معرض بيروت الدولي للكتاب... "ظل المدينة الباهت" مثلها

الخميس 10 مارس 202201:23 م

"أنا من الذين يتابعون معرض بيروت للكتاب، ولم يتركوا أي فرصة إلا وأفادوا منها منذ أن كان جنيناً في القاعة الزجاجية لوزارة السياحة في شارع الحمرا، وتنقلت معه من مكان إلى مكان، إلى أن استقر في مكانه الأخير عند الواجهة البحرية لبيروت أو ما يُعرف بالبيال".

هكذا كانت علاقة الشاعر اللبناني شوقي بزيع، بمعرض بيروت الدولي للكتاب، فهو بالنسبة إليه "جزء لا يتجزأ من ذكرياتي، وحياتي ومن طقوسي السنوية التي كنت أنتظرها عاماً بعد عام". فما الذي تغيّر هذه السنة؟

اعتادت العاصمة اللبنانية بيروت على تنظيم معرض سنوي للكتاب من أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر حتى منتصف كانون الأول/ ديسمبر، تحت إشراف كل من المركز الثقافي العربي واتحاد الناشرين اللبنانيين تحت مسمى "معرض بيروت العربي والدولي للكتاب".

لكن الدورة الـ63 للمعرض، والتي افتُتحت في الثالث من آذار/ مارس الجاري، تحت شعار "بيروت الصمود، بيروت لا تنكسر"، بعد انقطاع دام ثلاث سنوات متتالية، ربما شكلت صدمةً ثقافيةً أثّرت سلباً على مستوى المشاركات، ولم تأتِ على مستوى طموحات الأعوام السابقة. فهل بيروت هي نفسها التي كانت؟ يتساءل بزيع، عادّاً أنه "إذا كانت المدينة هي رماد المدينة السابقة، وظلاً باهتاً لما كانته، فمن الطبيعي والمعرض صورتها ومرآتها، أن يكون أيضاً ظلاً باهتاً لما كانته في السابق".

فقر المحتوى

لا شيء على حاله في معرض الكتاب، سوى قلة قليلة من دور النشر التي اعتاد الرواد مشاهدتها كل عام. أجنحة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة كدار رياض الريس، ودار النهار، ومكتبة الحلبي الحقوقية، ومؤسسة طلال أبو غزالة، وبوك بازار لبيع الكتب القديمة. بيروت التي عُرفت كعاصمة للثقافة العربية، أبرزت الدورة 63 لمعرض كتابها، مدى "فقرها" حتى على المستوى الفكري.

عند دخول المعرض، أول ما يتراءى للزائر جناح الجمهورية الإيرانية مذيّلاً بصورة قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، ما يشي بأن الفرز السياسي في البلاد أُسقط على الكتاب الذي "لا يجب أن يصبح موضع تجاذب". الجولة في المعرض تشبه السير في سوق لعرض المنتجات، فهناك الكثير من الأجنحة المستجدة لبيع كتب الأطفال وألعابهم، فيما نبتت الستاندات التي تحمل طابعاً دينياً كالفطر في أرجائه.

 الجولة في المعرض تشبه السير في سوق لعرض المنتجات، فهناك الكثير من الأجنحة المستجدة لبيع كتب الأطفال وألعابهم، فيما نبتت الستاندات التي تحمل طابعاً دينياً كالفطر في أرجائه

وليس بعيداً عن فقدان ألوان الحياة في بيروت ذات الألوان الباهتة، يرى بزيع أنه "في ظل مقاطعة كبريات دور النشر، لم يتبقَّ في الفسحة الضيقة التي يشكلها المعرض الآن إلا بعض الدور القليلة المتميزة، والكثير من الدكاكين والحوانيت التي تمتهن البيع والشراء فحسب، والتي تحط من شأن الكتاب، سواء من حيث الإصدارات الهابطة والمتدنية المستوى التي تقدمها للقارئ، أو من حيث التواقيع التي تلحّ على إجرائها لكي تحوّل الكتاب أو الكويتبين والشعارير إلى أحصنة سباق من أجل تحصيل بعض الأموال".

غياب التواقيع المنتظرة

يعود انطلاق معرض بيروت للكتاب إلى 23 نيسان/ أبريل عام 1956، إذ اعتاد النادي الثقافي العربي على تنظيمه من دون انقطاع، على الرغم من الظروف الأمنية التي كان يشهدها لبنان بسبب الحرب الأهلية، بيد أنه توقف مؤخراً بسبب حالة الغليان في البلد والتي واكبت انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وبسبب تفشي جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت عام 2020.

عودة المعرض في الشهر الحالي كانت بمثابة "عودة أب الثقافة الضال" إلى قلب بيروت، فالكاتب والروائي حسن داوود الذي ألف توقيع كتبه في معرض الكتاب منذ عام 1983، لم يوقّع روايته الجديدة هذه السنة، بسبب عدم مشاركة ناشر الرواية "دار نوفل" في فعاليات المعرض.

يقول داوود لرصيف22، إنه أرجأ توقيع روايته، فرصة لغرام أخير، إلى الدورة الـ64 التي ستُعقد نهاية العام، وهو يتردد في النزول إلى المعرض بعيد الإشكال الذي وقع صباح السابع من الجاري، على خلفية اعتراض أحد الرواد على رفع صورة القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الراحل قاسم سليماني، وتمزيقها، ما أدى إلى عراك وضرب تعرّض له الشاب المعترض شفيق بدر الذي كان برفقة مجموعة صغيرة تهتف: "بيروت حرة حرة، إيران برا برا".

مشاركة بالسياسيين لا الكُتاب

يستهجن داوود وقوع إشكال بخلفيات سياسية في معرض للكتاب، ويقول: "يبدو أن الاحتقان السياسي العام جعل معرض الكتاب ساحةً من ساحات المواجهة، وهذا لا يجوز، فتوسّل الأدب لرفع شعارات سياسية خير دليل على أن الثقافة أصبحت في وضع صعب، أما مشاركات الدول فيجب أن تكون بأدبها ونتاجها الفكري وليس بشعاراتها ورموزها السياسية".

داوود الذي لم يزُر معرض الكتاب بعد، يلفت إلى أنه سمع أصداءً في الوسط الثقافي تشي بأن المعرض غير مكتمل العناصر، وأن غالبية الإصدارات الجديدة غابت عنه، ما حوّله إلى مكان لتسويق الكتب القديمة.

إذا كانت المدينة هي رماد المدينة السابقة، وظلاً باهتاً لما كانته، فمن الطبيعي والمعرض صورتها ومرآتها، أن يكون أيضاً ظلاً باهتاً لما كانته في السابق

أما بزيع، فقد اتخذ قراره بعدم توقيع كتابه الجديد، "مسارات الحداثة"، الصادر عن دار الرافدين، ليس احتجاجاً على المعرض، بل لأنه لم يجد أن هناك مسرحاً ملائماً للتوقيع، عادّاً خطوته نوعاً من التضامن مع القارئ اللبناني الذي لا يجد قوته اليومي.

وعلى الرغم من عدم مشاركة بزيع في الدورة 63 لمعرض الكتاب، فإنه يرى أن "المعرض جزء من المشهد القيامي لبيروت، الرافض للموت"، مستشهداً بقصيدة الشاعر خليل حاوي "لعازر"، التي أكد فيها على أن "لعازر لم يقم من موته إلا نسخة باهتة مما كانه قبل الموت، بمعنى أنه يمكن أن يشكل هذا المعرض تمهيداً أساسياً لعودة المعرض إلى نصابه في الدورة القادمة".

عتب على بيروت

"هو انهيار للجسم الثقافي تعيشه بيروت"، وفق ما ترى الشاعرة السورية غادة فؤاد السمان التي تعيش في بيروت منذ عام 1992. فـ"الثقافة هي مدعاة لتنافس جميل وحضاري من خلال ثورة فكرية، وليس عبر ما نشهده من ثورات التكسير والقيامات المؤقتة. فمعرض الكتاب هذا العام للأسف تحوّل إلى سوق تجاري لبيع الكتب أو الورق، أكثر منه منصة ثقافية".

تأسف السمّان لأن المعرض تحوّل إلى "متاريس ثقافية، تفتقد الحوار وقد حولت لبنان إلى منصة لم تعد منفتحةً على الآخر بل على جهة واحدة عكست انقسام فريقي 8 و14 آذار على الساحة الثقافية مع طغيان لفريق 8 آذار الثقافي".

تضارب موعد الدورة 63 الحالية مع موعد معرض مسقط حيث كان 80% من الناشرين متواجدين في سلطنة عمان.

للمشاركة الخجولة خلفياتها العملية، إذ توضح المديرة العامة لدار الآداب، رنا إدريس، أن موعد الدورة 63 الحالية تضاربت مع موعد معرض مسقط حيث كان 80% من الناشرين متواجدين في سلطنة عمان.

وفي سياق متصل، تشدد إدريس على ضرورة استبعاد الشرذمة عن الحياة الثقافية، كاشفةً أن "التباين حول التوقيت حصل بين اتحاد الناشرين اللبنانيين والنادي الثقافي العربي". ومن أجل رأب الصدع في الساحة الثقافية، تلفت إدريس إلى أن دار الآداب، التي تُعدّ أول دار نشر شاركت في أول معرض في بيروت في خمسينيات القرن الماضي، ارتأت ودور نشر أخرى، كدار الساقي، والتنوير، والنهضة، والعربية للعلوم وغيرها، التحضير لمعرض شهر كانون الأول/ ديسمبر المقبل، والعودة إلى الساحة الثقافية بنشاط مكتمل بعد ثلاث سنوات من الانقطاع".

وجهات نظر

حسب الدكتور عدنان حمود، مدير معرض "بيروت العربي الدولي للكتاب"، فإن فكرة إعادة تنظيم معرض الكتاب تمت بلورتها في بداية العام الجاري، مؤكداً أن سبب إصرار المركز الثقافي العربي على تنظيم دورتَين لمعرض الكتاب هذه السنة، يهدف إلى التعويض عن الغياب الذي استمر ثلاث سنوات متتالية.

أما في ما يتعلق بصغر حجم المعرض الذي يُقارب نصف حجم المعارض السابقة، فيلفت حمود إلى أنه بعد انفجار مرفأ بيروت وتضرر مكان المعرض، تم ترميم 40 في المئة فقط من حجم المعرض، ويقام اليوم على مساحة 4،000 متر مربع، فيما المساحة السابقة كانت عشرة آلاف متر مربع.

تغيب دور النشر المعروفة كما اتحاد الناشرين عن الدورة 63 للمعرض، إذ اقتصرت المشاركة على 3 من أصل 185 دار نشر منضوية في الاتحاد

وإذ يوجه حمود عتباً إلى اتحاد الناشرين على مقاطعته، يقول لرصيف22، إنه كان يسعى في البداية إلى أن توزع الأجنحة من دون مقابل على دور النشر، بيد أنهم ارتأوا لاحقاً أن يكون بدل المتر المربع رمزياً (عشرة دولارات)، كي تكون المشاركة في متناول الجميع، كاشفاً أن عدد دور النشر اللبنانية وصل إلى 90 داراً، على الرغم من مقاطعة اتحاد الناشرين.

على ضفة اتحاد الناشرين في لبنان، تشدد رئيسة الاتحاد سميرة عاصي، على أن توقيت المعرض في الشهر الجاري، أثار استهجان الناشرين المرتبطين بمعارض خارج لبنان.

تقول: "الوضع الاقتصادي في لبنان لا يحتمل تنظيم معرض فرعي عن المعرض الأساسي في آخر السنة"، وتلفت إلى أن "الناشرين الباحثين عن مصدر رزقهم لا يمكنهم الغياب عن المعارض العربية التي تُعقد في شهر آذار/ مارس، وتالياً فإن تفرّد المركز الثقافي العربي في القرار جعل دور النشر المعروفة كما الاتحاد، يتغيبون عن الدورة 63، واقتصرت المشاركة على 3 من أصل 185 دار نشر منضوية في الاتحاد، ما جعل المشاركات المتبقية محصورةً بمكتبات لبيع الكتب لا تتمتع بصفة دار نشر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard