شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
تسليح الثورة مقتلها... فصول من تغوّل المتطرفين في درعا

تسليح الثورة مقتلها... فصول من تغوّل المتطرفين في درعا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الجمعة 18 مارس 202202:52 م

مع نهاية تموز/ يوليو 2018، استطاعت قوات النظام السوري، بدعم من الطيران الروسي، والميليشيات الإيرانية، السيطرة على محافظة درعا بعد التوصل إلى اتفاق تسوية تحت ضربات الطائرات الروسية، ونتيجةً للتفكك الذي كان ينخر فصائل المعارضة المسلحة من جهة، والخاصرة القاتلة التي أوجدتها التنظيمات المتطرفة في المحافظة، والتي لعبت دوراً في تشتت المعارضة لا يقل عن دور النظام وحلفائه، بل ربما كانت الحليف الأهم للنظام، سواء عن قصد أو عن غير قصد.

بالعودة إلى البدايات، كان للقتل والبطش الذي مارسته قوات النظام وأجهزته الأمنية دور في عدم صمود سلمية المظاهرات التي طالبت على مدار الأشهر الثمانية الأولى برحيل النظام من دون أن يكون هناك سفك للدماء.

وفي الوقت الذي بدأت تظهر فيه انشقاقات متلاحقة بين ضباط جيش النظام وعناصره، والحديث عن وجوب تحوّل الثورة إلى ثورة مسلحة للدفاع عن الأهالي، كانت التنظيمات المتطرفة قد بدأت بالتسلل والعمل منذ وقت مبكر لتوجد لها مكاناً في الوضع الجديد.

بين التطرف والتسليح

بعد اجتياح جيش النظام لدرعا البلد، في نيسان/ أبريل 2011، بنحو ثلاثة أشهر، جرت أول محاولة لدخول التنظيمات المتطرفة إلى درعا البلد، كما يقول أبو علي المسالمة لرصيف22: "كنا في مظاهرة في ساحة تُعرف بساحة القطيفان، وكان معي محمد المسالمة، أبو النمر، الذي أصبح لاحقا مراسلاً لقناة الجزيرة في درعا وقتله قناصة النظام في بلدة بصر الحرير. جاء أحد الشباب، وهمس في أذن أبي النمر، فاستشاط غضباً، وركض ولحقنا به، كانت هناك سيارة صغيرة متوقفة، وكان فيها شخصان يقومان بتوزيع أقراص مدمجة عن تنظيم القاعدة وعملياته، ويدعون إلى الانضمام للتنظيم. لم نكن نعرفهم، كانوا غرباء عن درعا البلد، فقمنا بطردهم".

بعد أشهر عدة عاد هؤلاء بسلاحهم، ونفّذوا أولى عملياتهم بعبوات ناسفة ضد حاجز للنظام قرب مسجد أبو بكر في درعا البلد، وكانت تلك المرحلة الجديدة التي تبعها تغلغل التنظيمات الإسلامية وعلى رأسها جبهة النصرة، التي مهدت في وقت لاحق لظهور تنظيم داعش، وتفكك درعا إلى أجزاء يحكمها أمراء حرب ومتطرفون.

مع نهاية تموز/ يوليو 2018، استطاعت قوات النظام السوري، بدعم من الطيران الروسي، والميليشيات الإيرانية، السيطرة على محافظة درعا

مع نهاية العام 2011، بدأت صفحة سلمية الثورة تُطوى، في مقابل ازدياد التسليح وبدء تشكيل فصائل محلية صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها العشرات من أبناء المدن والبلدات، ممن اعتمدوا في تسليحهم على شراء الأسلحة الخفيفة، من بنادق آلية وفي بعض الأحيان قواذف آر بي جي، من جيش النظام نفسه.

وشهدت نهاية العام 2011، تشكيل ما عُرف آنذاك بـ"جبهة النصرة لأهل الشام"، لتذيع بيانها الأول في 24 كانون الثاني/ يناير 2012، وتدعو فيه إلى الجهاد وحمل السلاح.

تغيير مسار الثورة

كانت التنظيمات الإسلامية غريبةً عن أهل درعا، التي يُعرف أبناؤها بالتدين المعتدل، لذلك كانت ردود الأفعال مستهجنةً بيان تشكيل الجبهة في مطلع كانون الثاني/ يناير 2011، والذي جاء فيه، أن الجبهة جاءت سعياً من مؤسسيها "إلى إعادة سلطانِ الله إلى أرضه والثأر للعرضِ المنتهك والدم النازف وإلى رد البسمة إلى الأطفال الرضّع والنساء الأراملة".

كان دخول الجبهة على خط المواجهات مع النظام كفيلاً بوضع المجتمع الدولي أمام خيارين، الأول دعم تشكيل الجيش السوري الحر "المعتدل"، أو التخلّي عن الثورة السورية، ما سيدفع البلد للوقوع في أيدي التطرف القادم من العراق وأفغانستان، والتطرف القادم من طهران والذي ظهر منذ أيام الثورة الأولى في درعا من خلال تواجد مستشارين أمنيين من الحرس الثوري الإيراني، والذين أنشأوا أول غرفة عمليات لمواجهة المظاهرات في ملعب البانوراما في درعا.

ومن جهة ثانية، بدأ صراع من نوع آخر يظهر في النظام السوري نفسه، بين تيارين، الأول تيار بشار وماهر الأسد وضباط الأجهزة الأمنية وعلى رأسهم اللواء جميل الحسن مدير إدارة المخابرات الجوية السابق، وهو ما يُعرف بالتيار الإيراني، وتيار آخر كان يسعى إلى إنهاء ما يجري بأقل الخسائر التي تحفظ بقاء النظام مع قليل من التنازلات، وضم مجموعةً عُرفت آنذاك بخلية الأزمة، والتي كانت تضم العماد حسن التركماني، رئيس أركان جيش النظام السابق، وآصف شوكت صهر الأسد، وضباط آخرين على مستوى رفيع.

قوّة دخول إيران وحزب الله اللبناني على خط مواجهة الثورة، كان مفصلياً، وظهر هذا الواقع أكثر بعد تفجير مبنى خلية الأزمة في دمشق

لكن قوّة دخول إيران وحزب الله اللبناني على خط مواجهة الثورة، كان مفصلياً، وظهر هذا الواقع أكثر بعد تفجير مبنى خلية الأزمة في دمشق في 17 تموز/ يوليو 2012، لتبدأ مرحلة عسكرية جديدة، استخدم فيها النظام كل أنواع الأسلحة، من طائرات وبراميل متفجرة، وصولاً إلى استخدام غاز السارين السام في غوطة دمشق الشرقية بعد عام من هذا التاريخ.

في درعا بشكل خاص، وجدت جبهة النصرة في بعض بلدات الريف الشرقي بيئةً ملائمةً لها، لتبدأ بتأسيس مراكزها، وكانت بلدة المسيفرة من أوائل هذه البلدات، إذ عُدّت في تلك المرحلة المقرّ الرئيسي للنصرة، من ناحية وجودها العسكري، كما أُنشئت فيها أول محكمة "إسلامية"، سُميت بمحكمة "الكوبرا" القائمة على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فحسب، ورفض أي قوانين أخرى مهما كانت.

من جهة أخرى، كانت المرحلة التي بدأت في آب/ أغسطس 2012، مرحلة ما عُرف في درعا ببدء عمليات تحرير المدن والبلدات، في ريف درعا، لكن كان ذلك التحرير مقابل ثمن باهض دفعه الأهالي من ممتلكاتهم وأرواحهم.

مصائب غرف الدعم

مع توسع سيطرة المعارضة المسلحة في درعا على العديد من المناطق، بدأت الدول المساندة للثورة السورية بالعمل وفق إستراتيجية جديدة، وهي تشكيل غرفة عمليات لدعم العمليات العسكرية خاصةً في جنوب سوريا، ولسببين رئيسيين، الأول أمن إسرائيل، والثاني التوسع المستمر وازدياد قوة جبهة النصرة، خلال عامي 2012 و2013.

في العام 2013، قامت مجموعة من الدول الغربية والعربية، بتشكيل غرفتَي الدعم، الموك والموم، اللتين بدأتا بتوجيه عمليات فصائل المعارضة في مناطق مختلفة من سوريا، وأبرزها درعا، حيث تولت غرفة الموك مسؤولية دعم فصائلها بالسلاح والرواتب الشهرية، ولكن مقابل عدد من الالتزامات التي تقع على كاهل الفصائل، ومنها: عدم الاقتراب أو المساس بالحدود الإسرائيلية مهما كانت الظروف، وحماية حدود الجولان المحتل من أي تسلل محتمل، وعدم اتخاذ قرار بفتح أي معركة ضد النظام إلا بموافقة الغرفة وممثلي الفصائل فيها، والالتزام بكل أوامر الغرفة في أي هجوم أو انسحاب، ومحاربة الإرهاب الإسلامي أياً كان شكله.

في الوقت الذي اعتقد فيه أهالي درعا أنهم يُحرّرون مناطقهم من قوّات النظام، كانت جبهة النصرة تتسلل إلى أكثر من منطقة وتزيد من تواجدها، قبل أن تتحوّل لاحقاً، في وقت انشغال الفصائل على جبهات القتال، إلى جهة تعتقل كُل من لا يدين بالولاء لها 

يقول أبو محمد، قيادي سابق في أحد فصائل الجبهة الجنوبية، لرصيف22: "لقد كانت غرف الدعم سلاحاً ذا حدّين بالنسبة إلى الثورة، فهي كانت تدعم الفصائل ولكن ضمن شروط محددة، وحتى الأهداف العسكرية التي كان يجب أن تتم مهاجمتها محددة، وكانت الغرف تسيطر على الفصائل بشكل كامل".

يتحدث أبو محمد، عن أحد أهم معركتين وقعتا في تلك الفترة، إذ يروي أن معركة تحرير اللواء 52 بالقرب من مدينة الحراك في ريف درعا الشرقي، في حزيران/ يونيو 2015، جاءت بأوامر من غرفة الدعم، وتم إمداد المعارضة بالسلاح والمال اللازمين، وتم اختيار الفصائل بعناية، وبالفعل تمكنت الفصائل من السيطرة على اللواء الذي يُعدّ أحد أكبر ألوية الدبابات في سوريا.

لكن في مقابل ذلك، حسب أبو محمد، اتفقت مجموعة من الفصائل في مطلع تموز/ يوليو 2015، على فتح معركة كبرى للسيطرة على مدينة درعا، المركز الرئيسي للنظام في المحافظة، أُطلق عليها اسم "عاصفة الجنوب"، لكنها كانت من دون موافقة غرفة الدعم، فأفشل بعض قادة الفصائل تقدّم قوات المعارضة نحو المدينة، وكانت النتائج كارثيةً في ذلك الوقت، إذ خلفت المعركة نحو 512 قتيلاً، من مقاتلي الفصائل والمدنيين، ونحو ستة إعلاميين ممن رافقوا قوات المعارضة لتغطية المعركة.

تغلغل المتطرفين

في موازاة محاولات فصائل المعارضة محاربة النظام والسيطرة على أكبر قدر من المدن والبلدات في المنطقة، كانت جبهة النصرة تستكمل تغلغلها شيئاً فشيئاً في درعا، إذ قامت في مطلع آب/ أغسطس 2014، باعتقال العقيد أحمد النعمة، قائد المجلس العسكري في محافظة درعا، بعد اتهامه بأنه المسؤول عن سقوط بلدة خربة غزالة في المحافظة بيد النظام، بالإضافة إلى وقوفه في وجه تمدد التنظيمات الإسلامية.

بعد إعلان جيش خالد بن الوليد عن مبايعة داعش، تحوّل عمل الجيش الحر من قتال النظام إلى قتال التنظيم الذي استغل انشغال المعارضة في عدد من المعارك للتوسع، وخاصةً خلال معركة الموت ولا المذلة في شباط/ فبراير 2017، في درعا البلد

وظهر شريط مصوّر حينها لنعمة وهو يدلي باعترافات عن مسؤوليته عن سقوط البلدة، وقد ظهرت عليه آثار كدمات نتيجة تعرضه للتعذيب من قبل عناصر الجبهة، وتؤكد المعلومات أن جبهة النصرة قامت بتصفية نعمة بعد أيام من اعتقاله بإطلاق النار على رأسه مباشرةً، ودفنه في مقبرة جماعية بالقرب من بلدة المسيفرة في ريف درعا الشرقي، المعقل الرئيسي للنصرة آنذاك.

من جهة ثانية، يؤكد أبو معاذ، وهو أمني سابق في جبهة النصرة ومن عناصر القيادي الأردني في الجبهة "أبو جليبيب"، لرصيف22، أن الجهاز الأمني في الجبهة، كان يقوم باعتقال أي قيادي أو عنصر تابع للمعارضة المسلحة "الجيش الحر"، ممن يخالفون توجهاتها الفكرية، أو يقفون في وجه عملياتها العسكرية.

ويوضح القيادي السابق الذي يقيم حالياً في الشمال السوري، أن الجبهة كانت ترفض أي توجه غير إسلامي في ذلك الوقت، مؤكداً أنه قام بنفسه باعتقال العديد من عناصر المعارضة في ريف درعا الغربي وفي بعض الأحيان من منازلهم.

تفكك الجبهة

كانت نهاية عام 2015، بدايةً لضياع إنجازات السنوات الأولى من الثورة، إذ توسعت سيطرة التنظيمات المتطرفة بشكل كبير على حساب المعارضة المسلحة، وأصبحت أحد أبرز التحديات التي واجهت الثورة في الجنوب.

فمن ناحية أكملت جبهة النصرة تغلغلها في المحافظة وأصبحت على احتكاك بالفصائل، وعلى الرغم من مشاركتها في قتال النظام، إلا أنها كانت سلاحاً متوقعاً في وجه المعارضة في أي وقت، وحسب ناشطين، فقد تعرض العديد من عناصر المعارضة في أوقات مختلفة للاعتقال أو التصفية من قبل النصرة.

وأتت سيطرة تنظيم ما عُرف بـ"جيش خالد بن الوليد" المبايع لتنظيم داعش، على منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، لتزيد من تشتت المعارضة، إذ سيطر التنظيم على أحد أهم المناطق في المحافظة، وهذا ما كان سبباً في حرف الفصائل عن هدفها في قتال النظام.

تشكلت غرف الدعم "الموك" والموم" لسببين رئيسيين، الأول أمن إسرائيل، والثاني التوسع المستمر وازدياد قوة جبهة النصرة

يؤكد أبو سامر، وهو قيادي في أحد فصائل الريف الغربي، لرصيف22، أنه "بعد إعلان جيش خالد بن الوليد عن مبايعة التنظيم الإرهابي، تحوّل عمل الجيش الحر من قتال النظام إلى قتال التنظيم الذي استغل انشغال المعارضة في عدد من المعارك للتوسع، وخاصةً خلال معركة الموت ولا المذلة في شباط/ فبراير 2017، في درعا البلد، حيث استطاع التنظيم السيطرة على أهم بلدات حوض اليرموك، والتلال الإستراتيجية في المنطقة".

ويشير إلى أن هذه المرحلة كانت مرحلة تفكك المعارضة وضياعها في درعا، والتي استمرت نحو عام ونصف العام، حتى استطاع النظام وبدعم روسي السيطرة على المحافظة في صيف 2018، بعد توقف الدعم المفاجىء من غرف الدعم، وتوجيه رسالة إلى الفصائل لتدبّر نفسها في مواجهة النظام أو عدم مواجهته.

مرحلة جديدة بدأت بعد سيطرة النظام في 2018، كان أبرز ما فيها، عودة أبناء المحافظة إلى المظاهرات السلمية، التي يرونها أساساً للثورة السورية، والتي استمرت على الرغم من التضييق الأمني، وعلى الرغم من عمليات الاغتيال التي لا تزال مستمرةً حتى الآن لكل من هتف يوماً بكلمة "حرية"، فيما يرى كثيرون من أبناء المحافظة أن تسليح الثورة حتى وإن كان ضرورياً إلا أنه كان مقتلها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard