استهداف طهران لأربيل... "الحديث في فيينا أو الصواريخ في العراق"

الأحد 13 مارس 202206:47 م

عاشت محافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، ليلة صعبة بعدما هوجمت بـ12 صاروخا (باليستياً) استهدفت المنطقة التي تضم المبنى الجديد (قيد الإنشاء) للقنصلية الأمريكية في العراق.

الصواريخ سقطت على منزل كبير (فيلا) لرجل الأعمال الكردي باز رؤوف كريم، مدير شركة (كار) النفطية. وروّجت وسائل إعلام إيرانية ومدونون إيرانيون، بأن منزل كريم كان يضم اجتماعاً لعناصر في الموساد الإسرائيلي.

كذلك، تحدث مقربون من محور "المقاومة" عن وجود عناصر من المخابرات التركية أيضاً في الاجتماع، لكن تركيزهم كان على وجود عناصر من الموساد وأن هذا المنزل يستخدم مقراً لعملهم.

يقول المحلل السياسي الكردي شاهو القرداغي لرصيف22، إن "الهجوم يأتي مع وضع داخلي ودولي معقد، وخاصة أن أربيل والعراق يشكلان الحلقة الأضعف التي يمكن لإيران أن تستغلها لإرسال الرسائل السياسية عن طريق عمليات القصف".

في بداية الأمر، نفى المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، محمود عباس زاده مشكيني، علاقة بلاده بالقصف الذي طال أربيل، لكن بيان الحرس الثوري الذي صدر بعد ساعات تبنى العملية، وذكر في بيان صدر عن مركز العلاقات العامة التابع له، أنه شن ضربات بـ"صواريخ قوية ودقيقة على المركز الاستراتيجي للتآمر وجرائم الصهاينة في أربيل".

روّجت وسائل إعلام إيرانية ومدونون أن منزل رجل الأعمال الكردي الذي استهدفته الصواريخ كان يضم اجتماعاً لعناصر في الموساد الإسرائيلي

يشير القرداغي إلى إنه "من الممكن أن إيران تحاول إرسال عدة رسائل منها ما يتعلق بالمفاوضات النووية ومنها كرد على استهداف عناصرها في سوريا من قبل إسرائيل وقد تكون ذات بعد محلي كتحذيرات معينة للفاعل السياسي الكردي، بمغبة السير مع مشروع مقتدى الصدر الثلاثي بالإضافة إلى محمد الحلبوسي والمساهمة بإضعاف أو تفكيك البيت الشيعي".

وبرأي مطلعين على الوضع الإقليمي، فإن ما حصل لا يتعلق بالعراق وتشكيل الحكومة فحسب، فإطلاق هذا الكم الكبير من الصواريخ ومع حجم الهلع الذي ضرب أربيل التي تعتبر أكثر محافظة عراقية مستقرة أمنياً، فإن هذا يؤشر إلى أن ما تُريده إيران يتجاوز محاولة "الحفاظ على البيت السياسي الشيعي".

بعد القصف مباشرة، علّق مختصون وبعض المصادر الصحفية على القصف بأنه جاء رداً "على مقتل ضابطين في الحرس الثوري الإيراني بقصف إسرائيلي في سوريا الأسبوع الماضي" لكن هناك من يعتقد بأن القصف له أبعاد دولية وليست إقليمية ومحلية فحسب.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها أربيل إلى قصف صاروخي، بيد أنها المرة الأولى التي يكون فيها بهذا الحجم ويستهدف ما أسمته "اجتماعاً إسرائيلياً".

في مرات سابقة كان القصف الذي يطال عاصمة إقليم كردستان العراق، ينفذ من قبل "حلفاء" إيران في العراق. وتُتهم فصائل شيعية مسلحة بقصف مطار أربيل الدولي وكذلك القنصلية الأمريكية، دون أن تتبنى هذه الفصائل ذلك، أو أن يُثبت عليها.

الارتباط بفيينا

هذا التطور في الموقف، يربطه البعض ارتباطاً مباشراً بمحادثات فيينا النووية بين واشنطن وطهران. يعتقد العراقيون أن فشل المفاوضات في النمسا، يعني أن "مصيبة" ما ستحدث في العراق. لذا يأملوا أن يتوصل الأمريكيون والإيرانيون إلى حل بشأن ملف إيران النووي.

يقول الأكاديمي المتخصص في مجال الأمن والإرهاب، طلحة عبد الرزاق، إن "الاتفاق النووي ينهار وهذه الحالة الجيوسياسية غير مقبولة لإيران. لذا عادت إلى أساليبها المعتادة، أي العنف والفوضى. إما أن تأخذ مطالبنا على محمل الجد أو سنغرق المنطقة بالدماء والجنون وهذه كانت لعبة إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن".

علّق مختصون وبعض المصادر على القصف بأنه جاء رداً "على مقتل ضابطين في الحرس الثوري الإيراني بقصف إسرائيلي في سوريا الأسبوع الماضي"

ويضيف في تحليل كتبه على حسابه في تويتر: " عندما تشعر إيران بأنها محاصرة تتبنى سياسة إلقاء قنبلة يدوية لإحداث حالة من الشغب والفوضى. الخطر في ذلك السياسة هي أنها في يوم من الأيام قد تنفجر القنبلة في وجوه الإيرانيين ولو كان ترامب رئيساً لحصل ذلك بالفعل. هل (الرئيس الأمريكي جو) بايدن سيجعلهم يندمون على ضرباتهم على أربيل ليلة أمس؟ أنا أشك بذلك".

يذهب مع هذا الرأي الباحث العراقي فراس إلياس، الذي يقول إن "الضربة حملت ثلاث رسائل مهمة، واحدة للحراك السياسي المتعلق بتشكيل الحكومة العراقية، وثانية للتحول الإقليمي في غير مصلحتها، وثالثة للمجتمع الدولي الذي أوقف المفاوضات النووية معها، مفادها نحن أو الفوضى في المنطقة".

الإشارات السلبية

وكانت المفاوضات تسير بشكل متسارع مع حديث عن قرب الوصول إلى اتفاق، إلا أن الدخول الروسي على الخط وطلب وزير الخارجية سيرغي لافروف من الأمريكيين "ضمانات بأن العقوبات التي تستهدفها على خلفية عملياتها العسكرية لأوكرانيا لن تطال تعاونها مع إيران، قبل إعادة العمل بالاتفاق النووي"، عطل أو خفّف من زخم المفاوضات.

وبالرغم من اعتبار مسؤول إيراني كبير لرويترز أن المطالبة الروسية بضمانات مكتوبة من واشنطن "غير بناءة" للمحادثات الجارية في فيينا، إلا أن ذلك لم يمنع الاتحاد الأوروبي من الإعلان على لسان مسؤول السياسة الخارجية والأمن فيه، جوزيب بوريل، يوم الجمعة الفائت تعليق المفاوضات نتيجة للطرح الروسي.

يقول مسؤول عراقي: "بصراحة، نحن نراقب مفاوضات فيينا بشكل كبير، لأننا نعرف أن تبعات الفشل سنتحملها نحن، وليس أمام إيران سوى الحديث في فيينا أو الصواريخ في العراق، وهي تُدرك جيداً أننا غير قادرين على الرد، أو غير مؤهلين لذلك بالأساس"

عندما عاد علي باقري كني كبير المفاوضين الإيرانيين من فيينا باتجاه طهران، اتضحت ملامح "فشل" أو عدم نجاح المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعادة ما ينعكس ذلك على البلدان التي تمتلك إيران نفوذاً فيها.

ودائماً تُطرح أسئلة في الداخل العراقي حول عدم استهداف إيران المصالح الأمريكية والإسرائيلية في بلدان أخرى، ويستدعي ذلك مراقبة ردود الفعل الرسمية العراقية حول الانتهاكات الإيرانية للبلاد والتي غالباً ما تغيب تماماً، وإن حضرت فهي تكون خجولة وغير جدية، ويُردد الشارع العراقي بأن "بلادهم بالنسبة لإيران خاصرة رخوة، وساحة تستطيع أن تُسيطر عليها سياسياً وأمنياً، كما أنها لن تجد رد فعل على القصف، لذا تقوم بذلك دائماً".

الطمع ببايدن

تستثمر إيران في المرونة الموجودة لدى إدارة الديموقراطيين في الولايات المتحدة الأمريكية بوجود بايدن رئيساً للبيت الأبيض، وتحاول أن تحسم الأمر لصالحها في ظل عدم وجود مضايقات عليها مثل تلك التي كانت في فترة الرئيس السابق دونالد ترامب.

عندما عاد علي باقري كني كبير المفاوضين الإيرانيين من فيينا باتجاه طهران، اتضحت ملامح "فشل" أو عدم نجاح المفاوضات النووية مع الغرب

ويدلّل على ذلك أكثر، تكرار الإعلام الإيراني أو الذي يدور في فلكه بأن الاتفاق النووي هو خسارة لإسرائيل بالمقارنة بين واقع الإدارة الأمريكية الحالية والسابقة، وذكر تحليل نشره موقع قناة العالم الإيرانية والتي مقرّها في بيروت أن "الخاسر الأكبر في هذا المجال هو الكيان الإسرائيلي. الكيان الذي لم يعد يتمتع بدعم ترامب الذي كان يسهل تحريضه وإثارته".

وتُدرك طهران أن واشنطن لن تتخذ أي خطوة مشابهة لتلك التي اتخذتها فجر الثالث من كانون الثاني/يناير 2020 عندما اغتالت عقلها المدبر قائد فيلق القدس قاسم سُليماني. وأبعد ما يُمكن أن تقوم به واشنطن، هو استهداف جماعات شيعية مسلحة موالية لها في العراق أو سوريا.

يقول سياسي عراقي مقرب من الحكومة العراقية لرصيف22: "بصراحة، نحن نراقب مفاوضات فيينا بشكل كبير، لأننا نعرف أن تبعات الفشل سنتحملها نحن، ونعرف أن إيران ليس أمامها سوى الحديث في فيينا أو الصواريخ في العراق"، ويضيف: "تعرف طهران جيداً أننا غير قادرين على الرد، أو غير مؤهلين لذلك بالأساس، لذا تستغل الأمر وتستهدف أماكن تسميها إسرائيلية. حسناً لماذا لا تستهدف إسرائيل بشكل مباشر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard