الخبازون والحكومة... صراع على قوت الشعب الجزائري

الأحد 13 مارس 202205:36 م

هذه معركة ينتصر فيها طرف واحد، بالنسبة للخبازين؛ هي قضية بقاء. أما الحكومة؛ فتراها خطاً أحمر يتعلق بأهم مكوّن في قفة المواطن.

الحديث هنا عن محاولات لا تهدأ من طرف الخبازين الجزائريين، لرفع سعر رغيف الخبز نحو خمسة دنانير، أو ما يعادل 50% من السِعر المقنن من طرف السلطات العليا في البلاد، ما أحدث جدلاً واسعاً داخل المجتمع، فالزيادة التي تبدو بسيطة بالنسبة لأصحاب المخابز؛ هي بمثابة ضريبة قاسية تضاف لجيب الجزائري المُرهق، وتزيد من انهيار قدرته الشرائية.

كرٌّ وفرٌّ في معركة رفع الأسعار

محاولات رفع سعر رغيف الخبز لم تكن وليدة اليوم، فهي امتداد للقرار الذي اتخذه الخبازون بشكل فردي بمعزل عن الحكومة منذ بداية السنة الجديدة، حيث تفاجأ المواطنون بزيادة أسعار الخبز من 10 إلى 15 دينار جزائري في مناطق مختلفة من البلاد.

ذلك القرار قوبل حينها برفض قاطع من السلطات ( السعر الحقيقي هو 8.5 دينار ويباع ب 10 دينار)؛ ما دفع اتحاد الخبازين الجزائريين إلى التحذير من زيادات وصفها بـ:غير المشروعة وغير القانونية"، مع تقديم وعود بالوصول إلى حل يلبي جميع مطالب وانشغالات الخبازين.

ويبرّر أصحاب المخابز هذه الزيادات الجديدة بأنها "عادية" مقارنة بقلّة الربح الذي يجنيه الخبازون في الجزائر، نظراً "للفوضى الكبيرة في المهنة"، خاصة في توزيع السجل التجاري وتنظيم عملية البيع.

هذه معركة ينتصر فيها طرف واحد. بالنسبة للخبازين، هي قضية بقاء. أما الحكومة؛ فتراها خطاً أحمر يتعلق بأهم مكوّن في قفة المواطن

يدير محمد مخبزة بمنطقة بوشاوي غرب العاصمة الجزائرية، ويؤكد في حديث مع رصيف22: "المهنة تدهورت كثيراً، لأن العامل أو الخبّاز يعمل بدون فائدة. وأصحاب المخابز لا يجنون مدخولاً كبيراً منذ ارتفع عدد المخابز بالآلاف بدأ من 1996، من دون مراعاة شروط توزيع السجل التجاري".

امتدادا للأزمة، يؤكد عدد كبير من الخبازين أن مهنتهم في خطر، بعدما بات شبح الإفلاس يلاحقهم يحيلهم على البطالة، في ظل غياب حلول جذرية واضحة لمشاكلهم.

ويقول عمر عامر رئيس اللجنة الوطنية للخبازين لرصيف22: "الإحصائيات الموجودة على الورق، تكشف أن هناك 24 ألف مخبزة، لكن مع تراجع مداخيل الخبازين، أحصت مصالح وزارة التجارة ميدانيا 8 آلاف مخبزة تنشط حالياً، في حين توقفت 16 ألف مخبزة أخرى عن النشاط، وذلك مؤشر خطير ينذر بوقوع أزمة خبز في البلاد مُستقبلا، وهذا ما لا نتمناه".

التحايل لا يفارق المخابز

تفادياً لخسارة مهنتهم وإغلاق محلاتهم، يلجأ بعض الخبازين إلى طرق غير مشروعة يصفها البعض بالاحتيال، لتعويض قلة أرباح صناعة الخبز.

ويتجه كثيرون لصناعة الهلاليات أو "الكرواسون" والحلويات بشتى أنواعها، من المواد المدعمة الموجهة لصناعة الخبز حصراً، كما يتم خلط القمح اللين أو "الفرينة" المدعمة بمواد أخرى كالسميد، وعرض رغيف الخبز الهجين بأسعار مضاعفة، بصفته خبزاً محسناً، المعروف في الجزائر بـ"البريوش".

كما يتحايل الخبازون أيضا في طريقة البيع وتنظيم ساعات العرض، فيعرض الخبز المدعم لمدة محدودة قبل أن ينفذ في وقت مبكر، يجبر المواطن على شراء ما لا يريده مرغماً بثمن أغلى.

ومع رفض الحكومة لزيادة الأسعار، عادة ما يفرض عدد كبير من الخبازين منطقهم في تحدٍ غير مباشر، بإلزامية بيع كيس البلاستيك بـ5 دنانير، حتى ولو جلب المواطن معه كيسه الخاص.

وفي ظل القبضة الحديدية بين الحكومة والخبازين، يجد المواطن الجزائري نفسه ضحية معركة تضعه أمام أزمة حقيقية، لاسيما ذوي الدخل المحدود، فالزيادات بالنسبة لهم هاجس يؤرقهم بشدة، وهذا ما يؤكده مبارك، الذي يقطن بولاية بسكرة جنوب شرق الجزائر، وهو موظف يتقاضى راتباً بسيطاً لا يتجاوز 30 ألف دينار جزائري ( 214 دولار أمريكي). يقول مبارك لرصيف22: "محاولة فرض هذه الزيادات في مادة أساسية لا يستغني عنها المواطن كالخبز، أمر مقلق حقاً خاصة أمام تراجع القدرة الشرائية في آخر ثلاث سنوات، والتي أضافت أعباء ثقيلة، على الطبقة الفقيرة والمتوسطة".

ويتقاسم الممرض المتقاعد الحاج أحمد، نفس القلق مع جاره مبارك، قائلاً: "الزيادات في الأسعار لا مبرر لها، خاصة في ظل الوضع الراهن، ووجب أن لا يتجاوز سعر الخبز 15 دينار لرغيف الخبز المحسن، وأي زيادة فوق هذا السعر، ستكون تبعاتها وخيمة على العائلات البسيطة، التي يمثل رغيف الخبز بالنسبة لها، العمود الفقري في مائدة طعامها".


تبون يتدخل

طيلة السنوات الماضية، اعتمدت السلطات نظام الضريبة على رقم الأعمال والأرباح التي يجنيها الخبازون، وسط تذمر أصحاب المهنة ودخولهم في إضرابات بين الفينة والأخرى، مع محاولات لفرض الأمر الواقع على المواطن والسلطة، بزيادات غير مشروعة في الميدان.

أمر يرفضه الرئيس تبون، الذي قرر تطبيق نوع جديد من الضرائب، يزيح العبء عن كاهل الخبازين ولا يرهن رغيف خبز المواطن، مؤكداً في لقائه الأخير مع ممثلي الصحافة الجزائرية: "ابتداء من نهاية شهر مارس (أذار)، لن يدفع الخبازون سوى الضريبة على الأرباح، بعدما كانت الضرائب تفرض على رقم الأعمال والأرباح معاً، وهذا الإجراء يهدف إلى استقرار سعر الخبز، لحين إصدار تعديلات اخرى تتطلب وقتا أكبر.

ورغم ما وصفه المراقبون بحسن نية الرئيس، غير أنهم يتوقعون تواصل القبضة الحديدية بين الخبازين والحكومة، في ظل ارتفاع قيمة المواد الأولية الموجهة لصناعة الخبز.

سعر الخبز الزهيد الذي يمثل 0.07 دولار فحسب، والاقتناء فوق الحاجة اليومية ومن دون تخطيط، ينتهي بنسبة كبيرة من الخبز في القمامة

"إلغاء كافة الرسوم على الخبازين ما عدا الضريبة المتعلقة بالأرباح فحسب، يخفض التكاليف، لكنه غير كاف لوضع حل نهائي لهذا الصراع الموجود بين الحكومة والخبازين حول سعر الخبز، وننتظر الكثير من القرارات والمقترحات من الجانبين للوصول إلى حل يرضي الطرفين".

هكذا عقّب الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، على قرارات إلغاء الرسوم من طرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ويضيف في تصريح لرصيف22: "إنتاج الخبز لا يعتمد على القمح الصلب أو الليّن فحسب، فهناك مصاريف عديدة أخرى تشهد زيادة وارتفاعاً منذ سنوات، كالكهرباء، ومستحقات العمال، ومصاريف الكراء، ومتطلبات المنتوج في حد ذاته، كالملح، والماء والخميرة وغيرها".

ويختتم النائب البرلماني السابق تعليقه قائلاً: "قرار الرئيس مؤشر يظهر نية السلطات العليا في البلاد في إيجاد حلول مستقبلية بشأن سعر الخبز، ورغم هذا أرى أن المرحلة القادمة، ستشهد شداً وجذباً كبيراً، بين الخبازين والحكومة، للوصول الى حل نهائي".

350 مليون دولار في القمامة

تصنع المخابز الجزائرية ما مقداره 50 مليون وحدة خبز يومياً، وهذا انعكاس لمدى نهم المواطن الجزائري بالخبز، وعدم قدرته على التخلي عنه كعادة متوارثة منذ زمن الإستعمار.

وتتزايد هذه الأرقام أكثر في شهر رمضان الكريم، ما يضع الجزائريين كأحد أكثر الشعوب استهلاكا للخبز في العالم.

وبلغ استهلاك الجزائريين للقمح خلال الموسم الماضي قرابة 11 مليون طن، بحسب إحصائيات رسمية، فيما يبقى الإنتاج المحلي من الحبوب غير كافٍ، إذ يتجاوز قليلاً معدل 3 ملايين طن سنوياً، وهذا لا يلبي سوى حاجة 34% من الجزائريين.

ولخلق التوازن بين النمط الاستهلاكي المفرط والانتاج الضعيف، تحولت الجزائر إلى واحدة من أكبر الدول استيراداً للقمح في العالم، حيث تحتل المرتبة الثالثة عالمياً والثانية عربياً بعد مصر، بما يقارب 7 ملايين طن سنوياً، تستوردها من روسيا وأوكرانيا وليتوانيا والأرجنتين وفرنسا (سابقاً قبل توتر العلاقات السياسية)، وتكلّف هذه الكمية خزينتها قرابة 2 مليار دولار.

تشكل نسبة القمح الموجه للمخابز 60% من المخزون الذي تستورده الجزائر أو تنتجه، وهو دعم مباشر من الدولة لمادة الخبز، في ظل الاستهلاك المفرط المرفوق بظاهرة غريبة، شبهها الرئيس تبون سابقاً بإشعال النار في ملايين الدولارات.

فالجزائريون يرمون في القمامة ملايين من قطع الخبز يومياً، في ظاهرة غريبة تعكس حال المجتمع، فسعر الخبز الزهيد الذي يمثل 0.07 دولار فحسب، والاقتناء فوق الحاجة اليومية ومن دون تخطيط، ينتهي بنسبة كبيرة من الخبز في القمامة.

ويكشف يوسف قلفاط رئيس اتحادية الخبازين الجزائريين لرصيف22، عن "أرقام مرعبة وخسائر باهظة تتسبب فيها ظاهرة إسراف وتبذير الخبز" مصرحاً: "عشرة ملايين خبزة ترمى يومياً في النفايات، وفي شهر رمضان يصل العدد إلى 13 مليون خبزة يومياً، بمعدل سنوي من الخسارة يبلغ 350 مليون دولار. للأسف هذا حال المادة المدعمة من طرف الدولة، مآلها المفرغات العمومية، وجزء منها تستفيد منه المواشي والحيوانات".

بينما يشدد رئيس جمعية حماية المستهلك مصطفى زبدي لرصيف22، على أن "معدلات التبذير الجماعي" بلغت مستويات خطيرة قائلاً: "نوعية المواد المستعملة في تحضير الخبز، وكذا كيفية التحضير، تلعب دوراً كبيراً في ظاهرة التبذير. ولكن الملاحظ بأن التبذير الجماعي في المطاعم يفوق بكثير تبذير العائلات للخبز. ونحن نضاعف جهودنا، رفقة شركائنا، للحد من هذه الظاهرة السلبية التي تضر بالخزينة العمومية".

سم قاتل

بعيداً عن الجدل القائم حول محاولات رفع سعر الخبز، خطر أكبر يحدق بالجزائريين، حيث تشير الدراسات العلمية الحديثة أن القمح اللين المستعمل في إنتاج الخبز الأبيض الذي يباع في المخابز، يحمل مواد كيميائية وينتج جزيئات تحفز سلوك الإدمان وتنعش الشهية بشكل قوي، ما يؤدي لاحقاً للإصابة بأمراض مزمنة عديدة، أبرزها السمنة والسكري والضغط الشرياني، حيث شدد وزير الصحة الجزائري السابق، محمد ميراوي، على "ضرورة مراجعة النمط الغذائي للمواطن"، ملاحظا أن القمح اللين هو الأكثر استهلاكا في الجزائر، باعتباره المصدر الأساسي لمادة الخبز، محذرا من الإفراط في استهلاك الخبز، بالنظر إلى تداعياته السلبية على صحة الفرد.

يعتبر الجزائريون شعباً مُستهلكاً للخبز، ومفرطاً لدرجة مرضية في أكله وتبذير، وهو ما يدق ناقوس الخطر مع ارتفاع جنوني لفاتورة استيراد الحبوب بالعملة الصعبة، المدفوع بالحرب في أوكرانيا، وتداعياتها على سعر الحبوب في السوق العالمية، والذي بلغ مستوى قياسياً منذ 2008، بسعر 11 دولار للبوشل (البوشل = 27 كلغ) سيما وأن المخزون الجزائري الحالي من القمح، يكفي إلى غاية سنة 2023، مع توقع أن تشهد الجزائر خلال السنة الحالية تراجعاً حاداً في الإنتاج المحلي من الحبوب، قد يصل إلى النصف مقارنة بالعام الماضي ( في حدود 1.5 مليون طن)، بسبب حالة جفاف تضرب البلاد منذ ثلاث سنوات، وتوصف أنها الأعنف منذ ثلاثين عاماً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard