هل انطلقت مرحلة التضييق على الجمعيات والمنظمات في تونس؟

الخميس 17 مارس 202211:31 ص

ألقت تبعات الإجراءات الاستثنائية التي سنّها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في 25 تموز/ يوليو، بظلالها على جميع السلطات القضائية والتشريعية وقد شملت مؤخراً المنظمات والجمعيات المدنية بعد أن طالب سعيّد بسنّ قانون يمنع التمويل الأجنبي للجمعيات، الأمر الذي أثار مخاوف من المضي نحو التضييق على عمل الجمعيات غير الحكومية، وقمعه والسيطرة على المجتمع المدني بحجة الإصلاح والحد من التمويلات المشبوهة.

وفي اجتماعه بمجلس الوزراء، أكد قيس سعيّد على ضرورة مراقبة تمويل الجمعيات غير الحكومية عادّاً أنها امتداد لبعض الأحزاب والقوى الخارجية، قائلاً: "لا بد من اتخاذ نص يمنع تمويل الجمعيات من الخارج (...) لأنها في الظاهر جمعيات لكنها امتداد لقوى خارجية ولن نسمح بأن تأتي هذه التمويلات إلى الجمعيات للعبث بالدولة التونسية أو للقيام بالحملات الانتخابية تحت غطاء تمويلات أجنبية. لكن لا مجال أيضاً لأن يتدخل فينا أحد وفي اختياراتنا لا بأمواله ولا بضغوطاته. نحن شعب له سيادته وكرامته ولا مجال للتلاعب بالقوانين حتى يتم شراء الذمم وتهريب الأموال عن طريق هذه الجمعيات. سنحيط العملية بكل الضمانات خاصةً بالنسبة إلى المنظمات غير الحكومية، أما الجمعيات التي هي في الظاهر جمعيات فهي امتداد في الواقع لأحزاب أو لقوى".

اتهامات أثارت استياء العديد من الجمعيات التي أعربت عن رفضها القاطع لتنقيح المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات، والذي ينص في بابه السادس المتعلق بالأحكام المالية على أن موارد الجمعية تتكون من اشتراكات الأعضاء والمساعدات العمومية والتبرعات والهبات والوصايا، وطنيةً كانت أو أجنبيةً، كما يحجر المرسوم في فصله الـ35 على الجمعيات "قبول مساعدات أو تبرعات أو هبات صادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات دبلوماسية أو عن منظمات تدافع عن مصالح وسياسات تلكم الدول".

ضرب للمكتسبات

أعربت جمعيات تونسية عدة في بيان مشترك عن مخاوفها من التهديدات التي تطال مبدأ حرية الجمعيات عادّةً أن مشروع المرسوم المنقح للمرسوم المنظم للجمعيات "يمثل انتكاسةً لحرية الجمعيات التي ناضلت من أجلها أجيال، ويخفي في طياته رغبةً في الانفراد بالحكم ونظاماً لا يعترف بوجود القوى المعارضة والأجسام الوسيطة من المجتمع السياسي والمجتمع المدني"، كما عبّرت عن رفضها القطعي لمشروع التنقيح "لما يحمله في طياته من تضييق على حرية تأسيس الجمعيات وحرية العمل الجمعياتي في تونس، كما أقرتها الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل الدولة التونسية".

وقد دعت الجمعيات الموقعة على البيان، ومن بينها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية أصوات نساء وجمعية بيتي، إلى الالتفاف حول التمسك بالمرسوم وتكوين جبهة للتصدي لمحاولات السلطة التنفيذية التضييق على العمل الجمعياتي أو قمعه.

مشروع قانون جديد للجمعيات في تونس يثير المخاوف من أن يكون ضربة جديدة توجه إلى المجتمع المدني وللحريات العامة في البلاد

من جانبه، يؤكد رئيس مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، أمين غالي، أن الهدف الأساسي للجمعيات والمنظمات في تونس هو حماية الحقوق والحريات وعدم المساس بها لأن في المس بالمجتمع المدني تهديداً لهذه المكتسبات خاصةً في هذا الوضع الاستثنائي الذي تمر به البلاد والذي تغيب فيه كل مؤسسات الدولة ومن بينها المحكمة الدستورية والمؤسسة التشريعية.

ويرى غالي، في حديثه إلى رصيف22، أنه لا فائدة من المساس بقانون الجمعيات وتغييره في هذه المرحلة طالما أنه لا يمثل خطراً داهماً، وطالما أن التنقيح الذي تم تسريبه لا يخدم المجتمع المدني في شيء، بل يصبّ في صالح الإدارة التي ستصبح بمقتضى تفعيل هذا التنقيح الرقيب الأول على الجمعيات ولها سلطة تقديرية تخول لها فرض عقوبات على الجمعيات وحلها من دون الرجوع إلى السلطة القضائية، كما تمكّنها من رفض تأسيس الجمعيات.

وأكد المتحدث أن التنقيح يصعّب عملية الحصول على تمويل أجنبي عبر وجوب الحصول على ترخيص من البنك المركزي، في حين أن الجمعيات في تونس تنشط في العديد من المجالات على غرار مداواة مرضى السرطان وتأهيل المساجين وتساعد في توفير النقل ورفع النفايات وترميم المدارس والإحاطة بالتلاميذ، مضيفاً: "لرئيس الجمهورية معاقبة الجمعيات التي لديه ضدها اتهامات واقعية وليس شائعات. الاتهامات التي ذكرها قيس سعيّد هي نفسها التي كان يستند إليها نظام بن علي لضرب الفضاء المجتمعي وتخوين الجمعيات، وهي تؤسس لنظام دكتاتوري".

وختم رئيس مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية بالتأكيد على أنه إذا تم تنقيح القانون عدد 88 المنظم للجمعيات، فإن المجتمع المدني سيتخذ كافة الأشكال النضالية وسيتوقف عن العمل: "تونس تعيش بالمجتمع المدني لأن الدولة تنصلت من مسؤولياتها وبإيقافه سيُضاف 80 ألف عامل إلى قائمة العاطلين عن العمل وستراجع الدول الممولة علاقاتها ودعمها لتونس في ظل غياب الديمقراطية".

تنقيحات بحجة الخطر الداهم

في تونس، يبلغ عدد الجمعيات المدرجة في سجل مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات، 24،216 جمعيةً وفقاً لآخر تحديث له في بداية شهر شباط/ فبراير الماضي، وتنشط هذه الجمعيات في العديد من المجالات الاجتماعية والنسوية والخيرية والرياضية وغيرها.

وعلى الرغم من فكّ القيود التي كانت تكبّل المجتمع المدني قبل الثورة، فإن مسألة مصادر تمويل الجمعيات وطرق توزيعها ظلت هاجس العديد من الحكومات المتعاقبة على البلاد، وقد جُمِّد سنة 2014 عمل أكثر من 150 جمعيةً إبان استشهاد 15 عسكرياً في هجوم شنّه إرهابيون في جبال الشعانبي في محافظة القصرين.

وقد عدّت حكومة مهدي جمعة حينذاك أن الجمعيات التي جُمّد نشاطها يُشتبه في ارتباطها بتمويل أنشطة إرهابية أو تلقيها تمويلات من الخارج من دون تصريح بذلك وفق ما يقتضيه المرسوم عدد 88 المنظم لعمل الجمعيات.

بعد السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، هناك محاولات لتقزيم دور المجتمع المدني بهدف تقييد حركته وتكريس الحكم الفردي والهيمنة على كل السلطات والهيئات الدستورية

ويرى المحلل السياسي بولبابة سالم، أن تونس انتقلت إلى مرحلة التضييق على الجمعيات على الرغم من أنها رديف للدولة على المستوى الاجتماعي والإنساني، وقد أنجزت العديد من المشاريع التنموية خاصةً في الجهات الداخلية، مضيفاً أن تونس رائدة منذ السبعينيات في مجال العمل الجمعياتي.

ويضيف المتحدث: "بعد السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، هناك محاولات لتقزيم دور المجتمع المدني بهدف تقييد حركته وتكريس الحكم الفردي والهيمنة على كل السلطات والهيئات الدستورية التي تم حلّ أغلبها"، مشيراً إلى أن الحجة دائماً هي "الخطر الداهم والجاثم والذي كان يتمثل في البرلمان ثم أصبح في القضاء والآن في الجمعيات وفي المستقبل سيكون في الإعلام والأحزاب وغيرهما".

وأكد المحلل السياسي وجود توجه نحو تجفيف منابع التمويل الأجنبي، كما أقرّ بوجود شبهات أو إخلالات في التمويل، لكن ليست كل الجمعيات منخرطةً فيه: " لا يجب تعميم الأنشطة المشبوهة. هناك جمعيات هي بمثابة واجهة لأحزاب يمكن التعامل معها ضمن إطار القانون وتحديدها والابتعاد عن التعميم".

مشروع تنقيح المرسوم المسرب

إذا كانت صياغة المرسوم عدد 88 لتنظيم الأحزاب قد تمت بنفس تحرري يفتح المجال أمام المجتمع المدني للنشاط بكل حرية ومن دون قيود، فإن النسخة المسربة لتنقيحه تحمل في طياتها تضييقات يرى البعض أنها خطوة إيجابية نحو القطع مع التمويلات المشبوهة المجهولة المصادر والغايات، ويضع حداً أمام طفرة الجمعيات. فيما يرى البعض الآخر أنها انتكاسة جديدة تمهد لقمع العمل الجمعوي وتأسيس لمرحلة جديدة تجهز على ما تبقى من المكتسبات.

وينص الفصل العاشر من المرسوم المنقح حسب الوثيقة المسرّبة على أنه "يمكن للإدارة المكلفة بالجمعيات برئاسة الحكومة، عند التعارض الواضح بين النظام الأساسي للجمعية ومقتضيات الفصول 3 و4 و10 من هذا المرسوم، أن تتخذ مقرراً معللاً في رفض تكوين الجمعية، وذلك في غضون ستين (60) يوماً من تاريخ تسليم المكتوب المشار إليه أعلاه. ويكون مقرر الرفض المرسل للجمعية بمثابة إرجاع لبطاقة الإعلام بالبلوغ"، وتبعاً لذلك فإنه يشترط الحصول على الموافقة من الإدارة لتكوين جمعية في حين أن فصل المرسوم الحالي ينص فقط على الإعلام في تكوين جمعية.

ويمنع الفصل 35 من مقترح القانون "المنقح" على الجمعيات، "قبول مساعدات أو تبرعات أو هبات أجنبية غير مرخص لها من اللجنة التونسية للتحاليل المالية".

ومن جملة التضييقات الأخرى التي يطرحها المرسوم "المنقح" هي اشتراط وجود مصلحة لدى الجمعية للتمتع بحق النفاذ إلى المعلومة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard