وهم المصالحات في درعا... اللاجئون السوريون في الأردن "يعودون" إلى المجهول

السبت 15 يناير 202202:31 م

أعيد افتتاح معبر نصيب-جابر الحدودي بين سوريا والأردن، في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، بعد أشهر قليلة على التسوية الأولى في محافظة درعا، بين النظام السوري وفصائل المعارضة برعاية روسية، وتوافق دولي وإقليمي. ومنذ فتح المعبر، بدأت الدعوات الحكومية السورية والروسية، للّاجئين السوريين في الأردن، وخاصةً من أبناء درعا، من أجل العودة إلى سوريا، حيث أنشأ النظام نقطةً لاستقبال اللاجئين العائدين، وبتجهيزات طبية وإغاثية، مع تغطية إعلامية كبيرة آنذاك.

رافق ذلك قبول متزايد للواقع الجديد من المجتمع الدولي، للتعامل مع حكومة النظام السوري، كحكومة انتصرت في جزء كبير من صراع دموي، وبدأت ببث الدعاية حول عودة الأمان والاستقرار، ووجوب عودة اللاجئين، والبدء بإعادة الإعمار.

أكثر من نصف اللاجئين السوريين في الأردن، من أبناء درعا، فهناك العلاقات العائلية عبر الحدود بين العائلات السورية والأردنية، وتالياً فإن مواقفهم ورغبتهم، أو عدم رغبتهم في العودة، لها آثار مهمة على العلاقات الثنائية بين البلدين، وخاصةً من ناحية الاستقرار في سوريا بشكل عام، ودرعا بشكل خاص.

تُعدّ درعا مهد الثورة السورية، وبقيت لسنوات عديدة أحد أهم المعاقل الرئيسية للمعارضة، وما يرافق ذلك من قوة أيديولوجية ثورية، وهو ما أعطاها رمزيةً للحركة الثورية في سوريا، والتي لا تزال كذلك حتى الآن، على الرغم من خضوع المحافظة لتسويتين في غضون ثلاث سنوات. لذلك، يمكن قراءة عودة اللاجئين من أبناء المحافظة، وعدد من عادوا منهم فعلاً، وقدرتهم على الاندماج، على أنه أمر مهم لاحتمالات أي نوع من أنواع السلام الدائم في سوريا.

أكثر من نصف اللاجئين السوريين في الأردن، من أبناء درعا، نتيجة العلاقات العائلية عبر الحدود بين العائلات السورية والأردنية

درجت الحكومة الأردنية، على لسان مسؤوليها، منذ بداية اللجوء السوري في الأردن، على تأكيد أنه لن تكون هناك عودة إلزامية للاجئين السوريين في الأردن، وأن أي عودة لهم يجب أن تكون طوعيةً، وضمن إطار يحفظ حياتهم وكرامتهم.

ومن جهة ثانية، لم يشهد الأردن أي تحريض شعبي يحض على الكراهية ضد اللاجئين، أو أي مطالبات شعبية بذلك، وتلعب علاقات القرابة والدم دوراً كبيراً في ذلك. وبلغت أعداد السوريين العائدين من الأردن إلى سوريا، منذ افتتاح معبر جابر-نصيب في 2018، نحو 35 ألف لاجىء، حسب أعداد مفوضية شؤون اللاجئين، بينهم 4،500 لاجىء عادوا في العام المنصرم 2021، حتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر.

وتُعدّ هذه الأرقام محدودةً جداً، بالمقارنة مع عدد اللاجئين السوريين في الأردن، حيث يبلغ عدد من هو مسجل منهم لدى مفوضية شؤون اللاجئين، نحو 665 ألف لاجىء، بينما يبلغ عدد السوريين بشكل عام في الأردن، نحو 1.3 مليون سوري، حسب أرقام الحكومة الأردنية.

الخوف الكامن

هناك العديد من العوامل التي تُعدّ أسباباً تدعو بعض أبناء درعا في الأردن، للعودة إلى سوريا، وأخرى تمنع معظمهم منها، فالعامل الأمني لا يزال العامل الأقوى، وله التأثير الأكبر في اتخاذ قرار العودة من عدمه، فأجهزة النظام الأمنية ترى أن غالبية من غادروا البلاد من المعارضين، وعليه فلا بد من التحقيق مع قسم ممن يعودون منهم، كما تحصل عمليات اعتقال وقتل خارج نطاق القانون.

وأشار تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، تحت عنوان "حياة أشبه بالموت"، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، إلى أن اللاجئين السوريين الذين عادوا من الأردن ولبنان، بين عامي 2017 و2021، "تعرضوا لانتهاكات حقوقية جسيمة، ولاضطهاد من الحكومة السورية والميليشيات التابعة لها، مثل التعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، والاختفاء القسري".

العامل الاقتصادي مهم للغاية، إذ فقد وظيفته الحكومية في سوريا، نتيجة فصله منها، وعودته إلى سوريا لا تضمن عودته إليها، بالإضافة إلى الاستدعاء الأمني والتحقيق اللذين سيتعرض لهما

لا تقتصر المخاوف على السلامة والأمن، فهناك عوامل مختلفة، يرى أبناء درعا في الأردن أنها تمنع عودتهم حالياً. أبو محمد، سوري من درعا مقيم في الأردن، يقول لرصيف22، إن أبرز مخاوفه وما يمنعه من العودة، أن لديه ولدين في سن الخدمة العسكرية الإلزامية، وأن عودته تعني ذهابهم إلى جيش النظام، والزج بهم على جبهات متوترة حتى الآن".

ويشير أبو محمد، إلى أن العامل الاقتصادي مهم للغاية، إذ فقد وظيفته الحكومية في سوريا، نتيجة فصله منها، وعودته إلى سوريا لا تضمن عودته إليها، بالإضافة إلى الاستدعاء الأمني والتحقيق اللذين سيتعرض لهما، ونتيجةً لذلك فهو وفق رأيه لن يتمكن من القدرة على العيش في ظل انعدام مقوّمات الحياة، وارتفاع الأسعار، وعدم وجود دخل يغطي ذلك.

بعض السوريين يرغبون في العودة، لأسباب مختلفة، منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو اعتقاد بوجوب العودة، لانتهاء الحرب، والرغبة في الاستقرار

أما منى، سيدة سورية تعيش في الأردن، فقد ركزت في حديثها إلى رصيف22، على الجانب الاقتصادي عند التفكير في العودة إلى سوريا، فزوجها قُتل خلال الحرب، وليس لها معيل، بالإضافة إلى تدمير منزلها خلال قصف قوات النظام، لذلك فخيار العودة غير مطروح بالنسبة إليها وإلى أبنائها.

من جهته، يقول خالد الحوراني، وهو أحد المعارضين للنظام، إنه "لا يمكنه العودة في ظل استمرار وجود النظام الحالي، أو إيجاد حل حقيقي للحالة السوري بشكل عام، يضمن سلامة من يرغب في العودة"، فهو سيكون معرَّضاً للاعتقال فور وصوله، وهذا سبب رفضه للعودة.

لكن في مقابل ذلك، هناك بعض السوريين يرغبون في العودة، وأيضاً لأسباب مختلفة، منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو اعتقاد بوجوب العودة، لانتهاء الحرب، والرغبة في الاستقرار في سوريا، والبدء بالعمل والحياة فيها من جديد، على الرغم من المخاطر التي لم تنتهِ.

يقول عبد الله العلي، لرصيف22، إنه "يرغب في العودة إلى منزله في ريف درعا، بعد أن أمضى نحو ثماني سنوات في الأردن"، مشيراً إلى أن "الأوضاع الاقتصادية أصبحت صعبةً للغاية في الأردن بعد جائحة كورونا، وندرة العمل، وتخفيض المساعدات المقدّمة من مفوضية شؤون اللاجئين".

وأوضح العلي أن رغبته جاءت رغماً عنه، إذ لم يعد يستطيع متابعة العيش في هذه الظروف، فآثر العودة إلى الأرض التي يمتلكها في بلدته، ليزرعها ويحاول الاستقرار فيها من جديد.

الشعور بالندم

على الرغم من أن من عادوا من أبناء درعا من الأردن، عادوا برغبتهم، إلا أن معظمهم يشعرون اليوم بالندم، فمحافظة درعا، وإن بدت كما يصورها الإعلام أقل تضرراً من الحرب في بعض مناطقها، وأن السلطات الحكومية فيها تقوم بترميم بعض الشوارع والمنشآت، إلا أن العيش فيها بشكل واقعي صعب للغاية، ففرص العمل تكاد تكون معدومةً، والموظفون المفصولون يحتاجون إلى التقدم بطلبات يجب أن تمر بالجهات الأمنية، وخاصةً مكتب الأمن القومي، لينتظروا أشهراً عدة قبل أن تأتي النتيجة بالموافقة أو عدمها، على عودة الشخص إلى عمله الوظيفي، مع العلم أن الرواتب الحكومية لا تكفي إلا لنحو أسبوعٍ من الشهر.

أمل عبد الله، عادت إلى درعا نهاية العام 2018، وتقدمت بطلب للعودة إلى العمل، ولكن تم رفضه، بذريعة أن أحد أبنائها كان ضمن فصائل المعارضة المسلحة، تحاول اليوم الهرب مجدداً إلى الأردن

كذلك لا تزال الأوضاع الأمنية سيئةً، فالاغتيالات لم تنخفض وتيرتها، على الرغم من التسوية الأخيرة، وادّعاء النظام بعودة الأمان، وجرائم القتل والسلب والسرقة في ازدياد نتيجة الفقر، ويضاف إلى ذلك الرعب من المرور على الحواجز الأمنية للنظام، والتي يمكن عبرها أن يتم اعتقال أي شخص بشكل تعسفي.

أمل عبد الله، مدرّسة سابقة فُصلت من عملها بعد خروجها إلى الأردن، وكانت قد عادت إلى ريف درعا الغربي نهاية العام 2018، وتقدمت بطلب للعودة إلى العمل، ولكن تم رفضه، بذريعة أن أحد أبنائها كان ضمن فصائل المعارضة المسلحة، وتؤكد لرصيف22، أنها حاولت العودة إلى الأردن، لكن دون جدوى.

أما أبو حسن، فقد عاد إلى منزله في درعا في العام 2020. يقول لرصيف22، إنه صُدم بالواقع هناك، إذ لم يجد أي عمل مناسب، ويقوم بالعمل في الزراعة كعامل مياومة، وحسب المواسم الزراعية، وبأجور لا تكفي لمعيشته مع عائلته، كما يشير إلى أن الأوضاع الأمنية سيئة جداً، فعمليات القتل بدافع السرقة منتشرة بكثرة، وعمليات السلب على الطرقات أيضاً، مؤكداً أنه نادم على العودة من الأردن.

إعادة إعمار غائبة

لا يزال النظام يردد عبارة عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، ويروّج الإعلام الرسمي لهذا الأمر، إلا أن الواقع يُشير إلى أن ما يحصل هو مجرد تنظيفٍ لبعض الطرقات في مدينة درعا، وهناك عملية خجولة لإعادة صيانة شبكات الكهرباء والماء التي دُمرت خلال الحرب، أما من يعود من أبناء المحافظة، فتقع على عاتقه إعادة بناء منزله، إن كان قد تعرّض للدمار.

يروّج الإعلام الرسمي للعودة وإعادة الإعمار، إلا أن الواقع يُشير إلى أن ما يحصل هو مجرد تنظيفٍ لبعض الطرقات، وعملية خجولة لصيانة الكهرباء والماء

أبو سمير من بلدة عتمان في درعا، يقول لرصيف22، إن منزله دُمّر بنسبة كبيرة خلال الحرب، وكان خلال وجوده في الأردن يعمل ويرسل النقود إلى أخيه لترميم ما تم تدميره، قبل أن يعود إلى بلدته قبل أشهر عدة، موضحاً أنه ليس الوحيد الذي أعاد ترميم منزله على نفقته الخاصة، وإنما كل من عاد كان مثله، ولم تقدّم حكومة النظام أي مساعدة لهم.

ومن ناحية أخرى، لا يزال فيروس كورونا يفتك بأهالي المحافظة، إذ يتم تسجيل وفيات بشكل يومي نتيجة الإصابة به، في ظل غياب أي رعاية صحية في المستشفيات الحكومية، وعدم وجود لوازم للمرضى، كأسطوانات الأوكسجين، حتى في القطاع الخاص، وإن وُجدت فهي مرتفعة الثمن، وهذا أحد الأسباب التي تمنع أبناء درعا من العودة إليها.

صعوبات كثيرة، وعوائق لا تزال قائمةً، تجعل أبناء محافظة درعا يتخوفون من العودة من الأردن، فهناك الكثير منهم يعتقدون بأن عودتهم وعودة كل السوريين اللاجئين في الأردن وغيرها من الدول، يجب أن تتم بتوافق دولي، وحل شامل للوضع السوري، وبرعاية أممية، فهم مواطنون سوريون لا يثقون بالنظام، كما لا يثقون بالجانب الروسي كضامن قصفت طائراته بيوتهم قبل سنوات قليلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard