الحياة على حافة خط الفقر... كيف تعيش أسرة مصرية بالحد الأدنى للأجور؟

الأربعاء 9 مارس 202209:48 ص

في محاولة لتجنيب شريحة واسعة من المصريين شبح الفقر المدقع، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 18 كانون الثاني/ يناير 2022 الحكومة، برفع الحد الأدنى للأجور الشهرية من 2400 إلى 2700 جنيه، أي ما يعادل 171 دولاراً تقريباً.

الزيادة البالغة 13% عن الحد الأدنى السابق للأجور، رفعت سقف التفاؤل ولا سيما لدى العاملين في القطاع الخاص، لكن انتظارهم لموعد بدء تطبيقها والذي تقرر أن يكون في بداية تموز/ يوليو 2022 جعل كثيرين منهم يفكرون: هل ستكون الزيادة مجدية حينها مع غلاء المعيشة المتفاقم؟

يدور هذا السؤال تحديداً في ذهن الشاب إبراهيم (24 عاماً) الذي يشغل وظيفة بائع في أحد فروع شركة رنين لبيع الأجهزة المنزلية، فالزيادة ستضيف له هامشاً يرجو ألا تمحوه زيادة الأسعار التي يشعر بأنها مستمرة.

ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة وهو يتذكر أن موعد حصوله على مبلغ "الجمعية"، وهي طريقة معتمدة بين المصريين للادّخار تقوم على أساس تأسيس مجموعة يشارك فيها كل عضو بمبلغ شهرياً على أن يأخذ واحد منهم شهرياً مجموع المساهمات، سيتزامن مع الزيادة المفترضة لراتبه.

يفرد أصابع يديه ويبدأ بالحساب: "الجمعية 10 آلاف جنيه، إضافة إلى راتبي الذي هو الآن 2800 جنيه". يضع يده على جبينه لأنه لا يعرف كم سيصبح راتبه بعد زيادة الـ 13%.

يتابع بعد نوبة ضحك: "على أية حال، مجموع راتبي الجديد ومبلغ الجمعية لن يكفي لشراء عجلة توك توك". شكل بيديه قبضتين مدّهما أمامه كمَن يقود دراجة وقال وهو يضحك: "التوك توك سعره 25 ألف تقريباً".

بخلاف القلق الذي بدا في نبرة صوت إبراهيم من أن تكون الزيادة غير مجدية، وصفتها صحفٌ مصرية وبرلمانيون من بينهم النائب طارق الخولي بـ"هدية الرئيس للمواطنين في العام الجديد"، كما وصفها اتحاد العمال المصري على لسان نائب رئيسه مجدي بدوي بـ"النقلة الجديدة للعمالة في الجمهورية الجديدة"، وشرع خبراء بالتبشير بما يمكن أن تحدثه هذه الزيادة من تحسين للمستوى المعيشي للمواطن المصري.

ولكن، ما هي حكاية الحد الأدنى للأجور في مصر وكيف بدأت؟

الزيادة وحدها غير كافية

أقر القانون حداً أدنى للأجور لأول مرة عام 1971، وبدأ بتسعة جنيهات شهرياً، ثم بعد ثلاث سنوات تمت زيادته ليصبح 12 جنيهاً، وفي عام 2005 وصل إلى 214 جنيهاً، بعد خصم الضرائب والتأمينات.

سنة 2008، رُفع مجدداً ليبلغ 280 جنيهاً مما دفع "المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" إلى رفع دعوى قضائية ضد الحكومة المصرية، عام 2009، لإلزامها بربط الأجر بالأسعار.

يسترجع المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق خالد علي، مدير المركز حينذاك، تفاصيل القصة: "لم تكن هذه الدعوى تقليدية. كانت قضية استراتيجية، كونها تستهدف تحقيق إنجاز معيّن لشريحة واسعة من الناس".

يروي كيف أخذت الاحتجاجات العمالية تتصاعد في عام 2004 وذلك مع بدء تعويم الجنيه جزئياً (والذي تسبب برفع معدلات الأسعار)، وتحويل الدولة الهيئات إلى شركات. يذكر منها على سبيل المثال "تحويل هيئة الاتصالات إلى شركة الاتصالات، وهيئة الكهرباء إلى شركة الكهرباء" لترتفع مع ذلك أسعار الخدمات الرئيسية.

يتتبع علي سير الاحتجاجات التي قال إن أكبرها كانت عام 2006، في منطقة المحلة الكبرى، حيث يقع أكبر مصنع للغزل والنسيج في الشرق الأوسط، لتنتقل بعدها إلى مناطق أخرى في محافظات أخرى في العام التالي، ثم تبلغ قطاعات العمل كافة سنة 2008.

ويلفت إلى أن سمة رئيسية اكتنفت تلك الاحتجاجات هي "بحثها عن سد الفجوة بين الأجور والأسعار، لتظهر قضية الحد الأدنى للأجور".

وبالرجوع إلى الاتفاقيات الدولية والدستور المصري والقانون النافذ، أقام المحامي خالد علي الدعوى مع فريق من المحاميين الحقوقيين، باسم عامل في مطاحن جنوب القاهرة يُدعى ناجي رشاد، وانضمّ إليه آخرون في دعواه لاحقاً.

رشاد واحدٌ من قياديي الحركة العمالية المصرية الذين تصدروا الاحتجاجات المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية للعمال والموظفين أصحاب الدخول المحدودة بدءاً من عام 2004.

"كل شيء محسوب بدقة، حتى عدد الصابونات التي نستخدمها. لا نشتري مطلقاً شيئاً فائضاً عن الحاجة سواءً من مواد غذائية أو غيرها. أي إنفاق غير ضروري سيدفعنا حتماً للاستدانة، وهذه مشكلة كبيرة نناضل من أجل تجنبها"

يروي علي أن الاتجاه السائد كان يربط العمل بالإنتاج، وتساءل: "ما علاقة العامل بالإنتاج؟ هذا الأخير مسؤولية الإدارة، والعمل يجب أن يرتبط بالأسعار".

"تلك هي بالأساس فكرة القضية التي أقيمت ضد الحكومة"، يضيف ويتابع: "العبرة بقوة الجنيهات الشرائية وليس بعددها لأن كل ما كان يشغل العمال هو رعاية صحية وحياة كريمة وتعليم أفضل لأبنائهم".

وروى علي: "عدنا إلى سلة المستهلك لتبحث القيادات العمالية مع هيئة الدفاع التي تولت القضية المبلغ المناسب لمعيشة أسرة بأفرادها الخمس وعائلهم".

يوضح أن خمسة أفراد هي نسبة متوسط الإعالة بحسب المركز القومي للإحصاء حينها عام 2009.

تمت المقارنة في البدء بسلة المستهلك، وكان الراتب الأنسب كحد أدنى للأجر هو ألفي جنيه. لكن كان هذا الرقم كبيراً وقت رفع القضية بالنسبة إلى المجتمع، ولذلك، "فكرنا في رقم أكثر منطقية، ليلتف الناس حول الحملة".

في النهاية اقتنعت محكمة القضاء الإداري، وأصدرت حكمها في القضية يوم 29 آذار/ مارس 2010، بإلزام الحكومة بحد أدنى للأجور يتناسب مع الأسعار دون تحديد المبلغ الذي حددته الحملة.

على الرغم من الحكم القضائي، إلا أن الحكومة لم تقر بما طالبت به الحملة العمالية. بل على العكس من ذلك، قامت بتحريك دعوى طعنت فيها ضد الحكم الذي صدر بحقها أمام المحكمة الإدارية العليا، واكتفت برصد 400 جنيه للحد الأدنى للأجور.

اضطر ممثلو العمال ومحاموهم إلى تحريك دعوى أخرى وهذه المرة نظرت فيها محكمة مجلس الدولة التي أصدرت حكمها في تشرين الأول/ أكتوبر 2010 ملزِمة بموجبه الحكومة بتحديد 1200 جنيه كحد أدنى للأجر. لكن تلك الحكومة لم يتسنَّ لها تنفيذ الحكم، لأنها سقطت مع ثورة 25 يناير 2011.

وبحسب علي، في ذلك العام، أي في 2011، رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور إلى 700 جنيه، ولم يصل إلى 1200 إلا في أواخر 2013، وتوالت الزيادات في حكومة الرئيس الحالي، حتى وصلت مع القرار الأخير الذي يفترض تنفيذه في تموز/ يوليو المقبل إلى 2700 جنيه.

قرار جمهوري لا يُنفَّذ

وفقاً لباحثٍ اقتصادي اختار لنفسه اسماً مستعاراً هو محمود خالد، فإن قرار رفع الحد الأدنى للأجور لن يعود بفائدة كبيرة على العاملين والموظفين الحكوميين في حال تنفيذه، لأنه "سيتم دمج الحوافز والمزايا والمكافآت مع الراتب الأساسي بحيث يصل للحد الأدنى المحدد".

أما بالنسبة إلى القطاع الخاص، فيرى خالد أنه على الأغلب لن يكون هنالك التزام بالزيادة، ويشرح: "لأن بعض الشركات غير مسجلة في الأصل، وبنحو عام فالشركات تسجل نسبة موظفين ضئيلة رسمياً، لذا فغالبية العمال غير رسميين، مما يعني عملياً عدم تطبيق أي قرار، سواء أكان حداً أدنى أو تأمينات اجتماعية وصحية".

ومن وجه نظره، فإن العبء على الفرد المصري أكبر بكثير من الحد الأدنى، ونمط الغذاء انحدر بنحو يقول إنه ملحوظ منذ 2016، لذا لجأ الناس إلى استهلاك مواد غذائية ذات جودة قليلة ليحصلوا على سعرات حرارية أكبر، "النشويات على حساب البروتين".

ويتابع موضحاً: "انخفض مستوى استهلاك البروتين الحيواني (لحوم، بيض، لبن، سمك)، بينما زاد استهلاك مواد غذائية أخرى مثل المعكرونة والأرز والخبز".

"انخفض مستوى استهلاك البروتين الحيواني (لحوم، بيض، لبن، سمك)، بينما زاد استهلاك مواد غذائية أخرى مثل المعكرونة والأرز والخبز"

سمير سعيد (39 عاماً)، معلم لغة عربية، مقيم في سمنود، في محافظة الغربية، يؤيد ما ذهب إليه الباحث الاقتصادي في ما يخص عدم التزام المؤسسات الحكومية بالحد الأدنى للأجور.

ويتراوح أساسي رواتب المعلمين، بحسب الدرجة، بين 920 جنيه للمعلّم المساعد و1750 جنيه للمعلّم الكبير، وعلى هذا المبلع تُحسب الزيادة، وليس على إجمالي المرتب الذي بيلغ متوسطه بين 2125 و4675 جنيهاً.

ويقول سعيد بنبرة ساخرة: "يتقاضى الموظف الحكومي، فوق الثلاثة آلاف جنيه بقليل شاملة الحوافز والبدلات، مع تأمين صحي لا قيمة له فعلياً".

ولمواجهة ضعف قيمة راتبه مقابل الأسعار المرتفعة، يمارس سمير عملاً إضافياً، يبدأ بعد الظهيرة، في مكتبة لبيع القرطاسية. ويؤكد أن مجموع ما يتحصل عليه من عمليه شهرياً يزيد عن الحد الأدنى للأجور مما يجعله قادراً على توفر متطلبات حياته وأسرته.

القطاع الخاص لا يلتزم بالزيادات

وفي ما يتعلق بالقطاع الخاص، يقول المدير الإقليمي السابق لشركة جهينة للصناعات الغذائية عاطف اللقاني إن: "هامش ربح الشركات الكبرى في مصر، هامش كبير، يصل إلى 40%، لكنه لا ينعكس بشكل عادل على العاملين".

ويضرب على ذلك مثالاً، بأحد المستثمرين، وصفه بـ"الكبير" وتجنب ذكر اسمه: "واجه قبل فترة احتجاجات طالبته بنسب الأرباح المجمّدة لعام بأكمله، فكان رده بإغلاق بوابات مشروعه، مهدداً بإعلان إفلاسه، لتتدخل جهات حكومية وتعيد العاملين، بعد إقناعهم بأن التنازل عن 500 أو 600 جنيه شهرياً أفضل من تشريد 40 ألف عامل".

اللقاني متقاعدٌ الآن، ويدير متجراً صغيراً لبيع الشوكولاته في الإسكندرية، افتتحه بعد أن باع سيارته الشخصية التي أضاف إلى قيمتها مبلغاً بسيطاً كان قد ادّخره.

يقول: "تخليتُ عن شراء الملابس الجديدة والحاجيات غير الأساسية لصالح تحسين معيشة أبنائي كما أن التأمين الطبي لا طائل منه، لذلك نراجع مستوصفات صغيرة بدلاً من العيادات باهظة الثمن".

يستغرق في التفكير قبل أن يلخص تجربته في العمل لدى القطاع الخاص: "عملت بإخلاص لـ27 سنة في شركة جهينة، لكنني لم أحصل في النهاية على حقوقي. كان لدي رصيد إجازات ونسب أرباح لم تُمنح لي، وبعد اللجوء للقضاء حصلت على أقل من ثلث حقي لأن معي ورق يثبته، وحُرمتُ من الباقي، لأجد نفسي بمعاش التأمينات الاجتماعية بـ1500 جنيه".

أيمن راشد (40 عاماً) يملك معملاً للتحاليل الطبية في الإسكندرية، يؤكد بدوره أن القطاع الخاص، الذي عمل فيه بوظائف مختلفة، آخرها طبيب تحاليل، "رواتبه ضعيفة وبالكاد تصل إلى نصف الحد الأدنى المذكور، ومن يتخطاها بعد سنوات يُجبَر على الاستقالة ويُستبدل بخريجين جدد، يتقاضون راتب أقل".

ويبرر راشد منح المشاريع الصغيرة والمتوسطة رواتب أقل من الحد الأدنى للأجور بتحملها أعباءً قال إنها كبيرة كفواتير الخدمات وبدلات الإيجار والضرائب، ولهذا فبعض العاملين فيها يلجأون للبحث عن عمل إضافي.

"صحيح أن العمل الآخر ربما يقدم راتباً يتخطى ثلاثة آلاف جنيه، لكنه يكون مقابل عمل 10 و12 ساعة يومياً، وقوفاً على القدمين. تعود إلى بيتك منهكاً لا تستطيع فعل شيء آخر"، يقول راشد واصفاً وضع شريحة كبيرة من العاملين في القطاع الخاص.

يرى السيسي أن الشعب المصري تحمل أعباء الإصلاح الاقتصادي دون شكوى، وقد عبّر عن هذا في كلمته في هامش منتدى شباب العالم، في 12 كانون الثاني/ يناير 2022.

لكن باحثة في الاجتماع السياسي، طلبت عدم الإشارة إلى اسمها، تقول إن المواطنين أجبروا على تقبّل تلك الإجراءات "بالحديد والنار"، وفقاً لتعبيرها، وإن محاولات احتجاج شعبية عديدة واجهتها السلطات بشراسة "وانتهت باعتقال الآلاف بينهم أطفال".

ماذا يفعل المصريون؟

بعيداً عن الشد والجذب بين الحكومة ومعارضيها، كيف يواجه المصريون هذه الأوضاع؟ لبيان ذلك، كان علينا تتبع سير حياة واحدة من العائلات، فاستجابت ريم (31 عاماً) وفتحت لنا صندوق أسرار إدارتها مع زوجها لشؤون العائلة الاقتصادية.

هي تعمل في مجال الغرافيك لستّ ساعات كل يوم، وتتقاضى 1300 جنيه، فيما يتقاضى زوجها بالمتوسط 3100 جنيه، نظير عمل بين 10 إلى 12 ساعة يومياً كموظف خدمة عملاء في شركة "طلبات" وهي شركة وسيطة بين المستهلكين والمطاعم.

تشرح كيف ينفقان الـ4400 جنيه، لتأمين متطلباتهما فضلاً عن طفلتهما الصغيرة: "لا نحتاج إلى دفع إيجار شهري كوننا نسكن في شقة بمنزل عائلي يملكه والد زوجي، وهذا وفر علينا في الأقل 1500 جنيه".

تتلاشى الابتسامة التي كانت قد لاحت على وجهها وتقول: "ما عدا ذلك، كل شيء محسوب بدقة، حتى عدد الصابونات التي نستخدمها. لا نشتري مطلقاً شيئاً فائضاً عن الحاجة سواءً من مواد غذائية أو غيرها. أي إنفاق غير ضروري سيدفعنا حتماً للاستدانة، وهذه مشكلة كبيرة نناضل من أجل تجنبها".

يظهر القلق في ملامح وجهها فجأة وهي تقول: "ماذا لو لم أكن أعمل أو كنا نسكن بالإيجار؟ كيف كان سيتدبر زوجي قائمة المتطلبات غير المنتهية ونحن فقط ثلاثة أفراد لا غير؟، طفلتنا لوحدها تحتاج إلى نحو 700 جنيه لشراء ما يلزمها، وننفق نحو 1000 جنيه على المواصلات".

الحل لإبعاد أسرة ريم وغيرها من الأسر المصرية عن خط الفقر "يكمن في الغالب من خلال أعمال إضافية يتحملون مشاقها غير مكترثين بقوانين زيادة الحدود الدنيا للأجور التي لا أحد يعلم إن كانت ستنفذ أم لا".

هذا ما يلخص به الخبير الاقتصادي بهجت منير الوضع الاقتصادي لشريحة يعدّها الأكبر في مصر ولا يستبعد، إزاء الانفجار السكاني وتباطؤ النمو الاقتصادي، أن تتزايد معدلات البطالة والفقر بحيث لن تعالجها أية قرارات وصفها بـ"الترقيعية" على غرار زيادة الحد الأدنى للأجور.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard