لو أستطيع حمل المخيم كله إلى فلسطين

الأربعاء 2 يونيو 202102:33 م


أن تكون فلسطينياً لاجئاً يعني أن يظهر عليك شيء ما؛ غَبش في العيون، أو ارتفاع في حدة الغضب، أو نوع من الهندام الخاص بك، أو ربما سمرة تحملها وحدك. هذه هي الكلمات التي خرجت من فم إحداهن، بينما كانت تتأملني وأنا جالسة في مقابلة عمل للمرة العاشرة، وأُرفض كوني لاجئة فلسطينية. شعرت بالإهانة، لكني أصرّيت على عدم الرد، واكتفيت بابتسامة تشبه ابتسامات المعتقلين الفلسطينيين على يد الاحتلال. الابتسامة التي تقول للعالم أجمع: "ما هوي هيك يا إحنا، يا إحنا... وهاي ضحكة".

المواقف نفسها تتكرر، بينما أحمل لجوئي، ووثيقتي البنية، وأدخل السفارة الألمانية على أمل استصدار فيزا، فتقابلني الموظفة بتحقيق يشعرني لوهلة أنني مسؤولة عن دمار العالم، وعن تسونامي، وجدار الفصل العنصري، والحرب على العراق، وأفغانستان، وغيرها... وفي النهاية ترمي لي الوثيقة، وتقول لي كلمتها المعهودة: "الوثيقة لا تساعدك على نيل الفيزا بسهولة. فلسطينية، وتحلمين بالسفر؟"، فأبتسم لها كما تعودت دائماً. أحياناً يصيبني دوار خفيف بعد الابتسام، فأذكر بعض الأبيات الشعرية التي أحب، وأداوي نفسي بمنقوشة أبي العبد في مخيم برج البراجنة. أنام متعبة على الوسادة العتيقة على سطح بيتنا، وتنام أحلامي معي.

من يومها اكتشفت أن الوسيلة المثلى لمحاربة كل المواقف التي تذكّرني باللجوء، هي الابتسام

اليوم الأول الذي اكتشفت فيه أنني لاجئة كان غريباً جداً. كنت مع أبي ننتظر في صف طويل "كرتونة الإعاشة". الشمس كانت حارقة، وأبي تركني ألهو بالقرب منه، بينما غرقت عيناه في الصف الطويل. يدخّن نصف سيجارة، ويضع النصف الآخر في جيبه. كلما تقدمنا قليلاً، دفع بي والدي إلى الأمام. وفي لحظة واحدة تغيّر الكون بالنسبة إلي. صعد صراخ من الصف الطويل لامرأة عجوز: "إحنا صرامي. يعني على شان لاجئين، ليش تذلونا؟". ظلت تلك الصرخة في رأسي مدوية. "إحنا لاجئين"، والعالم ليس كما اعتقدت: مخيماً كبيراً، وجميعنا فيه متشابهون.

من يومها اكتشفت أن الوسيلة المثلى لمحاربة كل المواقف التي تذكّرني باللجوء، هي الابتسام. أبتسم لسائق التاكسي إن سبّ الفلسطينيين. وأبتسم لصديق يحلل اختلاف الداخل الفلسطيني عن المخيم. وأبتسم إن عرفت أن هناك انتخابات قادمة في أرضنا، وأتعامل مع الموضوع بشكل مريب، أنا المتورطة في السياسة منذ الولادة، أقفز على الكنبة كلما تململت البلاد من ثورة ما مفاجئة. أبكي أطفالنا الشهداء هناك، وأبكي أطفالنا الذي يموتون في المخيمات من أسلاك الكهرباء. وتمر الأحاديث عن الانتخابات في بلادي أمامي، ولا يحق لي المشاركة فيها لأنني لاجئة.  

اللجوء مرض يشبه انفصام الشخصية، بل يكسر الشخصية إلى جزئيات صغيرة، حتى لا يبقى منها شيء. أمشي في المخيم، وعيني على عكا، وبالي في دفعات شهرية، وفي خوفي من دخول المشفى الوحيد في المخيم، حتى لا أموت ببساطة. لا أدوية كافية، ولا وجود لمحاولات مستمرة للحياة. والموضوع الأكثر غرابة هو مقبرتنا في المخيم التي لم تعد تتسع لأموات جدد. أين سأدفن إن مت غداً؟ ليس سهلاً أن تُدفن خارج المخيم. "يعني إنت وجيبتك المليانة"، كما يقول أبو محمد بائع الخضار في المخيم. يستوقفني كلما رآني ليقول لي: "يا أستاذة، ألن يجدوا حلاً للأموات الجدد في المخيم. والله فلسطين راح تتحرر، والأموات الجدد لن نجد لهم مكاناً".

أبتسم وأنا أكتب هذا المقال الكئيب عن اللجوء. فالكهرباء مقطوعة منذ يوم تقريباً. جارتنا مصرّة على وجود عطل ما. تبدو مقتنعة أن النظام كله مهتم بكهربائنا، ومياهنا المالحة، وكثرة الجرذان في زواريبنا. لا أحد يسأل عنا سوى أنفسنا.

أن تكون لاجئاً، هو أن تولد داخل بؤرة من الغضب المستمر، أو الرفض حيال تصنيفك في العالم أجمع على أنك لاجئ. ما هو هذا المعنى الذي يصنّفني كإنسان؟ كيف أكون لاجئاً؟ هل ينقصني شيء ما؟ هل أنا عاجزة هكذا أمام العالم إلى درجة أن أُصنَّف بسهولة غبية منذ لحظة قدومي الى العالم؟

وُلدت من حكاية أبي المولود في عكا. حاربت الكثيرين الذين رددوا رواية الاحتلال القائلة إن الفلسطينيين باعوا أراضيهم. والدي لم يبع أرضه، ولا عمتي، ولا جدتي. أمي تقول إن الإسرائيليين دخلوا البيوت، وقتلوا أصحابها، وأبي ركض نحو الجنوب خائفاً. ألا يحق لنا أن نخاف؟

ورثت غضب والدي من الاحتلال. ورثت غضب أمي من الفقر. وصببت غضبي كله على اللجوء.

أود يوماً لو أعيش حقي في الاختيار. أن أختار العيش في عكا، أو السفر منها. ربما كنت سأختار حياة المخيم، لا أعلم. لكنني ولدت هكذا، بلا خيار. وأكثر ما يؤلم حقيقة، أنك تجلس أمام التلفاز عندما تشتعل انتفاضة ما في الداخل الفلسطيني، ولا تقوى على فعل شيء. أنت من هناك، وتعلم أن لك جزءاً من الحكاية تركه والدك هناك. تشرب كأساً من الماء، وتكتفي ببعض المظاهرات داخل مخيمك، وتسكت.

أكثر ما يؤلم حقيقة، أنك تجلس أمام التلفاز عندما تشتعل انتفاضة ما في الداخل الفلسطيني، ولا تقوى على فعل شيء. أنت من هناك، وتعلم أن لك جزءاً من الحكاية تركه والدك هناك

أود لو أستطيع حمل المخيم كله إلى فلسطين، وأعيش هناك مع فجر، وياسمين، وعلي، وأبي توتة، وريشة، وأم محمد، وغيرهم... أود لو أذوق طعم الشارع الذي هو ملكي، ولي. لا أشعر بهذا الانتماء في شوارع بيروت إلا نادراً. فأنا أخاف أن أنطق اللهجة الفلسطينية في بعض الأماكن لأنني أعرف كمّ الأحكام المسبقة التي قد تنزل على رأسي. وأخاف الجلوس في الشوارع طويلاً، فقد يمرّ شرطي، ويسألني عن هويتي. هويتي التي لا يتّسع لها جيبي، والمكتوبة بخط اليد. أخاف أن أحلم. الذين مثلنا لا يحلمون بدراسة الطب، أو المحاماة، أو غيرها من المهن. فنحن، ولكي تكتمل معنا، لا يحق لنا ممارسة كل هذه المهن. أحاول ألا أقول لابني الصغير إنه لن يستطيع ممارسة الطب عندما يكبر. ولن يستطيع ممارسة الصحافة والتعليم. لا يحق له أن يمتلك بيتاً، ولا يحق له التنفس خارج مخيمه المتعب. لا أقول له شيئاً، وأكتفي بالابتسام.

لا أريد أن أرمي صواريخ على الاحتلال، ولا أن أقوم بحرب ضد كل من هو عنصري تجاه هويتي. فأنا اخترت الابتسام. أعتقد أن هذه البسمة تشعرني، كما يقول والدي، بفلسطين كلها. أود أن أؤمن أن الذي يحدث في فلسطين اليوم، هو ثورة حقيقية. جلسنا طويلاً في المخيم أمام التلفاز، وقام صديقي الملحد بالصلاة لحماية الشبان الثائرين هناك. وزّعنا الحلوى فرحاً. تظاهرنا في مخيماتنا، وتظاهرنا لأنفسنا. لكن شيئاً ما بداخلي لم يعد يريد القبول بكل هذا المنطق. الثورة في اللد، وعكا، والقدس، والناصرة، وحيفا، وغزة، والضفة، وغيرها، تخصنا جميعاً. علينا إما حمل مخيماتنا إلى الداخل، أو الوقوف على الحدود. نحن في المخيم خارجون عن الوقت. الوقت الذي كان يمر بهدوء في بلادنا. وحينما أُجبرنا على الخروج منها، علقنا في مخيمات تعيش خارج الوقت، لا أكثر.

يقول صديق لي شاتماً: "بتحس حالك يا زلمي قاعد ورا التلفزيون عم تحضر اللي عم يصير، وكأنك عم تشوف مباراة فوتبول. بدك تنط وتلعب معهم. الفرق يا صديقي إنو اللعبة في فلسطين هذه المرة هي لعبة للحرية". وحدها الحرية هي اللعبة التي لا تخسر، وإن تآمر العالم كله عليها. هي لا تخسر. هي نحن. فلسطين تحرِّرنا، وهذا يطول شرحه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard