شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"صالون هدى"... الكل مشارك في إعادة الجريمة، حتى المخرج

"صالون هدى"... الكل مشارك في إعادة الجريمة، حتى المخرج

رأي

الجمعة 25 مارس 202202:51 م

أتابع منذ سنوات المسيرة السينمائية الحافلة بالنجاح للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، واعتبره من المخرجين المحظوظين، لأنه دخل عالم هوليود ورشحت أفلامه إلى الأوسكار. إذ ثبت أبو أسعد قدميه كمخرج هام منذ العام 2005 مع فيلمه المميز "الجنة الآن"، لكن فيلم "عمر" الذي أخرجه في العام 2013، كان نقطة عبوره لضمير كل عربي آمن بالقضية الفلسطينية، وبانتفاضتها وعنفوان شبابها .

 قدم أبو أسعد في "عمر" موضوعاً فلسطينياً بامتياز، إذ صور الفيلم بمجمله في فلسطين، كما مهّد الطريق لنجوم جدد في الساحة السينمائية، قادمين من فلسطين، كالفنان آدم البكري، والفنانة اليافعة ليم لوباني في أول أدوراها، وتركزت قصة الفيلم حول معاناة الحبيبين في ظل وجود العدو، وكان جدار الفصل العنصري راكور (ديكور) الفيلم الرئيسي.

الفيلم الفلسطيني كهوية

يعاني الفيلم الفلسطيني، مثله مثل باقي الأفلام السينمائية، من حالة التباس تتعلق بهويته، فالبعض ينسب الأفلام السينمائية لمخرجيها، فلا يجوز اعتباره فيلماً  فلسطينياً مادام مخرجه ليس فلسطينياً أو من أصل فلسطيني، كما حصل مؤخراً مع فيلم "أميرة" للمخرج المصري محمد دياب، والبعض ينسب الفيلم لجنسية منتجه، فنكتشف أن المشاركة الفلسطينية في الإنتاج متواضعة، لا  تشكل إلا جزءاً بسيطاً منه، كما حصل أيضاً مع فيلم "أميرة"، بينما السواد الأعظم من الجمهور يعتبر أن أي فيلم يخوض في قضايا الشعب الفلسطيني، مهما كانت جنسية مخرجه أو منتجه، هو فيلم فلسطيني.

من هنا تبدو الأفلام الفلسطينية اليوم في موقع حساس جماهيرياً مهما كانت جهة إنتاجها وتوجهها، وفيلم "صالون هدى" الروائي الطويل، واحد من تلك الأفلام التي أعادت هاني أبو أسعد للسينما الفلسطينية كمخرج وكاتب، الفيلم من إنتاج شركة كلينيك المصرية، و بمشاركة أفلام فلسطين ومؤسسة الدوحة للأفلام، والصندوق الهولندي للأفلام وغيرها.

تبدو الأفلام الفلسطينية اليوم في موقع حساس جماهيرياً مهما كانت جهة إنتاجها وتوجهها، وفيلم "صالون هدى" الروائي الطويل، واحد من تلك الأفلام

سبق للفيلم وأن عُرض في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي أقيمت دورته الأولى في مدينة جده مع نهاية العام 2021، لكن الفيلم حينها لم يؤت ثماره، لا إعلامياً ولا نقدياً، ولا أثيرت حوله أي ضجة تذكر، ربما كان السبب في ذلك لأن أبو أسعد حينها كان قد أخفى الدقائق الحميمة من الفيلم، تجنباً لأي لغط أو إشكال قد يتعرض له، وخاصه بعد التداعيات القوية التي أثارها عرض فيلم "أميرة" الذي شارك في إنتاجه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تدور قصته حول قضية حساسة تتعلق بالمقاومة التي تحاول  تهريب نطاف المعتقلين لخارج سجون الاحتلال.

 في فيلم "صالون هدى"، يعود المخرج والكاتب هاني أبو أسعد إلى فلسطين "الداخل"، لا يهم إذا كانت جنسية الفيلم فلسطينية أم لا، ولا يهم إن كان قد تم تصويره كاملاً داخل فلسطين أو خارجها، وبمعزل عن بعض اللقطات الأولى في الفيلم، والتي تقدم لنا لمحة عن مدينة بيت لحم، عبر أسواقها مروراً بجدار الفصل العنصري، لا يوجد أي لقطات درامية يتوجب تنفيذها داخل فلسطين، فلا مظاهر للاحتلال ولا وجود له، باستثناء صالون هدى الفلسطينية "العميلة"، تلعب دورها الفنان الجميلة والمتمكنة جداً، منال عوض، ومرور عابر لصوت موسى الذي يمثل أيضاً المحتل القادم عبر أسلاك الهاتف.

معلومات للمشاهد الغربي

يبدأ الفيلم كما ذكرنا سابقاً ببعض اللقطات الافتتاحية التي تصور المدينة وتعكس وضعها الذي يبدو طبيعياً جداً وهادئاً، لكن المخرج يستغل زمن تلك اللقطات ليقدم بعضاً من المعلومات البديهية عن فلسطين، لا أعرف حقيقة أي جمهور كان في خاطره حين فكر بتقديم تلك المعلومات والتي تضمنت التالي:

"بيت لحم الضفة الغريبة من فلسطين المحتلة، احتلت عام 1967 ولا تزال تحت الاحتلال. في العام 2002 بدأت سلطات الاحتلال ببناء جدار الفصل العنصري حول المدينة، وأصبح جنود الاحتلال خلفه، وكان سكان المدينة أكثر عرضة للخطر، خصوصاً النساء منهم. مغادرة الفلسطينيين للضفة الغربية أو دخولها مشروط بأذن من مخابرات الاحتلال".

قدم المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد أبطاله الثلاثة الرئيسيين كنجوم، ويمكن الجزم أنه حقق شهرة واسعة وجديدة لبطلته ميساء عبد الهادي، التي تلعب بذكاء وقوة دور ريم

إذا كانت تلك المعلومات البديهية موجهه للجمهور العربي، فهذه إشارة من المخرج على أن شبابنا قد نسي اليوم كبرى قضاياه العربية، ولكنها ربما موجهة للجمهور الأجنبي، وخاصة الأمريكي، باعتباره جمهوراً بعيداً جداً عن قضايانا، في كلا الحالتين، يعتقد المخرج أنه، وعبر تلك العبارات المكتوبة التي ربما لم ولن يلتفت لها الكثيرون، قد مهد لفكرته وبرر لضحايا الاحتلال تورطهم، علّهم يتمكنون يوماً من مغادرة فلسطين.

في الفيلم، قدم أبو أسعد أبطاله الثلاثة الرئيسيين كنجوم، وأكاد أجزم أنه حقق شهرة واسعة وجديدة لبطلته ميساء عبد الهادي، التي تلعب بذكاء وقوة دور ريم، على الرغم من أنها ممثلة فلسطينية مشهورة، شاركت في العديد من الأفلام السينمائية الهامة تحت قيادة مخرجين مميزين، وحصدت العديد من الجوائز، إلا أن هاني أبو أسعد، وكعادته، اكتشف مناطق أخرى في تلك الفنانة، لدرجة باتت (ترند) وحديثاً للشارع.

أما هدى، فهي صاحبة صالون للحلاقة النسائية، وهو صالون معدوم الزبائن كما يبدو، لكن ريم لا تعيره أي اهتمام أو رهبة، لذلك تصدق رواية هدى بأن النساء يهجرن الصالونات ليقمن بتجميل أنفسهن، ولو أن ذلك الصالون كان مأهولاً ببعض الزبائن كعادة الصالونات، لما استطاعت صاحبته أن توقع أحداً في شباكها، لكن المخرج كاتب العمل، اختار هذا  الحل الدرامي ليبرر لضحيته سهولة وقوعها. 

ما من أحد نظيف في هذا المكان حتى رجال المقاومة...

ريم واحدة من السيدات الـ 15 التي ستقع فريسه لهدى، والتي ستقوم بتخديرها وجرها إلى غرفة داخلية لتقوم بتعريتها ووضعها إلى جانب شاب ينتظر لساعات ليتعرى، ليتم تصويرهما معاً لابتزازها لاحقاً، وتوظيفها كعميلة للعدو.

ذلك هو المشهد الرئيسي الذي بنى عليه أبو أسعد حبكته، والمستوحى بطبيعة الحال من قصة واقعية حصلت مع فتاة فلسطينية، قامت نتيجته بالانتحار، وها هو أبو أسعد يعيده حرفياً، ولكن هذه المرة بموافقة تامة من بطلته، ليصبح مشهداً درامياً كاملاً وتفصيلاً سيشاهده ملايين الجماهير في كل أنحاء العالم، دون حرج أو عيب أو حتى أي اعتبار لتقاليد أو عائلة أو محيط اجتماعي، بل إن بعضاً من النقاد العرب، وحتى الفلسطينيين، سيشيدون به لاعتبارات درامية، بحسب تعبيرهم.

استعادة مشاهد قديمة

أثار ذلك المشهد حفيظة الشارع الفلسطيني، وربما هو المشهد الوحيد الذي أعاد الفيلم للواجهة، رغم أنه كان قد مضى على إنتاجه قرابة العام، وشاهده المئات في المهرجانات العالمية على وجه الخصوص، فما قام به أبو أسعد يشبه تماماً إعادة جريمة قتل بكافة حذافيرها، بدل من تمثيلها أو تقديم ما يوحي بها بحجة الصدق الدرامي!

 فاذا كان ذلك المشهد درامياً وعادياً، ممكن لسيدة فلسطينية تقديمه بكل هذه البساطة ليشاهده الملايين دون أي شعور بالخوف أو الرهبة من المجتمع وتقاليده، فلماذا هوّل أبو أسعد منه، وجعله قضية اجتماعية وإنسانية ممكن أن ينتج عنها فيلماً يتكلف عليه ملايين الدولارات؟ 

ورغم أن الفيلم كما ذكرنا سابقاً مستوحى من قصة حقيقة، إلا أن أبو أسعد قام بتطويرها درامياً، فجعلهم فتيات بدل من فتاة واحدة، وهذا أمر مريب، وخصوصاً أنهم في الفيلم جميعاً تم تجنيدهم لخدمة العدو، باستثناء ريم التي حالفها الحظ ولم تتورط بعد، فما الذي أراد قوله أبو أسعد من الفيلم؟ هل يريد أن يلفت نظرنا إلى هذه المعاناة التي تتعرض أو تعرضت لها بعض الفتيات داخل فلسطين، أو يريد ان يخبرنا أن الشعب الفلسطيني في الداخل قد دمرته تقاليده وأعرافه البالية، وأن نساءه يعيشن ما بين مطرقة العدو وسندان التخلف العائلي والمجتمعي، لدرجة أصبحت فيه خيانة الوطن أسهل من مواجهه العدو؟

لم يكتف أبو أسعد بذلك، بل جعل من شخصية هدى الحلاقة، امرأة قوية لديها المبرر لكل فعل تقوم به، فرغم فسادها لا يمكن مجاراتها ولا حتى مشاهدة لحظة قتلها. إنها تملك القوه لتقلب الطاولة على الرجل الذي يحقق معها، رغم أنه أحد رجال المقاومة، (يلعب دوره الفنان الفلسطيني علي سليمان)، لتقوم بدورها باستجوابه، في حل درامي يستخدمه الكاتب ليكشف لنا عن الجانب الآخر المظلم من ذلك الرجل الذي سبق وأن باع صديق طفولته لينقذ نفسه، وكأنه أراد أن يقول لنا: ما من أحد نظيف في هذا المكان حتى رجال المقاومة، ولينهي فيلمه بنهاية مفتوحه لخيارات المشاهد، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن المخرج ليس لديه خطه مكتملة وإنما مجرد حلول درامية لتقديم الفيلم.

رغم كل ما سبق، لا بد من الإشارة إلى أن الفيلم على صعيد الشكل، يعتبر مميزاً ويؤكد على بصمة هاني أبو أسعد الإخراجية الخاصة، وعلى إدارته الجيدة لأبطاله، وأنه مازال المخرج الأقدر على قبض أنفاسنا كمشاهدين، لكن حبكته الضعيفة والملتبسة في هذا الفيلم تحديداً، جعلتني أقف عندها مطولاً، وأكتفي بقراءة الفيلم من حيث المضمون فقط بمعزل عن الشكل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard