ترشيح جعفر الصدر لرئاسة الوزراء... هل ينجح مقتدى الصدر في حشر المالكي وإيران؟

الأربعاء 23 مارس 202212:13 م

ستة أشهر مرت على إغلاق صناديق الانتخابات البرلمانية في العراق، وبالرغم من الإعلان عن نتائجها النهائية وبت الطعون التي قدّمها المعترضون، لم يتوصل المتخاصمون السياسيون إلى أي اتفاق يُسرّع في شكل الحكومة المقبلة، إذ يتمسّك التيار الصدري وهو الفائز الأكبر في الاقتراع النيابي، بطموحه في تشكيل حكومة أغلبية وطنية، يناكفه في ذلك الإطار التنسيقي الشيعي الذي يطالب بحكومة توافقية يحافظ من خلالها على نفوذه السياسي بالرغم من خسارته الفادحة.

ويسعى الطرفان إلى تحقيق هدفيهما من خلال زيادة حجم تحالفاتهما السياسية، من أجل تكوين الكتلة النيابية الأعظم، كما يصفها البعض، ولكن هذه المساعي لم تثمر عن أي نتائج من شأنها تغيير خريطة التحالفات البرلمانية.

نتيجةً لذلك، عقدت القوى السياسية اجتماعاتٍ سريّةً مكثفةً خلال الأسابيع الماضية، لم تعلن عن تفاصيلها، ولكن يُعتَقد أن تظهر نتائجها خلال جلسة انتخاب رئيس الجمهورية المُقبل، والمزمع انعقادها في 26 آذار/ مارس الحالي.

ما الذي تغيّر؟

تتعرض القوى السياسية لضغوطات داخلية وخارجية من أجل الخروج من المراوحة وابتداع الحلول، ويقول مصدر مطلع على المفاوضات السياسية، إن "قوى الإطار التنسيقي أدركت ضرورة التوافق مع مقتدى الصدر على بعض النقاط الحاسمة، ومنها الموافقة على تولّي التيار معظم الوزارات التي يطالب بها، لكنها في الوقت ذاته ترفض تمرير شخصية رئيس الوزراء من دون موافقتها".

ولم يكن التيار الصدري في معزل عن هذه الضغوط، إذ يؤكد المصدر أن "المقربين من الصدر عدّوا تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي التي أكد فيها تمسكه بقوّته الإقليمية، بمثابة الإشارة إلى دعمه لأذرعه السياسية والعسكرية في العراق، والمتمثلة في قوى الإطار".

عقدت القوى السياسية اجتماعاتٍ سريّةً مكثفةً خلال الأسابيع الماضية، لم تعلن عن تفاصيلها، ولكن يُعتَقد أن تظهر نتائجها خلال جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

ويضع المصدر الهجمات الأخيرة على محافظة أربيل في خانة الضغوط الإيرانية غير المباشرة على الصدر، من خلال ضرب حلفائه، وهو ما دفع بالصدر إلى الموافقة على الاتصال بخصمه التاريخي، نوري المالكي.

وكانت إيران قد قصفت محيط القنصلية الأمريكية في أربيل بـ12 صاروخاً بالستياً، في 13 آذار/ مارس الحالي، وزعمت أنها استهدفت مركزاً للموساد الإسرائيلي، وهو ما وضعه أيضاً محللون ومتابعون للشأن العراقي في سياق الضغط على الصدر، الذي يتحالف مع مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان السابق، والحاكم الفعلي للإقليم.

وكانت قوى الإطار التنسيقي قد عقدت اجتماعاً مغلقاً في بيت المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون والمنضوي ضمن الإطار التنسيقي الشيعي، على خلفية الاتصال الهاتفي الذي جمعه بزعيم التيار الصدري.

من جهة أخرى، تلعب الضغوط الداخلية دورها في هذا الشأن، إذ تحاول المحكمة الاتحادية جمع الفرقاء السياسيين، حسب الباحث السياسي محمد نعناع، ويبدو هذا الدور واضحاً في قوانينها الأخيرة، مثل استبعاد ترشيح حليف الصدر هوشيار زيباري من منصب رئيس الجمهورية، وتعديل قانون النفط والغاز، وتأكيدها على ضرورة استيفاء نصاب الثلثين في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.

ويقول نعناع لرصيف22: "الصدر أدرك ضرورة تحريك المياه الراكدة والخروج من حالة السبات السياسي الحالي، خاصةً بعد حالة النفور التي واجهها على إثر حادثة الهجوم على الناشط ضرغام ماجد".

وكان الناشط المدني ضرغام ماجد قد تعرض لاعتداء من قبل عناصر حماية النائبة عن التيار الصدري في محافظة بابل، سهى السلطاني، في أثناء توجهه إلى التظاهر قرب منزلها، نُقل على أثره إلى المستشفى.

هل يتنازل الصدر؟

يرى نعناع أن "حكومة الأغلبية الوطنية التي يطالب بها الصدر هي توافقية أساساً، ولكنها توافقية محدودة بالتحالف مع جزء من المكونات الرئيسية الثلاثة: الشيعية والسنية والكردية، على عكس التوافقات السابقة التي يصفها بالواسعة"، مستدركاً أن الصدر لا يزال يراهن على احتمال تفكك الإطار التنسيقي أو جذب بعض قياداته على الأقل، ما يجعل الحكم على خطوة الصدر القادمة مبكراً في الوقت الحالي.

يهدف مقتدى الصدر من خلال ترشيحه جعفر الصدر لرئاسة الوزراء، إلى إحراج خصومه، إذ إن موافقة الإطار ستكون بمثابة مجاراة للصدر في مشروعه، فيما يُعدّ رفضهم إنكاراً صريحاً لابن مؤسس أكبر أحزابهم السياسية

في المقابل، يذهب الباحث السياسي سلام العزاوي، إلى القول إن "الصدر متمسك بمطالبه، وهو ما يبدو واضحاً من خلال ترشيحه جعفر الصدر لرئاسة الوزراء، ما يُعدّ لعبةً سياسيةً مدروسةً تهدف إلى إحراج خصومه، إذ إن موافقة الإطار على شخصية جعفر الصدر ستكون بمثابة مجاراة للصدر في مشروعه، فيما يُعدّ رفضهم إنكاراً صريحاً لابن مؤسس أكبر أحزابهم السياسية، وهو ما نجح فيه الصدر إذ بث الخلاف داخل قوى الإطار بهذا الترشيح".

ومحمد جعفر الصدر هو ابن العالم الشيعي الراحل ومنظّر حزب الدعوة، محمد باقر الصدر، وهو أيضاً ابن أخت المرجع الشيعي اللبناني المغيّب موسى الصدر، بالإضافة إلى كونه شقيق زوجة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ويشغل حالياً منصب سفير العراق في المملكة المتحدة.

ويشير العزاوي في حديثه إلى رصيف22، إلى أن "الصدر يهدف من خلال هذا الأمر إلى كسب الوقت من أجل إنجاح رغبته في توسيع تحالفه مع بقية السياسيين، وتعزز هذا الرأي تصريحات الصدر الأخيرة".

أعلن الإطار التنسيقي نيته مقاطعة الجلسة البرلمانية القادمة، والاتجاه إلى المقاطعة أو تشكيل الثلث المعطل تعبيراً عن رفضه

وكان مقتدى الصدر قد نشر تغريدةً على حسابه على تويتر، انتقد فيها الحكومات التوافقية السابقة، وما وصل إليه البلد، ووجّه دعوته إلى النواب المستقلين من أجل تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية، وتعهد فيها بفسح المجال لهم في إدارة البلد في حال عدم ثقتهم بالتيار الصدري.

وعلى أثر هذه التغريدة، أعلن الإطار التنسيقي نيته مقاطعة الجلسة البرلمانية القادمة، والاتجاه إلى المقاطعة أو تشكيل الثلث المعطل تعبيراً عن رفضه، مؤكداً عدم قدرة التيار الصدري على تمرير حكومته من دون موافقة الإطار التنسيقي.

ويشير الدستور العراقي في مادته السبعين، إلى ضرورة استيفاء أغلبية ثلثي الأعضاء في انتخاب رئيس الجمهورية، ويفشل الترشيح في حال عدم اكتمال هذا النصاب، وهو ما يستغله الإطار بمعاونة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المتحالف معه.

الموقف الكردي

انقسام خريطة التحالفات السياسية هو ما يميّز المشهد الحالي، إذ يتعاون الإطار التنسيقي مع بعض المستقلين، بالإضافة إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ورئيسه بالوكالة كوسرت رسول علي، فيما يتحالف التيار الصدري مع الأحزاب السنية والحزب الديمقراطي الكردستاني وزعيمه مسعود البرزاني.

ويضع هذا الواقع علامة استفهام حول مصير هذه التحالفات في حال توافق الخصمان، ويقول المحلل السياسي عمر البرزنجي، إن "الأحزاب السنية تسير بمحاذاة جميع القوى السياسية بالرغم من إعلان تحالفها مع الصدر، ولكنها لا تبدي ممانعةً في توافق يضمن استمرار مصالحها السياسية. وكذلك بالنسبة إلى الحزبين الكرديين اللذين يحاولان كسب ود المتخاصمين من خلال تقريب وجهات نظرهما، ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردستاني".

ويدرج البرزنجي في حديثه إلى رصيف22، "هذه المساعي ضمن المحاولات الكردية الرامية إلى زيادة مخصصاتهم المالية، ومنحهم استقلاليةً أكبر في استثمار حقول النفط والغاز، أو غض النظر عنها على الأقل، وتبدو هذه المساعي واضحةً في اجتماعات البرزاني بالمالكي خلال الفترة الماضية. ومن ثم يمكن عدّ موافقة الكتل السنية والكردية على أي توافق في المستقبل، نتيجةً حتميةً لا خلاف عليها".

تسير الأحزاب السنية بمحاذاة جميع القوى السياسية بالرغم من إعلان تحالفها مع الصدر، ولكنها لا تبدي ممانعةً في توافق يضمن استمرار مصالحها السياسية

ولكن هل أثر القصف الإيراني على أربيل على طبيعة هذه المشاورات، خاصةً وأنها لاقت تشجيعاً من بعض قوى الإطار التنسيقي؟ يؤكد البرزنجي أن الهدف السياسي الحالي هو كسب المصالح والإسراع في تشكيل الحكومة، بغض النظر عن موجات التصريحات والخلافات العلنية.

وتقف بقية الكتل السياسية على بعد خطوة من الأحزاب السياسية التقليدية، والتي على ما يبدو بدأت تتأقلم مع طبيعة العملية السياسية في البلد، وتحاول التقرب من السياسيين التقليديين من أجل كسب بعض الضمانات السياسية. وتتضح هذه المعالم في جلسة انتخاب محمد الحلبوسي رئيساً للبرلمان ودعم حركة "امتداد" له، بالرغم من إعلانها السابق عن رغبتها في تغيير رؤوس العملية السياسية السابقة.

ويثير الصراع الحالي قلق المجتمع العراقي والخوف من تحوله إلى اقتتال أهلي، فيما لا يبدو حتى الآن أن الفرقاء السياسيين يكترثون للواقع على الأرض، ليبقى السؤال: هل يكون جعفر الصدر مركب خلاص الأطراف كافة، أم أن الإطار التنسيقي سيتعاطى مع هذا الترشيح كمناورة لإحراجه وإخراجه؟ قد يأتي الجواب في جلسة 26 آذار/ مارس، والعراقيون ينتظرون. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard