المخرج "فجر يعقوب" يكتب يوميات لجوئه من مخيم اليرموك إلى ستوكهولم

الاثنين 16 نوفمبر 202012:28 م

يجدل المخرج السينمائي فجر يعقوب في سيرته الروائية التسجيلية "ساعات الكسل يوميات اللجوء" (دار كنعان للدراسات والنشر 2020) حكايته مع قوارب الموت التي انطلقت من بحر إيجه في تركيا إلى أرخبيلات اليونان سنة 2015، وتفاصيل الرعب في تنقلاته من أزمير ومهرِّبيها وتجّار الأعضاء فيها، إلى أثينا ومطارها وعسكرييها، حتى وصوله إلى ستوكهولم، في ثلاث ضفائر: شعرية، أسطورية وسينمائية.

فهو لا يرغب لتلك اللحظات التي عاشها أن تفلت من بين يديه، ولأنه لا يمتلك رفاهية حَمْل كاميراه الوثائقية، استبدل لقطاته السينمائية وزواياها بـ "عين القلم وقلبه"، مدوِّناً مشاعره وحرارة مشاهده بطريقة مغايرة هذه المرة، من دون أن يتخلى عن جماليات السرد السينمائي، بل مسخِّراً إياه في معمار روائي على درجة عالية من الحساسية الإنسانية لكل لمحة أو حلم أو اشتهاء أو وجل. إذ أراد -كما يقول- أن يستعيد "وهم العلاقة بالخضوع لمشاعر غريبة، ومترددة في الحب". لاسيما أن كل شيء من حوله بدا مثل "خطأ شائع ومكرر"، وليهدّئ من روعه ومخاوفه، أقنع نفسه بمقولة لابيقور: "ما دمت موجوداً، فلا موت، وإذا جاء الموت، فلا وجود لي، لا داعي إذن للتفكير في أمر ليس لي به شأن وأنا حي".

حكاية المخرج السينمائي فجر يعقوب مع قوارب الموت التي انطلقت من بحر إيجه في تركيا إلى أرخبيلات اليونان سنة 2015، وتفاصيل الرعب في تنقلاته من أزمير ومهرِّبيها وتجّار الأعضاء فيها، إلى أثينا ومطارها وعسكرييها، حتى وصوله إلى ستوكهولم

بلاغة الملح

الشعر يحضر في ثنايا السرد كثيمة متوهجة، مرة باستعادة سيرة الشاعر الرومانسي بايرون، الذي عبر البحر بملابس مهترئة إلى اليونان لمقاتلة الأتراك المحتلين، وكتب ديوانه "ساعات الكسل"، منصتاً كما قال فجر، لـ "طرقات قلب حبيبته في مكان بعيد من قبل أن يولد المسنجر الأزرق الشرير بزمن طويل جداً. لم يكن الملح قد اكتشف بلاغته في حفظ جثث اليتامى، إن هم غاروا في أعماق البحر".

ومرة من خلال الإيغال في تحليل شاعرية ضوء الشمعة، ومحاولة حل لغز لهب خَيْطَيْها بترقب فلسفي ضمن سعي لحل لغزي الحياة والموت، كما أوعزت لـعقوب كتابات بعض الفلاسفة، وفي طريق ذلك تثوير لهب الحب ومعاني العزلة، ما جعل صاحب فيلم "تغريبة ثقافية" يكتب في يوميات لجوئه: "لن يمكنني أن أحب كما كنت أحب حين أشعل الشمعة، وأطل بها من الثقب المفتوح في الجدار". "لهب الشمعة أخذ أبعاداً خالدة. لن يزول بسهولة"، وأيضاً "لم أسأل من قبل عن انطفاء الشمعة المحير. هل كانت حياتي رهينة إلى هذا الحد حتى تنطفئ في رحلة مقدرة نحو مسقط رأس فيثاغورث لسؤاله عن مآلات الروح بعد فناء الجسد؟! من قال إن لهب الشمعة المندفع في ثقب الجدار هو السبب في إنهاء قصة حب.. سوف أصحح الفكرة. لم تكن قصة حب، كانت بذرة الوهم التي انطفأت مع توهج ذلك اللهب الملعون. ربما أرادت الشمعة أن تكمل حلمي بالعزلة، فاشتعلت من تلقاء نفسها في تلك الليلة الصافية. صارت ترشدني نحو قدري الجديد بين فينة وأخرى".

الدفاع عن مجازات الحياة

ولأن القصائد هي ملخص عذابات شاعرها، سعى يعقوب لأن يتخفف منها، عبر دمجها بالسرد، فجاءت لغته مقطَّرة بالشِّعر الذي تعلم من دروس التخفي فيه كيف يصبح روحاً خفيفاً في كل شيء، وكيف يدافع عن مجازاته في الحياة، لاسيما في ظروف العزلة الإجبارية التي كان يعيشها في برزخه، بين الدمار الذي حل بغرفته ضمن "مخيم اليرموك" في دمشق وانتهاء بالجنة التي سينقله إليها أحد سماسرة تهريب البشر، ما استدعاه أحياناً لـ"استخدام خيال الآخرين" كحيلة للنجاة من مخاوفه، وتمثُّلات الرعب المختلفة في تفاصيل رحلته، هنا يصبح الشعر قارب نجاة يحلو السَّفر به، لاسيما عند استحضار من يحب، وهو ما يجعل لغة صاحب فيلم "السيدة المجهولة" تتوهج كلما مرَّت ذكرى صديقته "س.. Suzan Meryem Rosita" التي أهدى إليها وثيقته الأدبية هذه، وكتب لها فيها: "لا شيء يبدل من حنكة اللغة إلا بهاؤك"، "جلت بخاطري على مصير خارق يسيل من بين أصابعي في العراء"، "تتساوى البلاد في لحظة العبور إلى فوهة اللا مكان"، و"خُيِّل إلي أنني أمتلك حواس ذئب، وأنني أسمع بعض الآهات وراء جدران الطين السميكة. ابتسمت ببرود. هذا مطمئن، فقد انصرفوا إلى آهاتهم ورغباتهم، ولن يلقوا بالاً لرغباتي المنفلتة في تهجئة حدس اللحظة".

الفقراء هم "فوسيدون"

"تهجئة حدس اللحظة"، تماماً هذا ما فعله المخرج يعقوب في توثيق مشاعره المستَفزّة ضمن رحلة لجوئه، ولأن المران على ذلك يتحلّى بالحكايات، قام بتوشية روايته بالأساطير. إذ ذكَّره ركوب القارب المطاطي "البلم" بالأسطورة الرومانية التي تقول إن على الموتى أن يعبروا نهر ستايكس بقوارب خاصة بهم، وعليهم أن يتزودوا بالمال من أجل دفع الأجرة للمشرفين على القوارب، حتى يسمح الكلب المتوحش سريبيروس للموتى بالوصول إلى قاضي الموت، كما شعر في مكان آخر بأنه أوديسيوس الذي غضب منه إله البحر فوسيدون فحكم عليه بالفناء المائي، يقول: "في رحلة بحرية من ساعتين أو ثلاث في زورق مطاطي لزج يمكن لأي جسم منتفض أن يشعر بحكم مؤبد في الماء. لن تكون هناك عافية إن تبدد الحكم بأقل من إهانة مزدوجة للكائن الأرضي في التحامه المؤقت- الأبدي بإله البحر فوسيدون، تفادياً لغضبه من حكم أشد قسوة بتحويله إلى كائن مائي أزلي. الفقراء الذين يغامرون بكل شيء ليعبروا المضائق المميتة والمالحة بغرائزهم الإلهية. كل واحد فيهم هو فوسيدون، مع تبدل طفيف في شكل الرمح الأبدي. جربت أن أقول شيئاً عن الرمح الخارق الذي يحمله في مواجه شقيقه، العدو الرائع زيوس، تنفيذاً لرغبة والدهما الجبار كرونوس".

"في رحلة بحرية من ساعتين أو ثلاث في زورق مطاطي لزج يمكن لأي جسم منتفض أن يشعر بحكم مؤبد في الماء... الفقراء الذين يغامرون بكل شيء ليعبروا المضائق المميتة والمالحة بغرائزهم الإلهية... كل واحد فيهم هو فوسيدون، مع تبدل طفيف في شكل الرمح الأبدي"

شلل ثقافي

الضفيرة الثالثة في ما كتبه يعقوب كانت في عينه السينمائية الخبيرة التي ترصد كل نأمة، كل شبه محتمل، كل إحساس، وكأنه يكتب سيناريو ألمه المعجون بالفقد والعزلة الخوف، والأهم المشحون بالعاطفة تجاه كل الأحداث والشخصيات، ما يجعل مقاربته لحبكته السينمائية أشبه بدوامات البحر التي لا تهدأ، مذ راقه التفكير بالوصول إلى جزيرة ساموس لسببين اثنين: ولادة عالم الرياضيات فيثاغورث الساموسي فيها، وهروبه منها بعد اصطدامه بحاكمها المستبد بوليكراتس، فهو مثلاً لم يعرف لماذا استعاد مقاطع متتالية من فيلم "الخالدة" لآلن روب غرييه في إحدى اللحظات، يقول: "كانت الحادثة التي تودي بحياة البطلين تقع في المستقبل. لم يكن ممكناً معرفة أيهما يتخيل موت الآخر: البطل أم البطلة في تركيا المعاصرة؟ بدت الصورة القوية مجرد إشارة ملهمة عن حادثة لا تلغي من السرد الحكائي إلا ما يمكن نثره في قيمة فنية جديدة.

تلك القيمة الفنية هي ما نجح صاحب فيلم "وحدن" في تكريسها ضمن وثيقته الروائية، باثَّاً ما أصابه من قلق وحيرة و"شلل ثقافي" في بعض المواقف التي لم يستسلم لها، بل أعاد تدوير مشاعره لتتأقلم مع حاله الجديدة، دافعاً كل ظنون السوء إلى منفاها في قلبه وعقله، حتى أنه لجأ إلى إخراس صوت حدسه الذي يخبره بأن الحرب واقعة لا محالة في كل مكان يمضي إليه، لكنه كان ينشغل بكل شيء ما عدا أي شيء متعلق فيها، أو في الموت الذي يترصَّده في أي خطوة يخطوها باتجاه جنّته الموعودة، مع يقينه بأن "كل الأصوات التي تنزّ من ذاكرتي، وتصعد بالأنين لا تساوي صوتاً واحداً تركته خلفي على سطح غرفة مخيم اليرموك"، وكأنه يدافع عن وجوده بالأفكار الشاعرية وتحليلاته الفلسفية للقطة السينمائية التي تدور في باله، ولم يزعزع مكانتها في روحه الواقع المضاد، إذ حافظ على محبته مثلاً لجزيرة ساموس رغم ما قاله له أحد سماسرة التهريب: "يجب أن تعرف أن هذه الجزيرة بالذات منطقة عسكرية، أو سجن عسكري، وليست معادلة رياضية عن المثلث الذهبي للحب والمشاعر كما يخيل إليك، ويعاملون اللاجئين فيها بلؤم". وحتى الموت صار يراه حالماً، وبعيداً كل البعد عن مأساويته التقليدية، إذ كتب: "لم تكن إغواء للحظة الهاربة التي يشكو منها الشاب العراقي السمين. حتى البحر في تقلباته المخيفة لم يكن صورة فنتازية من الصورة المشاعة عنه في مخيلاتنا الرخوة. من بين كل أربع زوارق مطاطية ينقلب واحد، ويودي بركابه إلى الأعماق. هناك بشر معاندون لأقدارهم يعبرونه كالمسيح رويداً، وبشر ينامون فيه، وفي الحالين يبدو الحلم فاتناً أكثر من الرعب الذي ينتشر فوق الموج إن انقلب الزورق نتيجة خلل ما".

وشايات الفرح

الحلم كتميمة كانت وسيلة يعقوب لتخطي مخاوفه، وسانده في ذلك أيضاً الحب الذي يبزغ عند كل مفترق في سيرة لجوئه، كما حدث مع جارته اليونانية التي يطل على شباك غرفتها من شرفته، وعن حالته لمرآها كتب: "وسط هذه الهذيانات كان يخيل إليّ أن الفتاة الإغريقية وحدها يمكن أن تمر حافية فوق السور القديم المكتمل، وعلى حوافه المشتعلة يمكن أن تعيد تأثيث فورة الجسد في رقة لا تعرفها إلا نساء الشام. جسد الفتاة البعيدة كان إشارة على تحولات كبيرة في هذه المدينة، وأنا أعتقد أنه حتى بعد مغادرتي لأثينا لن أغفل أبداً كامل علاماته تحت الضوء، وفي تباينات الظل التي كانت تفرضها الشمس الحامية على فصل الصيف".

مثل وشايات الفرح تلك هي ما خففت من "تصدع اللاجئ المقيم بداخلي منذ ولدت" كما يقول، ورغم يقينه بأن ما حدث في أثينا مع تلك الفتاة "بذرة حب لم تكتمل"، لكنها كانت تدفع بنشوة مستمرة في حبه للحياة، وزاد من تلك النشوة تخلُّصه نهائياً من الخوف بعد محاولة مجهولين المتاجرة بكليته، وكانت نجاته من مباضعهم بعدما أخبرهم بأنه لا يمتلك سوى كلية واحدة بعدما أكل السرطان الأخرى، وأنهم لن يستفيدوا شيئاً من موته، واعتبر تلك الحادثة بمثابة إزالة لغدة الكظر الثانية المسؤولة عن بث أنزيم الخوف في جسده وعقله وقلبه، يقول: "لم أعد أشعر بالخوف أبداً. كنت أقف من قبل في منتصف ظلال الشعور. أخاف نصف خوف. وأتمتع بكل نصف يخطر ببال مخلوق. زالت هذه الأحاسيس المتبرجة بنصف العتمة التي تحيط بحياتي بعد انقضاء الليلة لم أنته من مراقبة السيروم المتدفق في شراييني العمياء. أردت أن أعيد العملية من ألفها إلى يائها، حتى أدرك متعة خروجي من سفر الموت".

تلك المتعة تكررت أكثر من مرة عند يعقوب: بعد سقوطه في الماء قبل وصوله إلى الجزيرة اليونانية، وتخبطه في الماء لأربع ساعات كأنها دهر، إلا أن اللمبة الصغيرة المعلقة في سترة الإنقاذ التي أضاءت من تلقاء نفسها، تخيَّلها تصدر أنغاماً واسته حتى وصوله بر الأمان، كما أن تغيير لون شعره إلى الأشقر ليعبر مطار أثينا بجواز سفر مزيف على أنه بلغاري الجنسية، كان بمثابة تجسيد شخصية موازية في فيلم حياته، لتأتي المفارقة التراجيكوميدية من خلال رغبته بقتل جاره الذي يجلس بجانبه، حين سأله بلكنة عراقية مميزة، وهو يقهقه: "الأخ عربي؟".

يختم فجر يومياته بالقول: "لقد عشت اللحظة التي فهمت فيها أن ركوب البحر لن يمر بالسهولة التي تحدث فيها الأشياء. أما كيف سأقضي حياتي بعد ذلك، فلم يكن مهماً بعد إعادة صوغ الوهم في المحطة تلو المحطة، وليست إزمير وساموس وأثينا وسالونيكي سوى محطات عابرة في تشكيل هذا الوهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard