بين "البلاغة" و"العنف"... علامَ يعتمد خطاب الرئيس قيس سعيد؟

الأحد 12 ديسمبر 202103:32 م

أصبح التواصل مجالا قائم الذات في زمننا هذا لأهميته البالغة في تنظيم الحياة اليومية والعملية والسياسية وحتى الاقتصادية للأفراد والدول على حد السواء وبات من الضروري تعلم مهارات الاتصال تماما كما القراءة والكتابة لتسهيل التعامل مع الاخرين.

ومازال الاهتمام بالجانب الاتصالي في الدول العربية محتشما، بل مهمشا نوعا ما والحال أن الجميع في حاجة إلى تعلم مهارات الاتصال من الخفير إلى الوزير بل إلى رئيس الدولة أيضا، ففي تونس مثلا يعيب كثيرون على قيس سعيّد سياسته الاتصالية التي يصفها البعض بالخاطئة وينعتها آخرون بالشعبوية.

لم تجر العادة أن يصف رئيس أي دولة الناس أو حتى الخصوم بالحشرات أو السلالات المتحورة أو الجوائح وقنوات الصرف الصحي مثلما فعل سعيد في خطاباته

ومنذ توليه منصب الرئاسة لفت الرئيس التونسي أنظار الجميع في تونس والعالم باستخدامه اللغة العربية الفصحى ارتجالا أو قراءة وشدت طريقة القائه وقاموسه انتباه المختصين في مجال الاتصال.

بلاغة أم جمود

يرى المختص في الاتصال السياسي صادق الحمامي أن سعيّد استغل كفاءته في الالقاء كعنصر من عناصر منظومته البلاغية وآلية من آليات التأثير، وقد أصبح صوتا يُسمع قبل أن يكون وجها يُرى أو خطابا يُفهم.

ويؤكد الحمامي في حديث لرصيف22 أن عنصر الاستماع له أهمية بالغة في بيئة ثقافية أولت للصوت أهمية كبرى في ترتيل القرآن أو في صوت الآذان، وقد يكون الاعتناء بالإلقاء لدى سعيد تكتيكًا لتركيز سلطته الرمزية لكنه استغرب من استخدام سعيد للغة عربية فصحى في خطابه في محافظة سيدي بوزيدـ، التي انطلقت منها أول شرارة للثورة التونسية، وكان هناك مواطنون يستمعون إليه، وقال إن الخطيب يجب أن يتواصل مع من يستمع إليه بلغته ويحاول أن يكون قريبًا منه أكثر.

خطاب الرئيس يتسم بالاتهامات الواسعة والخطيرة جداً لكن دون تحديد المتهم المبنيّ للمجهول فالرئيس يستخدم ضمير "هم" في جميع خطاباته

وتميز قيس سعيد عن بقية المتخصصين في القانون الدستوري بقراءاته المخصوصة والطريفة لفصول دستور 2014 أثناء فترة إعداده وفضلا عن ذلك اعتمد في تقديم تلك القراءات والتعليقات على لغة عربية فصحى قلّما نجدها لدى أكاديميين من خارج المجال الأدبي حسب الدكتور في اللغة العربية علي السياري.

وقال السياري في تصريح لرصيف 22: "أعتقد أن المتخصصين في اللغة العربية كانوا ينظرون لشخصية قيس سعيد كما ينظر إليها الجمهور الواسع. فليست اللغة العربية الفصحى مقياسا للحكم على أي شخص يتحدث بها؛ بل إننا إذا قيمنا خطاب سعيد من الناحية اللغوية نجده مجرد استهلاك للشعارات وتكرار لبعض الفصول القانونية بلغة جامدة وخشبية، بل لغة ركيكة وغير محبذة في مخاطبة الجماهير التي لا تعي خطورتها؛ ويضاف إلى ذلك سوء تواصل قيس سعيد مع المخاطبين واقترافه لزلات ضمنية غير ظاهرة منها التعالي الخطابي على الجماهير ومحاولة التأثير فيها عاطفيا بخطاب قانوني جامد ومتكلس لا تفقه معانيه.. هذا التعالي الخطابي حوله قيس سعيد لاحقا إلى تعال معرفي وإلى سلطة أبوية جعلت من الشعب في منظوره مجرد أبناء له عليهم الاستماع إليه، بل والانتباه إلى ما يقوله دون اعتراض عليه.. إنها شخصية تسلطية لا تعي خطورة تسلطها أو خطورة مضمونها الكلامي لأن كل الكلام من وجهة نظره صادق ويجب أن يصل الى "أبنائه" دون الاعتراض عليه.. هذه المسألة زادها صفته باعتباره كان

أستاذا جامعيا يلقي الدروس ويسند الأعداد، وكل ما يفعله يراه نابعاً من "الضمير" وما يمليه الواجب في حين أن العمل البشري مهما يكن هو معرض للسقطات وللاعتراض عليه.

خطاب صدامي

نعت الرئيس التونسي خلال خطاباته خصومه السياسيين "بالحشرات" و"الجوائح" و"السلالات المتحورة" في أسلوب جديد لم تعرفه مؤسسة الرئاسة التونسية من قبل وألقى اتهامات كبرى على مجهولين لم يذكر اسم أي منهم حسب المختص في العلوم السياسية أيمن البوغانمي الذي قال في حديث لرصيف22 إن خطاب الرئيس يتسم بالاتهامات الواسعة والخطيرة جداً لكن دون تحديد المتهم المبنيّ للمجهول فالرئيس يستخدم ضمير "هم" في جميع خطاباته.

ويرى بوغانمي أن هناك جانبا إيجابيا في الموضوع حيث يسمح له ذلك بالتدارك، ولكن في المقابل عندما يكثر استخدام المبني للمجهول يشعر الجميع أنه متهم حتى المواطن البسيط يشعر بذلك ولو ضمنيا ويبدو أن هذا ما وصلنا إليه اليوم خاصة بتحول الخطاب إلى خطاب عنيف".

التعالي الخطابي حوَّلَه قيس سعيد لاحقا إلى تعال معرفي وإلى سلطة أبوية جعلت من الشعب في منظوره مجرد أبناء له عليهم الاستماع إليه

وحسب المختص في العلوم السياسية فإن استخدام سعيّد للغة العربية الفصحى والمخزون الأدبي الثقافي كاقتباسات محمود المسعدي أو المعرّي وغيرهم ليس بالخطأ وأضاف: "من حق أي شخص توظيف عبارات أدبية في كلامه لكن عندما يتجاوز الأمر ذلك إلى عبارات نابية فإن الوضع يختلف حيث لم تجر العادة أن يصف رئيس أي دولة الناس أو حتى الخصوم بالحشرات أو السلالات المتحورة أو الجوائح وقنوات الصرف الصحي مثلما فعل سعيد في خطاباته."

ويرى المختص في الاتصال السياسي الصادق الحمامي أن الاتصال الرئاسي استقر على الأسلوب الصدامي الذي اعتمده الرئيس منذ أشهر وبات يقدم نفسه في المشهد كإنسان يصارع منافسين وأعداء ومناوئين في ساحة معارك.

"وظيفة رئيس الجمهورية المدسترة والأخلاقية تتمثل في أنه رئيس لشعبه. بمجرد الخروج من الحملة الانتخابية وإعلان النتائج يتحول من مترشح له أنصار إلى رئيس لكل أطياف شعبه بما فيهم المعارضون "، هكذا عرف المحلل السياسي لمين البوعزيزي الوظيفة الأساسية لرئيس الدولة لكنه عاب على سعيّد وصمه الناس المعارضين له بالخونة والمخمورين وقال إنه بعد أن أقسم على القرآن والوفاء للدستور أصبح يفعل ما يحبّه لا ما يجب".

وأضاف البوعزيزي لرصيف22: "بنى الرئيس التونسي سرديّته على كون البرلمان فيه الكثير من العنف اللفظي وهو أحد أسباب اتخاذه القرارات الأخيرة في الخامس والعشرين من تموز/يوليو وهو المدخل الأخلاقي الذي برّر به غضبه على النواب لكنه فاقهم في خطاباته وقاموسه الترهيبي و التخويني والعبارات النابية التي ينعت بها خصومه، إذ تجاوز بكثير عبارات النواب التي انتقدها الرئيس مرارا وبالتالي لا يمكن اللوم على النواب والحال أن خطاب الرئيس بعد حل البرلمان اتسم بالكراهية والعنف واستخدم قاموسا حربيا تضمن كلمات مثل "إطلاق صواريخ" و"وابل من الرصاص" وأصبح كل من يختلف معه معتوه أو مخبول أو حشرة ومن هنا نخلص أن خطاب الرئيس تحريضي بامتياز. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard