فتيان عدن أكثر مهارة من الإيطاليين في السباحة... رحلة باشا مصري إلى جنوب إفريقيا

الأربعاء 27 أكتوبر 202104:29 م

كثرت أسفار الرحالة العرب، وتشابهت رحلات القدامى منهم، فغالبيتهم كانوا من الطبقة البسيطة؛ لذا نلحظ اهتمامهم في رحلاتهم بالقرب من ولاة الأمور والعيش في كنفهم، إما اتقاءً لشرهم، وإما كسباً لودّهم ونيل ما يريدونه من مال وحماية؛ لكن يبدو أن تطور الزمن وآلياته في القرن العشرين، كان له عامل هامّ في تغير نمط الرحّالة، كما في حالة الأمير الأرستقراطي محمد علي، ابن الأسرة التي حكمت مصر في الفترة ما بين 1805 حتى 1952.

ولي العهد الذي أبعده ثلاثة أطفال عن عرش مصر!

وُلِد محمد علي بن محمد توفيق بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي باشا، بالقاهرة عام 1875. شقيقه هو الخديوي عباس حلمي الثاني، وأمه أمينة هانم إلهامي. يقول عنه الزركلي في "الأعلام": "آلت إليه ولاية العهد مرتين: الأولى في عهد شقيقه عباس، والثانية قبل أن يرزق فاروق ولداً".

لكن كتاب خير الدين الزركلي المنشور أول مرة عام 1926، لم يذكر ما جرى في نهايات الخمسينيات، حين آلت إلى الأمير محمد علي ولاية العهد للمرة الثالثة في عهد فاروق، قبل أن يرزق بولده أحمد فؤاد في يناير من عام 1952، أي قبل نحو ستة أشهر من قيام ثورة الضباط الأحرار، وإزاحة الأسرة العلوية عن العرش، فسافر الأمير إلى سويسرا، ومات فيها، لكنه دُفِنَ في القاهرة عام 1954، دون أن يترك ذرية.

الترجمة للأمير محمد علي تكاد تكون نادرة، فلم يخصص له الزركلي إلا نحو عشرة أسطر أو أقل، قال عنه فيها إنه "كان شديد الحرص، مقتراً حتى على خاصته وأقرب الناس إليه"، لكن تلك الصفات ـ إن صدقت ـ لم تُثن الأمير محمد عن ترك إرث عظيم في جزيرة منيل الروضة بالقاهرة، عبارة عن قصر يحمل اسمه، ثم صار لاحقاً يُعرف بمتحف قصر النيل.

"لقد تسنّى لي منذ الصغر الإقامة والتجوال في بعض البلدان الأجنبية، مما ضاعف ميلي إلى رؤية الأقطار البعيدة والاطلاع على أحوال أهلها، فقمت برحلات كثيرة في أوروبا وآسيا وشمال أمريكا"

يُروَى أن الدافع وراء إنشاء الأمير محمد علي توفيق للقصر هي أن يجعله مقراً لحكمه إن دانت له الأمور. فبحسب وزارة السياحة والآثار المصرية، شرع الأمير في تشييد قصره "في الفترة ما بين 1319- 1348هــ/ 1900- 1929م، ويتكون القصر من سور خارجي يحيط بمدخل القصر، ويضم داخل أسواره سراي الاستقبال، برج الساعة، السبيل، المسجد، متحف الصيد، سراي الإقامة، سراي العرش، المتحف الخاص، والقاعة الذهبية، هذا إلى جانب الحديقة الرائعة المحيطة بالقصر والفريدة من نوعها".

الرحالة الأرستقراطي

تعلّم الأمير في سويسرا، وقام برحلات كثيرة، ساعد فيها إتقانه للغات الفرنسية والإنجليزية والتركية، فقد "كان يكتب (مذكرات) موجزة عن مشاهداته في رحلاته، ثم يعهد بها إلى بعض كتّاب العربية فيصوغونها ويضيفون إليها ما يتصل بها من مقتبسات ومترجمات، ويجعلونها كتبا تنشر من تأليفه"، وفقا لما أورده الزركلي في كتابه "الأعلام".

تلك الرحلات أثمرت عدة كتب، مثل "الرحلة الشامية"، و"الرحلة اليابانية"، و"رحلة الصيف إلى بلاد البوسنة والهرسك"، و"رحلة سمو الأمير الجليل محمد علي إلى جاوة"، و"رحلة محمد علي باشا إلى جنوب إفريقيا" الذي حُرّر وصدر الأخير عن دار نشر السويدي التابعة لمركز "ارتياد الآفاق" الخاص بالأدب الجغرافي، والواقع في أبوظبي.

يقول الأمير: "لقد تسنّى لي منذ الصغر الإقامة والتجوال في بعض البلدان الأجنبية، مما ضاعف ميلي إلى رؤية الأقطار البعيدة والاطلاع على أحوال أهلها، فقمت برحلات كثيرة في أوروبا وآسيا وشمال أمريكا، ونشرت عنها في حينه ما يُجدي ذكره من غريب تجدر معرفته ونافع تُرجى فائدته (...) عسى أن يكون فيما قصدته من نشر مذكرات سياحاتي فائدة لمحبي الاطلاع من أبناء وطني الذين لا تسمح الظروف لبعضهم بالأسفار البعيدة".

تلك المقدمة كانت لواحدة من أبدع رحلات الأمير، وهي رحلته لجنوب إفريقيا، التي جاءت في توقيت كانت فيه البلدان العربية في حالة صحوة سياسية ضد المحتل الأجنبي، وبعد أشهر قليلة من ظفر المصريين بدستور 1923 الذي يعتبرونه عمدة الدساتير وأكثرها ميلاً للحرية.

"عندما يمشي الإنسان على الذهب"... جنوب إفريقيا بعين سمو الأمير

بدأت رحلة الأمير إلى جنوب إفريقيا من ميناء بورسعيد مروراً بالإسماعيلية، وبور سودان، وعدن، ورأس غاردفوي، وممباسا، وطنجة، ونجبار، ودار السلام، ولورنسو، وصولاً لجوهانسبرج، التي وجد ضالته بها، إذ كان محمد علي مولعاً بالنباتات النادرة غير المتوفرة في مصر، فزار في رحلته حدائق عدة، واقتنى كل ما اشتهى من نباتات.

استغرقت الرحلة شهرين وأسبوعين، وبدأ الأمير تدوين يومياتها منذ ارتحل في السادس من أبريل لعام 1924، وختمها في 19 يونيو من العام ذاته. وطوال تلك الرحلة لم ينسَ الرحّالة أن يترك معلومات جغرافية، مثل أن "المسافة من بورسعيد إلى عدن، هي ثلث الطريق إلى جنوب إفريقيا" أو أن "فتيان عدن أكثر مهارة من الإيطاليين في أمور السباحة والغطس".

ندر في رحلة الأمير محمد علي إلى جنوب إفريقيا أن يذكر سكانها الأصليين دون التخلي عن طبيعته الأرستقراطية والنشأة داخل أسرة ملكية، فنجده يُكرر كلمة "عبيد" أكثر من ثلاثين مرة، دون سياق مُفسّر لذلك

ولم يغفل عن وصف بؤس الطبيعة في محيط عدن وأحوال مرساها، وأنها "لا تكسوها أي خُضرة، إنما ترى رمالاً صفراء وصخوراً سوداء (...) ولا يوجد بعدن حمامات بحر، وذلك لوجود وحوش كالحوت بمياهها".

كثرة أسفاره في أوروبا أهّلته ليعقد مقارنات لطيفة بينها وبين إفريقيا، مثل وصفه لشكل السكك الحديدية في جنوب إفريقيا، التي كانت "أضيق، وكذلك الممرات داخل العربات".

ومن مزايا ما دوّنه الأمير محمد علي من لمحات تاريخية لهذا البلد، قوله: "إن الإنسان ليعجب أن يرى بلاداً كانت في الماضي القريب مرتعاً للوحوش وموطناً للزنوج، لا أمان فيها ولا فرق بين وحشها وأنسها، بلاداً كانت هذه حالتها تتحول إلى حالتها اليوم، فيسكنها المتمدينون، وفيها ما يكفل للمرء الطمأنينة والراحة".

لم يغفل الأمير عن عرض ما تتمتع به جنوب إفريقيا من كنوز، فيقول: "من الغريب أن يرى الإنسان تلالاً من التراب المستخرج من المناجم. ويمكن القول بأن الإنسان في مدينة جوهانسبرج يمشي على الذهب، لأنه تحت أرضها"!

أسياد وعبيد!

ندر في رحلة الأمير محمد علي إلى جنوب إفريقيا أن يذكر سكانها الأصليين دون التخلي عن طبيعته الأرستقراطية والنشأة داخل أسرة ملكية، فنجده يُكرر كلمة "عبيد" أكثر من ثلاثين مرة، دون سياق مُفسّر لذلك أو تعبير عن دلالة تاريخية.

يحكي عن تاريخ جنوب إفريقيا، وكيف نجت من وباء الجدري الذي اجتاح البلاد سنة 1713، بقوله: "انتشر وباء الجدري فمات من البيض نحو خمسة وعشرين في المئة من تعدادهم، ولكن لحسن حظهم أن اكتسح هذا الوباء ألوفاً من العبيد والزنوج فخلت الأراضي المجاورة للكاب واستغلها الأوروبيون لإنتاجها والاستفادة منها"!

بين ثنايا تلك الكلمات سيفطن القراء إلى أنه يعتبر أن هلاك آلاف "العبيد والزنوج" هو من قبيل "حُسن الحظ"، لكنه حتى وإن خانه التعبير، فلم يترك مساحة للظن، حين كان يصر طوال تجواله في جوهانسبرج وما يجاورها من مدن مستقلاً عربات "الريكشا" التي يجرها "العبيد" بحسب تعبيره!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard