الاستشارة الوطنية في تونس... إقبال ضعيف وسعيّد يتهم المعارضة بالسعي إلى إجهاضها

الجمعة 11 مارس 202212:33 م

قبيل تسعة أيام من انتهاء أجل الاستشارة الوطنية التي دعا إليها الرئيس التونسي قيس سعيّد، شارك 324،387 مواطناً فقط فيها، وهو رقم ضئيل ومحتشم يعكس عزوف التونسي عن المشاركة.

ضعف الإقبال على المشاركة في الاستشارة عزاه رئيس الجمهورية خلال لقائه بوزير تكنولوجيات الاتصال إلى الصعوبات الفنية التي تعترض المواطنين والناتجة عن الخيارات الفنية التي وجب تذليلها، وهو ما دفع إلى قرار بفتح الإنترنت مجاناً في عطلة نهاية الأسبوع، لمنح أكبر عدد من المواطنين إمكانية المشاركة فيها. من جهتها رأت المعارضة أن الشعب التونسي استجاب لدعوتها إلى مقاطعة هذه الاستشارة وعدم الإقبال عليها.

أسباب ضعف المشاركة

في الوقت الذي تطالب فيه الأطياف السياسية بإجراء حوار وطني جامع، حدد رئيس الجمهورية جدولاً زمنياً للخروج من الحالة الاستثنائية، وأعلن عن إطلاق استشارة وطنية تُعنى أساساً بجمع مقترحات حول إصلاحات سياسية لتتم على ضوء نتائجها صياغة مقترحات دستورية ومشاريع قوانين تأسس لمرحلة جديدة. وقد كشفت الإحصائيات التي تم تحيينها على بوابة الاستشارة ضعفاً فادحاً في إقبال المواطن التونسي على هذه الاستشارة يطرح أكثر من تساؤل حول أسباب هذا العزوف ومدى إمكانية التأسيس للمرحلة القادمة بناءً على نتائجها.

وقد عزا المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، الضعف الحاصل في الإقبال على الاستشارة إلى العديد من العوامل وأهمها إطلاق الاستشارة على منصة إلكترونية، في حين أن أغلب المواطنين التونسيين لا يتفاعلون مع سبر الآراء على الإنترنت، بالإضافة إلى كثرة الأسئلة، "30 سؤالاً"، وهو رقم كبير من شأنه أن ينفّر التونسي من الإجابة عليها جميعها.

قبيل تسعة أيام من انتهاء أجَل الاستشارة الوطنية التي دعا إليها الرئيس التونسي قيس سعيّد، شارك نحو 325 ألف مواطن فقط. فما أسباب العزوف عنها؟

كما فسر الجورشي العزوف الحاصل بالطريقة التي اعتُمدت من قبل رئاسة الجمهورية التي تفتقد حملة توعية وحواراً يمكّن المواطن من أن يعيش أبعاد الاستشارة بالإضافة إلى أن نوعية الأسئلة فضفاضة ولا جدوى من طرحها وتؤسس للبرنامج الذي يريده رئيس الجمهورية حتى أنه سبق نهاية الاستشارة وأعلن عن نتائجها بما يتماشى مع قناعاته والمشروع الذي ينادي به.

وشدد المحلل السياسي في حديثه إلى رصيف22، على أنه لا يمكن البناء على هذه الاستشارة لأنها لا تعكس الرأي العام التونسي والبناء عليها سيكون مجازفةً، قائلاً: "ارتفاع عدد المشاركين في الاستشارة سيكون بمثابة المعجزة... نحن نتابع بكل دهشة العمليات التي يقومون بها من قبيل تجميع الطلبة المهم إشراكهم في الاستشارة وهي ممارسات تذكرنا بالعهد السابق ولن يترتب عليها وعي سياسي بل هي بمثابة تسطيح للعمل السياسي".

من جهته، رأى المحلل السياسي فتحي الزغل، أن فكرة الاستشارة التي أطلقها رئيس الجمهورية غير واقعية وغير قابلة للتطبيق في مسألتها التكنولوجية، لأن الشعب التونسي ما زال يؤمن بالتعامل المباشر أكثر من التعامل الرقمي.

وتابع محدث رصيف22: "من الناحية السياسية هذا الفشل الذريع للاستشارة الوطنية انعكاس صريح لرأي الشعب الذي يريد أنصار الرئيس الحديث باسمه، فأغلب التونسيين رفضوا المشاركة في الاستشارة وكأنهم يعبّرون عن رأيهم ضد ما حصل يوم 25 تموز/ يوليو"، مضيفاً أنه إذا كان العزوف عن المشاركة استجابةً لدعوة المعارضة، فهذا دليل على أن المعارضة لها صوت في الشارع أكبر من صوت رئيس الجمهورية بألف مرة، أما إذا كان العزوف عن المشاركة بصفة تلقائية فهذا دليل على أن لكل أفراد الشعب كلمةً في ما يحدث وهو ما يُسمّى بالأغلبية الصامتة التي لا تعبّر عن رأيها في الوقت بل خلال الأحداث المتسارعة.

وأضاف الزغل: "منطقياً، إذا قلنا إنه يمكن البناء على نتائج الاستشارة، فهذا يعني التراجع عن قرارات 25 تموز/ يوليو، وبما أن ذلك مستحيل فلا نستبعد إمكانية التزوير أو النفخ في النتائج أو حتى إلغاء الاستشارة وتعويضها بآليات أخرى لا تعكس إرادة الشعب. يجب أن توقف الاستشارة ما حصل يوم 25 تموز/ يوليو".

سعيّد يتهم المعارضة

أقرّ الرئيس التونسي بوجود صعوبات تعترض المواطنين خلال محاولات المشاركة في الاستشارة الوطنية مشيراً إلى وجود أطراف تريد "تكميم الأفواه وإجهاض هذه التجربة الأولى من نوعها في تونس"، في اتهام ضمني للمعارضة التي كانت قد دعت مناصريها إلى مقاطعة الاستشارة وعدم الاعتراف بها. وتعليقاً على التهم التي تم توجيهها إلى المعارضة، قال النائب المجمد هشام العجبوني، إن "قيس سعيّد يبرر فشل الاستشارة بمنطق المؤامرة ومحاولات بعض الأطراف تكميم الأفواه وإجهاض التجربة الاستشارية العظيمة!"، على حد تعبيره.

من الناحية السياسية هذا الفشل الذريع للاستشارة الوطنية انعكاس صريح لرأي الشعب الذي يريد أنصار الرئيس الحديث باسمه، فأغلب التونسيين رفضوا المشاركة في الاستشارة وكأنهم يعبّرون عن رأيهم ضد ما حصل يوم 25 تموز/ يوليو

وأضاف في تدوينة له أن قيس سعيّد قرر وحده من دون استشارة أحد القيام بالاستشارة، وعيّن وحده الأطراف المشرفة على تنفيذها تقنيّاً وسخّر وحده كل أجهزة الدولة والحكومة لإنجاحها وسيحدد وحده اللجنة المشرفة على التأليف وصياغة الأفكار وبعد نحو خمسة أسابيع وعدم استجابة التونسيين لها، يبرر الفشل بالمؤامرة.

من جهته، كتب السياسي عصام الشابي، في تدوينة له: "بعد تحميل مسالك التجويع والذين يريدون التنكيل بالشعب مسؤولية فشل منظومة 25 تموز/ يوليو في السيطرة على الأسعار وتوفير المواد الأساسية للمواطن، ها هو اليوم رئيس الجمهورية يحمّل الذين 'يريدون تكميم الأفواه وإجهاض التجربة'، فشل استشارة شعبية على منصات إلكترونية يتم التعبئة لها بواسطة ‘البرّاح’ والحملات التفسيرية".

وسائل الدعاية للاستشارة تثير الجدل

نظراً إلى ضعف الإقبال على المشاركة في الاستشارة الوطنية، انتهجت الحكومة التونسية طرقاً شتى للترويج لها والدفع نحو المشاركة فيها. وقد واجهت هذه الطرق انتقاداتٍ لاذعةً خاصةً عند دعوتها مديري المعاهد إلى حث التلاميذ داخل المؤسسات التربوية للمشاركة في الاستشارة في تعدٍّ صارخ للفصل 53 من القانون الانتخابي والذي ينص على أنه "يحجر توزيع وثائق أو نشر شعارات أو خطابات متعلقة بالدعاية الانتخابية أو بالاستفتاء وذلك مهما كان شكلها أو طبيعتها في الإدارة والمؤسسات والمنشآت العمومية، من قبل رئيس الإدارة أو الأعوان العاملين فيها أو منظوريها أو الموجودين فيها. وينطبق هذا التحجير على المؤسسات الخاصّة غير المفتوحة للعموم".

وقد عبّر الفرع الجامعي للتعليم الثانوي في قبلي، عن استهجانه ورفضه دعوة المدراء من قبل السلطات الجهوية والمحلية لحثهم على الدعاية للاستشارة داخل المؤسسات التربوية، معلناً عن رفضه كل أشكال التوظيف السياسي للمؤسسات التربوية.

كما دعا برنامج ديني يُبث على القناة الرسمية "الوطنية الأولى"، إلى المشاركة في الاستشارة الوطنية وهي دعوة أثارت موجة انتقادات حادة مناهضة لتوظيف المرفق العمومي وخاصةً البرامج الدينية في السياسة.

منظمات على الخط

أقرّت منظمة "أنا يقظ" في ندوة صحافية لها، بفشل الاستشارة الوطنية استناداً إلى ضعف عدد المواطنين المشاركين فيها، معربةً عن رفضها عدم إشراك الخبراء والمجتمع المدني في صياغة الاستشارة الوطنية.

كما رأت المنظمة أن غياب التشاركية من بين أسباب فشل الاستشارة، ولو تم إشراكها لكانت لعبت دورها في توعية المجتمع وتشجيعه على المشاركة.

وسبق للمنظمة أن دعت المواطنين إلى عدم الولوج إلى موقع الاستشارة نظراً لغياب ضمانات حماية المعطيات الشخصية، معربةً عن "تخوفها من غياب الشفافية في العلاقة بالأشخاص الذين قاموا ‘بالتطوع’ من أجل تطوير المنصة ووضع الأسئلة والمحاور وطريقة اختيارهم".

من جانبه، أكد المركز التونسي المتوسطي في ندوة صحافية خصصها لتقييم مشاركة النساء في الوسط الريفي والمناطق المهمشة في الاستشارة الوطنية، أن أغلب المشارِكات لا علم لديهن بالاستشارة، والبقية يعتقدن أنها استفتاء سياسي. وبيّنت النصيري أن المشارِكات يعبن تقديم الجانب السياسي في الاستشارة على التعليم والصحة، وأن السياسة لا تمثل أولويةً بالنسبة إليهن.

كما لفتت رئيسة المركز أحلام النصيري إلى وجود صعوبة في الولوج إلى الاستشارة خاصةً وأن المناطق الريفية تشكو من غياب شبكة الهاتف فما بالك بشبكة الإنترنت؟ مضيفةً أن كل النساء المستجوَبات لم يشاركن في الاستشارة وقليلات منهن لديهن نية المشاركة.    

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard