سلفية الخطاب وعسكرته عند قيس سعيد

الأحد 13 مارس 202201:52 م

يمثل الخطاب السياسي واحداً من الممكنات الهامة لدراسة مرحلة سياسية معينة، فتحليل خطاب القائد يكشف طبيعة النظام من ناحية، ويكشف مدى نجاحه في ضبط أسسه ومتانتها من ناحية أخرى، ويعطي البرهان على مدى نجاعته ونجاحه في تحقيق أهدافه التي وجد من أجلها. ولكنه أيضاً كاشف للطبيعة النفسية للقائد وتركيبته العصبية، وفاضح، عبر عملية التلقي، لسيكولوجية الجماهير التي تتلقى ذلك الخطاب.

في الأنظمة الشمولية المستقرة، أو الديمقراطية المستقرة، يمكننا تحليل الخطاب في تعدده على ألسنة القائمين على شأن ذلك النظام مهما كانت طبيعته، لأن هناك اتفاقاً على تلك  الطبيعة، لكن في الأنظمة المهزوزة، كالديكتاتورية الناشئة، ينفرد بذلك الخطاب القائد وحده، لأنه الحاكم وحده، بينما تلوذ أياديه بالصمت والعمل على تنفيذ خطابه.

ومنذ نجاح قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية سنة 2018 بتونس، استعار خطاباً خاصاً يعكس توجهه السياسي في الحكم. الطابع السلفي الثقافي تحت عنوان التأصيل، والطابع العسكري الحربي.

لا عاقل اليوم يشك في أن السند الوحيد لقيس سعيد منذ 25 تموز/ يوليو هو الجيش، وأن الانقلاب حدث بمشاركة الجيش، وهو يستمر اليوم بحمايته، ولا يمكن أن ينتهي حسب بعض المحللين إلا بموقف جديد من الجيش التونسي

السلفية الثقافية

تنعكس هذه النظرة للثقافة عبر استطرادات قيس سعيد التي لا تنتهي، مع كل استضافة لمسؤول أو ضيف أو مناسبة، حيث يلوذ قيس سعيد بالماضي ليدلل على صحة آرائه، ضارباً عرض الحائط بالواقع والراهن والمتغيرات والتطور وحتى الماضي القريب، فبدأ الأمر عبر استدعائه للنصوص التراثية، الأدبية منها على وجه التحديد، للسخرية من منافسيه، فكان يعود كل مرة إلى أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، كالإشارة إلى ابن القارح أثناء استقباله الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، حيث ردد عليه عبارة ابن القارح الشهيرة، في البحث عن نجاة من النار ودخول الجنة متسللاً: "ست إن أعياك أمري احمليني زقفونة"، وكان يتهم عبرها بعض الأحزاب بمحاولة التسلسل للحكومة أو القصر الجمهوري، وكانت هذه الكلمة محل سخرية كبيرة  تحولت لازمة مرتبطة بقيس سعيد.

 كان قيس سعيد قد أشار قبلها، في المناظرة الرئاسية، إلى المتنبي والإخشيدي، ليبرّر عدم امتلاكه أي برنامج يعد به الشعب، لأنه لا يريد أن يعده بأشياء لن يحققها، كما فعل كافور الإخشيدي للمتنبي، وتركت الجماهير فحوى الخطاب الانتخابي المضاد والخطير، عدم وجود أي برنامج للرئيس، لتلتقط كلمة "الإخشيدي"، معجبة برنة حروفها وغرابتها، لتخلعها لقباً عليه دون أن تعي أن خطابه كان ضد سلوك الإخشيدي. وهذا يعكس وعي الجماهير والشعبوية التي حرّكت قصة صعود قيس سعيد للسلطة.


ثم سكن  قيس سعيد في جريدة "الشباب" لمحمود بيرم التونسي التي أدارها في ثلاثينيات القرن الماضي، وصار يشهر على التونسيين وعلى منافسيه كل مرة نسخة من نسخها، ليدلل على صحة قراراته أو يسخر من معارضيه، وبدأ اللجوء إلى  محمود بيرم التونسي قبل انقلاب 25 تموز/ يوليو، وكان أيضاً مثار سخرية من التونسيين لأن البلاد لا تتحمل مثل هذه الخطابات وتضييع الوقت في دروس ما قبل الاستقلال. وكان بدأها بعرض صور كاريكاتورية من الجريدة لوضع البلاد قبل الاستقلال، وينسب الرسوم إلى محمود بيرم التونسي، وينشر تلك الصور مع راشد الغونشي في يوم وطني، عيد الشهداء 9 نيسان/ إبريل 2021 على صفحة رئاسة الجمهورية، بتعليق "رئيس الجمهورية يطلع كل من رئيس مجلس نواب الشعب و رئيس الحكومة على صورة كاريكاتورية يعود تاريخها إلى سنة 1936 نشرت في جريدة الشباب وضعها محمود بيرم التونسي"، وهي ليست كذلك، كما صحّح له الرسام الكاريكاتوري توفيق عمران يوماً، وأصلحت له أخطاءه في مناسبة ثانية الدكتورة ابتسام الوسلاتي، صاحبة كتاب "محمود بيرم التونسي، الصورة وفتنة المتخيل".

ظل قيس سعيد مغرماً بالرصاص ومعجم القتل، حتى وهو يؤكد أنه لم يتعرض للمعارضين، فيتساءل في خطابه: "هل أعدمنا أحداً بالرصاص؟" وكأن الأمر جائز وهو الرؤوف الرحيم، أو كأن التنكيل بالمعارضين لا يأتي إلا عبر الرصاص، في الوقت الذي تابع العالم كله إجراءاته التعسفية بحق معارضيه

وبعد أن قاطع الجميع ولم يعد يستقبل أحداً، صار يُجلس رئيسة حكومته ليجلدها بقراءة مقالات من جريدتي "الشباب" و"الصواب" التين كانتا تصدران في عشرينيات القرن الماضي، ولم تعد الاستشهادات عفوية تأتي في سياقات الكلام، بل صار يجنّد لها الموظفين في القصر لطباعتها وتكبيرها وبروزتها وعرضها، وصارت تلك الشطحات جزءاً من الممارسة السياسية، ولم تعد جزءاً من الخطاب فحسب. وهو ما أحدث سخطاً لدى الشعب الذي ينتظر حلولاً للفقر وانهيار المقدرة الشرائية، بينما الرئيس يهدر الوقت في استعراض الأرشيف الوطني للصحف في كل مناسبة، كمثل هذا اللقاء الذي يقضي فيه الرئيس قرابة ثمانية دقائق في تهجئة مقال في جريدة "الصواب" بتاريخ 30 تموز/ يوليو 1920.


أو  قراءته لمقطع من كتاب مقدمة ابن خلدون على وزيرة العدل ورئيسة الحكومة في حديثه عن الاحتكار، قبل أن يتوقف ويأخذ في سرد التاريخ وسيرة ابن خلدون.

ويبدو أن قيس سعيد فشل في أن يقرصن الخطاب الإسلامي  في أول محاولة، عندما أخطأ في نسب عبارة لصحفي إلى القرآن .

ثم سقوطه في خطأ كبير في نسبة المثل العربي "قل الحق ولو كان على نفسك" إلى الله، واعتباره آية قرآنية، لينسحب من رهانه الديني، حتى أننا لم نعد نراه يصلي في المساجد كما كان يفعل قبل 25 تموز/ يوليو.

 ظل هذا الخطاب محل تندر وامتعاض من المتابعين، باعتباره خطاباً مثقلاً بالشحوم، لا يناسب المرحلة التي يفترض أن يكون فيها الخطاب والفعل متناغمين، ويتحليان بالدقة والسرعة لإنقاذ البلاد من الإفلاس والفوضى. غير أن هذا الخطاب يبقى أقل وطأة من خطاب آخر يعكس تركيبة أخرى لشخصية الرئيس، وهو الخطاب الحربي.

قيس يعيد وعسكرة الخطاب

كتب غسان كنفاني ساخراً يوم  3/4/ 1965: "هؤلاء الّذين يتنكّرون بالخاكي. لأسباب تحتاج إلى دراسة دقيقة، يصادف دائماً أنَّ المدنيين الذين يلبسون البدلات العسكريَّة، ويتصوّرون وهم واقفون في داخلها، يبدون وكأنَّهم مدعوون إلى حفلة تنكريَّة ، والمشهد الطّازج لهذا الموضوع هو الأستاذ أحمد الشّقيري، حيث لا تبدو البزّة العسكريَّة أداة تنكرية فقط، ولكنّها تبدو غريبة بعض الشّيء، كرجل قفز إلى داخلها مباشرة من منصّة الأمم المتحدة!".

لا عاقل اليوم يشك في أن السند الوحيد لقيس سعيد منذ 25 تموز/ يوليو هو الجيش، وأن الانقلاب حدث بمشاركة الجيش، وهو يستمر اليوم بحمايته، ولا يمكن أن ينتهي حسب بعض المحللين إلا بموقف جديد من الجيش التونسي، وربما هذا ما يفسّر طبيعة خطاب الرئيس قيس سعيد، واستعانته بمعجم عسكري حربي لا يتوقف عن ترديده، كان في البداية موضوع تندر هو الآخر قبل أن يتحول إلى كابوس خطابي ينذر بمستقبل مظلم للسياسة في تونس.

اليوم بعد أن محا قيس سعيد كل المؤسسات الحقوقية والدستورية والقضائية، وصار الحاكم بأمره، وكلما التفتنا إلى تونس، حضر في أذهاننا المثل المصري الشهير "خربها وقعد على تلها"، فمن سينقذ تونس من كل هذا الخراب ويعيد للخطاب السياسي سلميته وللمواطن أمنه وحريته؟

كثيراً ما ردد قيس سعيد قبل انقلاب 25 تموز/ يوليو: "الصواريخ  على المنصات جاهزة للإطلاق" و"الصواريخ على منصات إطلاقها وتكفي إشارة واحدة". ولئن كانت الصواريخ هنا استعارة لما جهّز من قرارات، أولها الانقلاب وبعدها الملاحقات والمحاكمات، إلا إن هذا الخطاب لا يفتأ يتعاظم، والمعجم الحربي يتراكم على لسانه، في مغازلة واضحة لجهة الدعم الوحيدة: الجيش.

وهدد يوم انقلاب 25 تموز/ يوليو خصومه أو من قال إنهم قد يطلقون رصاصاً، وهذا السيناريو لم يحدث أبداً، بأنه سيتصدى لهم بوابل من الرصاص، وكأنه كان في حاجة للحديث عن الرصاص للترويع، فاختلق له ذريعة، وقد فنّدت مزاعمه المعارضة إلى الآن بمقاومتها السلمية.


وظل قيس سعيد مغرماً بالرصاص ومعجم الحرب والقتل، حتى وهو يؤكد أنه لم يتعرض للمعارضين، فيتساءل في خطابه: "هل أعدمنا أحداً بالرصاص؟"، وكأن الأمر جائز وهو الرؤوف الرحيم، أو كأن التنكيل بالمعارضين لا يأتي إلا عبر الرصاص، في الوقت الذي تابع العالم كله الإجراءات التعسفية، من اعتقالات  للمعارضة من سياسيين وصحفيين وكتاب وبرلمانيين، ووضع الآخرين في الإقامة الجبرية ومنع الأغلبية من السفر والتنقل.

بدا لنا، من خلال بعض التأمل في معجم قيس سعيد الخطابي، شوق إلى الدم ورغبة في سفكه، وكأنه يبحث فقط عن ذرائع، وربما يعكس هذا أيضاً عقدة  قديمة في عدم إشباعه وهو طفل بألعاب الحرب، من مدرعات ومسدسات ورشاشات، وهذا موكول للمؤرخين والنفسانيين.

لكني لأول مرة، كالعديد من المعارضين، تمنيت أن أكون مخطئاً، وتمنيت أن أكون أسأت التقدير يوم 25 تموز/ يوليو 2021، عندما أعلن الرئيس التونسي انقلابه التدريجي. فالوضع التونسي من الهشاشة بما يكفي لانهيار البلد برمته مع أي مغامرة سياسية أخرى، بعد فشل انتفاضة 2011، ككل الانتفاضات الأخرى السابقة، واليوم، بعد أن محا قيس سعيد كل المؤسسات الحقوقية والدستورية والقضائية، وصار الحاكم بأمره، وكلما التفتنا إلى تونس، حضر في أذهاننا المثل المصري الشهير "خربها وقعد على تلها"، فمن سينقذ تونس اليوم من كل هذا الخراب ويعيد للخطاب السياسي سلميته وللمواطن أمنه وحريته؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard