أين أنصبُ خيمتي الجديدة؟

الأحد 13 مارس 202212:25 م

يرن هاتفي:

- قوم الدنيا خربانة! شفت الأخبار؟

مهاتفة كهذه أمر طبيعي جداً في العائلة، فنحن لا نمارس السياسة كرفاهية أو هواية، هي على تماس مباشر مع تفاصيل حياتنا اليومية. كلاجئ أتابع الأخبار، كما أتابع حالة الطقس، محتاطاً من أي بللٍ قد يهدد خيمتي.

في الشاشة حقائب جديدة وُضِبَت على عجلٍ، وأقدامٌ جديدة تركض، وخوفٌ قديمٌ مألوف. قبل سنواتٍ كنتُ أنا الراكض، لكن المرعب في القصة هو أنني إلى الآن لم أصل. نعم وصلت جسدياً إلى السويد، وقُبل طلب لجوئي، لكن أحدهم لم يزل يركض في داخلي ولا أدري أين يقصد؟

في دراستي الأولى خارج مخيم اليرموك في دمشق، كنت في عمر الثامنة عشرة. في الجامعة كان احتكاكي اليومي الأول كطالب فلسطيني مع آخرين سوريين. في أحد الأيام سألتني زميلة جديدة: أنت بتعيش بخيمة؟ بدءاً، ظننتُ أنها تسخر مني، لكن بعدما أدركت أنها جادة استغربت من مقدار جهلها مكاناً يبعد عن جامعتها ربع ساعة بالسيارة. أجبتها:

- أي بسكن بخيمة، ومربي جمل، حافر له بير، مشان شربه!

كان ذلك قبل أن أدرك نظرة الآخرين للمخيم. ما كنت أعرف أنا الذي نشأتُ في شوارعه - حيث كنا نمجده على أنه فلسطين الشتات – كيف يراه الآخرون، وكيف يصفونه بأنه بؤرة للمشاكل ومكان مليء بالزعران! كان جيراننا والبيئة المحيطة مكاناً لا يُسمح بزيارته لأبناء الكثيرين ممن هم خارج المخيم.

يومها شعرت أن هناك فراغاً غير مرئي يفصل هذا المكان عما يجاوره. بعد ذلك صارت هذه الفراغات تتكاثر مع كل انتقال.

قبل سنواتٍ كنتُ أنا الراكض، لكن المرعب في القصة هو أنني إلى الآن لم أصل. نعم وصلت جسدياً إلى السويد، وقُبل طلب لجوئي، لكن أحدهم لم يزل يركض في داخلي ولا أدري أين يقصد؟

لكل مدينة فراغاتها، جدران البيوت في كل حي هي أكتاف سكانه! تراصوا وتحابوا. هذا ما يصيح به خطيب المسجد كل صلاة، وهذا ما فعلته بيوت الشام القديمة، فهل كان ذلك حباً؟ لا أظن! فنحن لا نُحب من نخشاهم، وهذا طبيعي. الكل في تلك الشوارع كان يخاف كلام الناس، والمقصود بالناس كل من هو خارج أفراد عائلتك الصغيرة.

لم تقتصر الفراغات على الطبقات الإجتماعية، الأصل أو العرق. في الواقع كانت هناك فراغات كثيرة بين أبناء البيت الواحد أيضاً. أنا من جيل الثمانينيات ونحن نعرف جيداً الأقنعة، تلك التي كنا نلبسها كلما دخلنا بيوتنا. كان القناع مفتاح السر بين عالمين. أحدهما بين الفرد ونفسه والآخر بينه وبين المحيطين به. نحن نتاج مرحلة القمع الذي بدأ ضد أهالينا. إذ كبرنا في بيوت يتهامس سكانها إذا ما نطقوا اسم الرئيس، ويصفقون مبتسمين في الاحتفالات حين يسمعونه. قانون صفوفنا الدراسية اعتاد مقولة: العصا لمن عصى! سمعناه مرات على عدد شعر رأسنا. نطأطئ رؤوسنا كلما تكلمنا مع المدير، والمدرس، والأب، والجد. نبدأ حياتنا كقطيع من طلائع البعث لننتهي أعضاءً عاملين في صفوف الحزب. نحن لم نعش أطفالاً، بل نشأنا مجندين.

لم أحب العصا يوماً، كنتُ أخافها ولو أنني أخفيت ذلك، كثيرة هي المرات التي تعرضت للعقاب دون معرفة السبب ودون أن يشرح لي أحدهم مثلاً ما أهمية شريطة صفراء كلّفتني الكثير من العصي على يدي، وزحفة البطة مرات ومرات في باحة المدرسة شتاءاً، لكنني فهمت أن علي وضعها على شعري وإن كنت لا أريد. من هنا تبدأ المعرفة في تلك البلاد، هناك قناع يجب أن ترتديه لتصير نسخة عن الآخرين وإلا فستعاقب إلى آخر يوم من عمرك! في النهاية، استسلمت. فالبرد يجعل الأمور أصعب. كما أن أمي غضبت من تكرار تمزق ركبة بنطال البدلة العسكرية المدرسي. اشترت لي واحداً جديداً ولأنني أعرف ضيق الحال حرصتُ على عدم تمزيق ركبة الجديد. فاشتريت الشريطة الصفراء ولففتها على رقبتي بدلاً من أن أضعها على شعري. لم أستطع الاستسلام لشيء لم أكنه تماماً. حين رأتني المعلمة المناوبة ابتسمت. أدركتْ أن هذا كل ما استطيعه. فاقتنعت بقناع بغير مكانه لكنه موجود بكل الأحوال. لم تكن الأقنعة حصراً على المدرسة ولباسها العسكري. فالشارع له أقنعته أيضاً، وللبيت كذلك!

نطأطئ رؤوسنا كلما تكلمنا مع المدير، والمدرس، والأب، والجد. نبدأ حياتنا كقطيع من طلائع البعث لننتهي أعضاءً عاملين في صفوف الحزب. نحن لم نعش أطفالاً، بل نشأنا مجندين.

في دول النظام الواحد البيوت متشابهة، في اللغة الإنجليزية كلمة home تعني البيت كما تعني الوطن. فهل كان وطني بيتي؟ ما هو البيت؟ في دول النظام الواحد الخالد البيوت متشابهة حتى بالفقاعات التي يختبئ السكان داخلها. كانت لنا حياتنا السرية التي نخفيها عن العائلة وقيود الحرام والعيب فيها. النظام الشمولي يوحد كل شيء حتى الأسرار ولو لم نكن نتشاركها. أدركت ذلك بعد خروجي من البيتين، الأول هو المنزل والثاني هو الوطن.

كان الخوف لغة مشتركة تظهر ترجمتها واضحة في نفاق سلوك الحياة اليومية، في التفاصيل الدقيقة، في المجاملات، في الرضى المصطنع، في غرف الضيوف النظيفة دائماً والمغلقة لسكان المنزل مهما كان ضيقاً. لماذا أهتم برفاهية ضيفي وأنا أعيش القلة؟ لماذا يجب أن أخفي معاناتي أمام من يفترض أن يكونوا أهلي أو أصدقائي؟ في الأعراس كم خبأ مكياج الصبايا قلوباً تعشق شباناً آخرين، وجوهاً وعلامات الضرب فوقها؟ أبو الشباب الذي يحب صديقه ويجلد روحه بوصف أجساد البنات المارات كي لا يبصر قلبه أحد. فأي وطن ذاك وكيف له أن يكون البيت؟

لم تكن الحياة سهلة لكنها كل ما عرفناه واعتدناه وألفناه. كنا تمرّنا على التعايش ضمنها وخلقنا فقاعاتنا نهرب إليها ونلعن الظروف ونحلم بالتغيير. اليوم بعد كل هذا السفر نشتاق لها ولنا، لبراءتنا التي كانت قبل أن نصير رواد أقنعة جديدة في بلاد الآخرين.

هنا صارت لنا أقنعة جديدة

لكل مدينة قلبها. تشكيل البيوت في كل حي انعكاس لعلاقة السكان بعضهم ببعض.

بدلت مسكني في السنوات الست الأخيرة إحدى عشرة مرة، لم أشعر بأي منها أنه بيتي. ست سنوات كسائح! هنا صارت لنا أقنعة جديدة نلبسها كلما خرجنا لشوارع الثلج، أقنعة تخفي خوفنا، وأشواقنا، وضعفنا، وشرك الأنا والهوية. من يجلس خلف تلك النوافذ المغلقة؟ من نحن دون أقنعة؟

في المهجر هناك من جعل بيته كتف شخص آخر، بينما سكن آخرون في العالم الافتراضي، والكثيرون بنوا أعشاشاً هشة للهرب إليها في دخان سيجارة كسروا فيها الكثير من آلامهم مع ما يلفونه. بين طربوش جدي وبرنيطة جاري الجديد أين

أفرد رأسي بكل حقائبه؟ أين أنصب خيمتي الجديدة؟ كم مرةً دفعتُ نفسي واختبأتُ خلفها كي أكون حقيقياً قدر المستطاع؟.  

في المهجر هناك من جعل بيته كتف شخص آخر، بينما سكن آخرون في العالم الافتراضي، والكثيرون بنوا أعشاشاً هشة للهرب إليها في دخان سيجارة كسروا فيها الكثير من آلامهم مع ما يلفونه

كلفني كسر حاجز الخوف سنواتٍ كثيرة، ربما سُرقت الثورة وهي لا تزال خُدجاً، لكنها، بلا ريب، مزقت كل الأقنعة التي يعشش العفن فوق ابتسامتها المزيفة.

على الشاشة، يخرج الأوكرانيون هاربين مع القليل مما يمتلكونه، يحملون قططهم وحيواناتهم الأليفة كما خرج السوريون. وفي كلتاالحالتين هؤلاء من يدفعون الثمن. نحن خرجنا مع ثلاث سلاحف صغيرة. ولحسن الحظ كانت هذه السلاحف تحمل بيوتها على ظهورها، وهذا ما حسدناها عليه.

الرسم المرافق للنص من أعمال ورد زرّاع.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard