، كما رصدت العديد من مظاهر عنف الرجال تجاه النساء، في مقابل رقة سيدات الشرق، والأخلاق والصفات الفريدة التي يتحلين بها. ورغم الانتقادات التي احتشدت بها رسائل صوفيا، إلا أنها لم تخف إعجابها الشديد بالعرب، وتقاليدهم، وثقافاتهم الفريدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard