من الرّبيع العربي إلى "الخبز الحافي"... عن معرض كتاب "مغرب-مشرق" في باريس

الخميس 20 فبراير 202003:08 م

احتضن قصر بلديّة باريس النسخة السادسة والعشرين لمعرض الكتاب des livres Maghreb - Orient "مغرب-مشرق للكتاب" في الفترة الممتدة بين 7-9 فبراير/شباط الحالي. وقد نشأت فكرة هذه التظاهرة الثقافيّة السنويّة عام 1994 بمبادرة من coup de soleil، المؤسسة المقيمة في باريس، والتي تهدف من خلال أنشطتها إلى تسليط الضوء على الإسهامات المتعدّدة للمغرب العربي وجالياته في الثقافة والمجتمع الفرنسييْن.

وحين بدأت هذه التظاهرة كان يُطلق عليها Maghreb des livres "مغرب للكتاب"، وكانت تُعنى فقط بالأدب العربي والفرنكفوني الذي ينتجه الكتّاب في المغرب العربي الكبير وشمال إفريقيا، بالإضافة إلى ما يُنتج في حقول العلوم الإنسانية على تنوّعها، من علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة. ومنذ ثلاثة أعوام وبالشراكة مع معهد IReMMO "معهد البحوث والدراسات المتوسطيّة والشرق أوسطيّة" المختصّ بدراسة الوضع السياسي والاجتماعي في دول حوض المتوسط والعالم العربي، أخذت هذه التظاهرة منحى جديداً لتتوسّع، فأصبحت تضمّ أيضاً ما يُنتج من أدب عربي وفرنكفوني في المشرق العربي.

وتغيّر بذلك اسم هذه التظاهرة الثقافيّة ليصبح "مغرب - مشرق للكتاب". وهي تتسّع أيضاً لمشاركات من كتّاب فرنسيين عملوا في حقول الفكر والفلسفة والعلوم الاجتماعية والأدب، وبعض المختصين منهم في الأدب العربي، لتصبح بذلك معرضاً غنياً بتنوّع كتبه ومواضيعه ولغاته وتظاهرة حافلة بنشاطاتها، فيصبح بذلك أكبر من مجرّد معرض كتاب تتقاطع فيه ثقافات حوض متوسطية وأفريقية وفرنسيّة.

ويبدو هذا التقاطع جلياً في تنوّع الأنشطة التي سيكون من الصّعب الإحاطة بها جميعها، فقد وصلتْ هذا العام إلى ستّين نشاطاً من محاضرة ولقاء وتوقيع كتاب وقراءة شعريّة وأدبيّة. وقد شارك فيها مئة وخمسون كاتباً جاؤوا لتوقيع كتبهم ولقاء قرّائهم وعقد المقابلات وتبادل الحوار معهم.

شارك في المعرض المفكّر والمؤرخ شلومو ساند، صاحب كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، وقد تحدّث في ندوة بعنوان "اليهودي، اليهوديّة والصهيونيّة"، متطرّقاً إلى كلّ ما تطرحه هذه التسميّات من قضايا وإشكاليات. وهو من بين النشاطات المعدودة التي جرى وضع دائرة حولها في برنامج المهرجان 

وقد شارك من الكتّاب العرب الروائي الفلسطيني علاء حليحل بروايته "أورفوار عكا"، التي ترجمها أنطوان جوكي إلى الفرنسية حديثاً، وصدرتْ عن منشورات "أكت سود" بحضور الناشر فاروق مردم بيك.

وحضر أيضاً على سبيل الذكر وليس الحصر، الروائي الكويتي طالب الرفاعي، والروائي التونسي الحبيب السالمي، ومن المغرب حضر الروائي يوسف فاضل، والكاتبة السوريّة سلوى نعيمي، بالإضافة إلى كاتبات وكتّاب عرب آخرين. ومن الكتّاب الفرنسيين حضر شارل بون أحد أهم المختصيّن الأكاديميين في الدارسات الأدبية الفرنكفونيّة في المغرب العربي.

وشارك كذلك المفكّر والمؤرخ شلومو ساند، صاحب كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، وقد تحدّث في ندوة بعنوان Juif, Judaïsme, Sionisme  "اليهودي، اليهوديّة والصهيونيّة"، متطرّقاً إلى كلّ ما تطرحه هذه التسميّات من قضايا وإشكاليات. وهو من بين النشاطات المعدودة التي جرى وضع دائرة حولها في برنامج المهرجان بما يوحي بأهميتها. وحاوره دومينيك فيدال الصحفي والمؤرخ الفرنسي المعروف والذي سبق له أن قدّم وحاور ساند في أكثر من لقاء وتظاهرة.

وهدفت التظاهرة من خلال أنشطتها هذا العام أن تتناول أيضاً القضايا الساخنة التي تطغى على عالمنا اليوم، مثل قضايا الربيع العربي، وما يجري داخلياً في فرنسا من المشاكل الاجتماعية الاقتصادية المتأزمة. بالإضافة إلى أدب الأطفال الذي حظي هو أيضاً باهتمام خاصّ وعُقدتْ حوله أنشطة متعدّدة من ورشات للرسم والكتابة.

وتنظيم المعرض في قصر بلدية باريس له رمزيته وأهميته، فهو يجسّد رسالة ورؤية ثقافية تتبناها مدينة باريس، ويعبّر هذا أيضاً عن تشابك وتقاطع القضايا الثقافية والسياسية التي تربط فرنسا بالعالم العربي شرقه وغربه. وقد جرى تنظيم النشاطات في صالة القاعة الرئيسية، بحيث امتدّت على طرفيّ هذه الصالة طاولات الكتّاب الحاضرين لتوقيع كتبهم. أما اللقاءات والمؤتمرات فقد توزّعت في أكثر من قاعة وصالة في مبنى البلدية. وتواترت النشاطات زمنيّاً مما سمح للحاضرين بالتنقل من قاعة إلى أخرى لمتابعة الأنشطة المتنوعة.

تنظيم المعرض في قصر بلدية باريس له رمزيته وأهميته، فهو يجسّد رسالة ورؤية ثقافية تتبناها مدينة باريس، ويعبّر هذا أيضاً عن تشابك وتقاطع القضايا الثقافية والسياسية التي تربط فرنسا بالعالم العربي شرقه وغربه

حمل النشاط الاوّل عنوان "مقهى مغاربي"، تحدّثت فيه دورُ نشرٍ من المغرب والجزائر وتونس عن أنشطتها ومنشوراتها؛ كدار "برزخ" للنشر، والمختصة بالأدب المكتوب بالفرنسية. ثمّ تلاه مؤتمر افتتاحي تحت عنوان "ماذا نفعل بالمحتل القديم" بمداخلة من الكاتب والصحفي الجزائري كمال داوود الذي يكتب باللغة الفرنسية، ويعتبر من الناشطين في الحراك الذي تضجّ به الجزائر حالياً.

ثمّ توالت النشاطات، من مقهى أدبي يعالج قضايا سياسيّة إلى طاولة مستديرة حول حضور اللغة العربية في العالم، ثمّ تواقيع لكتب ومقابلات مع كتّاب. كما تناول أحد اللقاءات تقديم شهادات عن آسيا جبار ومحمد ديب. ونوقشت قضايا الجندريّة أيضاً. ولم يكن الوضع الحالي في فرنسا بمعزل عن اهتمامات الكتّاب في هذه التظاهرة حيث جرى نقاشٌ تحت عنوان "تصدعّات الجمهوريّة في فرنسا".

وفي اليوم التالي، الثامن من شباط، جرت لقاءات ومناقشات عن أدب الروائي المغربي محمد شكري وكتابه "الخبز الحافي". وحضرت قضايا الربيع العربي بقوة، من خلال مناقشات، وموائد مستديرة عن العراق ولبنان والجزائر وسوريا.

وفي لفتة جيدة تهدف إلى إشراك الشباب والأطفال تمّ عقد لقاءات ومناقشات بين أطفال مدرسة ثانوية والكتّاب المدعوين للمعرض. وفي قسم la libraire de jeunesse "مكتبة الشباب" التي توسّعت هذا العام جرت ورش كتابية وحلقات قراءة تشمل الأطفال والصبيان والعائلات. وكانت هناك قراءات أدبية لحكايات شعبيّة من شمال أفريقيا على الأطفال، وورشات للخطّ العربي.

وكان اختتام هذه التظاهرة بقراءة للشاعر الجزائري محمد محيوت بمرافقة العود قرب الصالة الرئيسية، وتحت ألحان فرقة "نبض الغناوى" للموسيقى الشعبية. ومن الجدير بالذّكر أيضاً أنّ المعرض لم يكتفِ بعرض الكتب بل اتّسع أيضاً لمشاركة المجلّات؛ فكانت هناك صالة عرض مخصصّة للمجلات الصادرة في فرنسا وبعض المجلّات من العالم العربي، على تنوّع مواضيعها ومجالاتها، فشاركت مجلّات عربية من الجزائر والمغرب ولبنان.

وختاماً، فإنّ هذا المعرض السنويّ يشكّل تظاهرة ثقافيّة تتداخل فيها الأنشطة وأشكال المنشورات والقضايا المطروحة والإنتاجات الأدبية والفكريّة عربيّاً وفرنسيّاً، وإن ظلّ حضور الكتب باللغة العربيّة محدوداً، وتمثّل حضورها الكثيف من خلال الترجمات الكثيرة إلى اللغة الفرنسيّة والصادرة عن دور النشر المشاركة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard