مشاركة اللبنانيات في السياسة... نشاط نسوي لتجاوز الأدوار التمثيلية "التقليدية"

السبت 12 فبراير 202211:30 ص
Read in English:

Lebanese women in politics - activism to exceed traditional representational roles

"وصل بهم الأمر إلى تقديم عرائض حزبية تطالب بإقالتي من الحزب"، تقول منال سعيد. هكذا واجه بعض مناصري الحزب التقدمي الاشتراكي الحملة التي أطلقها الاتحاد النسائي التقدمي بمناسبة حملة الـ17 يوم لمناهضة العنف ضد المرأة.

تعرّف منال سعيد بنفسها قائلةً إنها "نسوية، تقدميّة، وعلمانية مؤمنة بالعدالة الاجتماعية إلى أقصى حدود". في أثناء دراستها الجامعية، نشطت في منظمة الشباب التقدمي، المنظمة الشبابية التابعة للحزب الاشتراكي، ثم غابت لسنوات عن العمل الحزبي، لتعود وتستلم مفوضية الشؤون النسائية عام 2017.

تتحدث عن العمل النسوي داخل الحزب بشغف مَن تقود معارك يوميةً من أجل قضية تراها وجوديةً وأساسية. بعد استلامها ملف الشؤون النسائية في الحزب، أعدّت منال، بمشاركة فريق عمل، إستراتيجيةً تهدف أولاً إلى إقرار كوتا 33% لتمثيل النساء في جميع المواقع الحزبية والترشيحات الانتخابية، وثانياً إلى تعميم الخطاب النسوي والتوعية بقضايا النساء ضمن صفوف مناصري الحزب والبيئة الحاضنة له.

وهنا بدأت المواجهة. ثارت حملة ضدها اتهمتها بالعمل من أجل مصلحة خاصة، وطموح فردي. "وكأنّ النساء لا يحق لهنّ الطموح السياسي، ودورهنّ مختصر بالعمل كرافعة للرجال، يعملن ويناضلن ويؤسّسن الماكينات الانتخابية ليكون الرجال فحسب في الواجهة"، تقول لرصيف22.

مكروهة إلى أن يباركها "الزعيم"

اقتصر تمثيل الحزب التقدمي الاشتراكي في السلطة تاريخياً على الرجال، فلم تكن له يوماً مرشحة واحدة إلى المجلس النيابي، أو وزيرة باسمه في الحكومات المتعاقبة. كما أن موقع رئيس الحزب مسطَّر باسم ورثة كمال جنبلاط، مؤسس الحزب، من الـ"ذكور".

تغيب النساء حتى عن المواقع القيادية الثانوية، مثل المفوّضين (المنوطة بهم ملفات معيّنة)، ومسؤولي المحافظات والمناطق، إلّا بأعداد قليلة جداً. استثناء لهذا المسار كان مع بعض التقدم الذي أحرزته النساء في انتخابات مجلس القيادة الأخير، عام 2017، حين نجحت للمرة الأولى أربع نساء من أصل 15 عضواً منتخباً.

على الرغم من ذلك، تؤمن منال بإمكانية تغيير هذا الواقع من داخل صفوف الحزب، وترى أن عملها متناغم مع عقيدة الحزب التقدمية، وأنها لا تستورد أي أفكار غربية كما اتهمها بعض المناصرين.

وتردّ غياب النساء عن مواقع القرار في الحزب إلى الحرب الأهلية ورواسبها، إذ اقتصر دور النساء أيام القتال على العمل الاجتماعي والصحي، و"راحت الحرب وأتى السلم، وظل الدور المنوط بالنساء اجتماعياً لا سياسياً"، متحدثةً أيضاً عن عوائق أخرى تتمثل في أن "الحزب السياسي ابن بيئته ومناصريه هم جزء من المجتمع الذكوري الأبوي".

واجهت منال ورفيقاتها هذا الصدام بين المنطلقات السياسية التي يتبناها الحزب من جهة، وبين التطبيق على مستوى القاعدة والمجتمع من جهة ثانية، إثر حملة المناصرة التي قمنَ بها في كانون الأول/ يناير 2021. أكثر ما استفزّ الأشخاص الذين شنّوا الحملة ضدّهن، حسب منال، كان تجرّؤ النساء على فتح موضوع الاغتصاب الزوجي، مع أن الحزب "يؤيد قانون تجريم الاغتصاب الزوجي".

تستذكر كيف أن مواقع التواصل الاجتماعي والدوائر الحزبية، المغلقة منها والعلنية، ضجّت بحملات هجوم وتشويه وتحريض لا سابق لها في تاريخ الحزب، وتعلّق: "العنف السياسي يُمارس بحق النساء فحسب. لم نشهد يوماً في تاريخ الحزب حملةً داخليةً بهذه الشراسة ضد أي رجل".

في تعليق كتبه أحدهم على فيسبوك، اتهم القيّمات على الحملة بالانحلال الأخلاقي، وطالب "الزعيم" وليد جنبلاط، رئيس الحزب، بـ"بإقالة كل مَن له صلة بهذا الانحطاط، وما يبثونه من قلة أخلاق على كافة الأصعدة، وأيضاً الانتباه لمَن أولاهم المسؤولية".

هذا التعليق يشكّل نموذجاً مصغراً عن نوع ردود الفعل التي واجهت الحملة والقائمات عليها، وحجمها، خاصةً منال، نظراً إلى موقعها في رئاسة المفوضية. ويوضح التعليق العديد من الإشكاليات، أهمّها إرجاع عمل النساء ضمن الحزب السياسي إلى سماح الزعيم لهنّ بتبوّء المناصب وعدّه وليّاً ومسؤولاً مباشراً عن تصرفاتهن.

زيادةً على ذلك، اتّهم البعض منال بالمساهمة في زيادة نسبة الطلاق ضمن البيئة الدرزية، وكالوا لها العبارات نفسها التي تُستخدم دائماً لإسكات النساء مثل "متسلطة"، و"كارهة الرجال"، و"مروّجة لأفكار الغرب".

في النهاية، أصدر وليد جنبلاط تصريحاً دعم فيه نساء الحزب في وجه ما أسماه "العقول المتحجرة". مجدداً، احتاجت النساء إلى غطاء "الزعيم" الأب وحمايته، لإضفاء شرعية على نضالهن داخل الحزب. وبذلك يبقى هامش الحرية الذي قد تتمتع به النساء مرهوناً بالقرار السياسي المتجسّد بشخص "الزعيم".

"لا رجال خلفهنّ" في مجلس النواب

"شرف المرأة ليس بين الرجلين، إنما في الرأس، وهذا ما لا تمتلكه أنتَ". هذا كان الرد الشهير لبولا يعقوبيان، النائبة المستقيلة من مجلس النواب اللبناني، على وزير المهجّرين السابق غسان عطا الله، بعد أن اتهمها على الهواء باستخدامها "أساليب غير أخلاقية" للوصول إلى مجلس النواب.

اتهام عطا الله غير المقرون بأي أساسات أو براهين، لم يكن الأول من نوعه في مواجهة يعقوبيان، سواء على الهواء مباشرةً، أو في الاجتماعات المغلقة والعلنية لمجلس النواب.

تغيّرت الأمور بعد انتفاضة 17 تشرين، وصار العمل السياسي متاحاً بشكل أكبر، وصارت لقضايا النساء أرضية أوسع بعد تعميمها إلى حد ما على خطابات المجموعات الناشئة

اشتهرت النائبة المستقيلة، وهي أول ممثلة لتحالف سياسي معارض لأحزاب السلطة الحاكمة تصل إلى الندوة البرلمانية، بردودها الصارمة على التصريحات والاتهامات الذكورية.

تختلف ساحة المواجهة بين بولا ومنال، ولكن التجربة بتفاصيلها متشابهة.

"في تاريخ العمل السياسي في لبنان، حتى أيام الحرب، لم يسبق أن تعرّض أحد لهجومات تطال تفاصيل حياته/ ا الشخصية كما حصل معي"، تقول يعقوبيان لرصيف22. تذكر تفاصيل بعض الهجومات والتعليقات الذكورية التي تلقتها خلال مسيرتها السياسية، مثل توجّه النائب عن كتلة الوفاء للمقاومة علي عمّار إليها، في إحدى جلسات مجلس النواب، بالقول: "أنتِ ريحانة ولستِ كهرمانة"، فردت بأنها ليست وردة أو عشبة، و"عم بحكيك بالسياسة ردّ بالسياسة".

في حادثة أخرى، وفي أثناء مقابلة تلفزيونية، علّق النائب عن تكتل لبنان القوي حكمت ديب، بأنها "مش حلوة لما تعصّب"، في محاولة منه للتقليل من أهمية المحتوى السياسي الذي تقدّمه. حسب يعقوبيان، نادراً ما تُوجّه إليها ردودٌ تتعلق بالمضمون السياسي وتحاكي القضايا التي تتطرق إليها، إنما كانت المواجهة دائماً تُركّز على مظهرها الخارجي، وطريقة كلامها، وحياتها الشخصية. وهي من ناحيتها رفضت أن تتهاون في الأمر، وكانت تتقصد أن تكون صارمةً في ردودها ووضع الأمور في نصابها، خصوصاً في المواضيع المتعلقة بالتمييز الجندري.

في مجلس النواب، كل ديناميكيات العلاقات تمرّ برئيسه نبيه برّي. يدير المجلس مثل "قائد الفرقة الموسيقية"، حسب توصيف يعقوبيان، والنواب تالياً مثل "تلاميذ في مدرسة الأستاذ"، والعلاقة الجيدة معه من شأنها أن تسهّل الحياة في "الصف النيابي".

تقول يعقوبيان إن بري احتار كيف يتعامل معها في البداية، فهو ليس متعوداً على مقابلة نائبات "لا رجال خلفهنّ"، وتشير إلى أنه استخدم سياسة الاستيعاب حيناً، والتجاهل حيناً آخر، والاسترضاء في حالات استثنائية، خاصةً بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

مجلس النواب اللبناني لا يزال مكاناً مغلقاً أمام النساء وطروحاتهنّ، ويظهر ذلك في القوانين التي يقرّها. حتى النساء المحسوبات على حركة أمل، حزب الرئيس بري، يصطدمنَ بهذا الواقع. في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، انسحبت النائبة عن حركة أمل، عناية عز الدين، من اجتماع للجان المشتركة، بعد أن لاقى اقتراحها للكوتا النسائية تجاهلاً ولم يُسمح حتى بمناقشته.

صرّحت عز الدين حينها بأن رئيس مجلس الوزراء قال إنهم "يريدون إبقاء المرأة في قلوبهم"، وقالت: "أحب أن أقول لكل السيدات في الأحزاب السياسية إن موضوع دعم المرأة ومشاركتها هو عنوان تجميلي عندهم، ولا أعتقد أن لديهم قناعةً بالموضوع".

وكانت جمعية "فيفتي فيفتي"، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد أنجزت مقترح قانون للكوتا النسائية يتناسب مع القانون الانتخابي الحالي، وينص على وصول كوتا نسائية نسبتها 20% إلى المجلس، وكوتا 40% للترشح على القوائم الانتخابية. وتبنّت عزّ الدين الطرح، ولم تنجح في فرض نقاشه لأكثر من دقيقتين، مع أنها جزء من كتلة نيابية وازنة.

راعيات للإرث لا وريثات

ليس مستغرباً غياب القدرة الفعلية للنساء على التأثير داخل مجلس النواب. هذه المساحة كانت تاريخياً حكراً على الرجال باستثناء حالات تمثيل نسائي معدودة، ارتبطت غالباً بالتوريث السياسي.

حصلت المرأة اللبنانية على حقها في التصويت والترشّح عام 1953، وكانت ميرنا البستاني أول امرأة تدخل الندوة البرلمانية عام 1962، مفتتحةً بوصولها نموذجاً طبع مسيرة النساء في مجلس النواب حتى أيامنا هذه، باستثناء حالات قليلة.

فالبستاني انتُخبت بالتزكية خلفاً لوالدها المتوفى النائب إميل البستاني، أي أن وصولها إلى مجلس النواب ارتبط بقرابتها برجل سياسة، وتقريباً هذا كان حال معظم النساء الواصلات إلى البرلمان.

تقول يعقوبيان إنها تُعدّ "من الحالات الاستثنائية"، كونها لا تأتي "لا من عائلة سياسية ولا ثرية"، ولا هي مدعومة من أي زعيم سياسي يضفي على مسيرتها السياسية "شرعيةً تقليدية".

من النساء الـ15 اللواتي وصلنَ إلى مجلس النواب منذ الاستقلال، أربع فقط لم يُنتخبن بالإنابة عن "رجال العائلة". بالإضافة إلى ذلك، كثيراً ما تشغل المرأة الموقع إلى أن يجهز الوريث الأول من الرجال، وهو غالباً الابن، كما كان الحال مع صولانج الجميل، أو نائلة معوّض، على سبيل المثال.

تتصل علاقة الموقع السياسي بالروابط الدموية والعائلية بشكل وثيق بقوانين الأحوال الشخصية، وأثَرها على موقع النساء في المجتمع، وتالياً في السياسة. ومع أن لبنان صادقَ على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (سيداو)، بتاريخ 21 نيسان/ أبريل 1997، إلّا أنه تحفّظ على الفقرات المتعلقة بقوانين الأحوال الشخصية والمساواة في منح الجنسية، الأمر الذي جرّد الاتفاقية من أهم مضامينها.

"اقتصر دور النساء أيام الحرب الأهلية على العمل الاجتماعي والصحي، وراحت الحرب وأتى السلم وظل الدور المنوط بالنساء اجتماعياً لا سياسياً"

خضوع قوانين الأحوال الشخصية لسلطة المحاكم الدينية يحتّم على النساء البقاء ضمن الهيكليات الذكورية، والعائلية والدينية، كما أنه يثبّت العائلة بطابعها الأبوي كوحدة أساسية لتنظيم المجتمع السياسي، وتالياً تكرّس هذه القوانين موقع الرجل كرأس العائلة، وتنقل النموذج نفسه من العائلة إلى الحكم والمراكز العامة، وتُقونن تصنيف النساء مواطناتٍ من الدرجة الثانية. لهذا فإن أسس موقع النساء في الفلك السياسي مشوّهة وغير عادلة، طالما أن دونيتها مكرّسة في القوانين.

في هذا السياق، تقدّمت يعقوبيان في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، باقتراح تعديل قانون يرمي إلى رفع تحفظات لبنان عن اتفاقية سيداو. يومها انتفضت النائبة عن تيار المستقبل رولا الطبش، في وجهها مصرّحةً: "أنا لا أقبل بهذه المساواة". بحركة ماكرة وتقليدية، وضعت السلطة الأبوية النساء في مواجهة بعضهن البعض، وصار الموضوع الحقوقي موضع سجال يُحمَّل وجهات نظر حتى بين أفراد الفئة المضطهدة عينها.

نسويات لا "وجوه نسائية"

لم تكن الطبش أول امرأة في موقع قرار تقف بوضوح في وجه مطالب أساسية لتحقيق المساواة الجندرية. في مرحلة سابقة، وقفت جيلبيرت زوين ضد مطالب الجمعيات النسوية الحقوقية الخاصة بقانون حماية المرأة من العنف الأسري، ولم تعترض من موقعها في اللجنة المشتركة على إجراء تعديلات جوهرية شوهّت القانون، وأنتجت نصاً لا يتجاوب مع تطلعات الناشطات في المجال.

كانت هذه المعركة مركزيةً في دفع زويا جريديني إلى الترشّح للانتخابات النيابية السابقة عن دائرة الشوف وعاليه. جريديني التي ترأس منظمة "كفى عنف واستغلال" منذ عام 2005، قررت الانتقال إلى العمل السياسي بشقّه التمثيلي بعد تجربة العمل على إقرار قانون العنف الأسري.

"واجهنا صعوباتٍ كبيرةً في طرحنا للقانون، واختبرنا بشكل مباشر تعامل السلطة مع قضايا النساء وطريقتها في فرض تسويات على قضايا حقوقية أساسية"، تقول لرصيف22. من هنا، أدركت وزميلاتها صعوبة انتزاع حقوق النساء في ظل التركيبة النيابية القائمة، وقرّرن خوض المعركة من خلال ترشيحها. "لسنا بحاجة إلى وجوه نسائية في موقع القرار فحسب، بل نحن نريد نساءً يحملن المطالب والخطاب النسوي ويناضلن لأجله"، تضيف.

وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، احتلّ لبنان عام 2021 المرتبة 112 من أصل 155 على مؤشر "التمكين السياسي للمرأة"، محدثاً تقدّماً ملحوظاً مقارنةً بالسنوات السابقة (147 في عام 2018).

لا يمكن التغاضي عن أثر تشكيل حكومة حسان دياب في كانون الثاني/ يناير 2020، بعد استقالة سعد الحريري وحكومته، على أثر الضغط الشعبي الناتج عن انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، في التقدّم المذكور. فقد ضمّت حكومة دياب للمرة الأولى ست وزيرات (30%)، من ضمنهنّ وزيرة للدفاع، لتصبح زينة عكر أول وزيرة دفاع في العالم العربي.

"خضوع قوانين الأحوال الشخصية لسلطة المحاكم الدينية يحتّم على النساء البقاء ضمن الهيكليات الذكورية، والعائلية والدينية، كما أنه يثبّت العائلة بطابعها الأبوي كوحدة أساسية لتنظيم المجتمع السياسي"

ولكن هذه الصورة المشجّعة حتماً في الظاهر، لم تنعكس إيجاباً على واقع النساء الفعلي، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يشهدها لبنان، إذ لم تحقق النساء أي مكاسب تُذكر إنْ في التمثيل السياسي، أو في القضايا اليومية والحياتية.

وسرعان ما سقطت حكومة دياب على دوي انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس 2020، وتشكّلت حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي لم تضم سوى امرأة واحدة، لتعود الصورة كما كانت.

"من أنتِ أصلاً ليكون لكِ رأي؟"!

منذ أن كانت طالبة علوم سياسية في الجامعة اللبنانية في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، كانت حليمة قعقور تحلم بالانتماء إلى حزب سياسي. حَضَرت الاجتماعات التمهيدية، وتصفحت الأنظمة الداخلية لمعظم الأحزاب السياسية، ولكنها لم تجد يوماً مكاناً لها في أي من الخيارات المتاحة حينها. استعاضت عن ذلك بالتطوع في منظمات غير حكومية من جهة، والتثقيف السياسي الشخصي والتدرّج الأكاديمي في مجالات العلاقات الدولية وحقوق الإنسان من جهة أخرى.

بقيت قعقور على هوامش العمل السياسي إلى أن استشعرت سنة 2015، مع الحراك الشعبي الذي انطلق احتجاجاً على أزمة النفايات، وتحوّل إلى حالة اعتراضية واسعة، وعُرف حينها بـ"طلعت ريحتكم"، بروز نواة لحركة سياسية علمانية تُمثّلها. وهنا، بدأت مسيرتها السياسية الفعلية، وبدأت معها التحديات المرتبطة حصراً بنوعها الاجتماعي.

عندما طرحت جمعية "نساء رائدات"، التي تعمل على تسليط الضوء على خبرات النساء الرائدات في مجالاتهن، اسمها للترشّح للانتخابات النيابية لعام 2018، لم تكن جاهزةً لخوض المعركة "لا مادياً ولا عائلياً ولا سياسياً" حسب قولها.

تُشدّد على أهمية التحدّي الاقتصادي الذي تواجهه النساء غير المدعومات من رجال أعمال أو سياسيين تقليديين وأصحاب رؤوس أموال، وعلى التأثيرات العائلية السياسية السلبية التي تضرب فرص النساء، فحتى القرية التي تتحدر منها المرأة قد تكون عائقاً أمام تقبّل الناس لها، لا سيما أن في دائرة قعقور الانتخابية، تحديداً المقعد السنّي في الشوف، جرت العادة أن يترشح رجلٌ من قرية شحيم، وآخر من برجا. وهنا، عندما طرحت نفسها، هي الآتية من قرية بعاصير الصغيرة، وغير المتزوجة، والتي لا تنتمي إلى عائلة سياسية، تعرّضت للهجوم، لأنها "لا تتماهى مع الأدوار التقليدية المرسومة للمرأة".

في السياق عينه، تستحضر حليمة إحدى مقابلاتها ضمن برنامج "كلام الناس"، وهو برنامج سياسي أسبوعي. سألوها فيه عن ملكيتها لـ"شاليه" على البحر. "لا أحد يتجرأ على مساءلة رجل أربعيني عن مصدر امتلاكه شقةً بسيطةً، بل يُعدّ الموضوع بديهياً"، تقول لرصيف22.

بقي حلم الانضمام إلى حزب سياسي يرافق قعقور إلى أن أسست مع مجموعة من الأشخاص حزب "لنا"، وهو حزب ديمقراطي اجتماعي أسسته مجموعة من الناشطين بعد انتفاضة 17 تشرين.

زينة الحلو، إحدى رفيقات حليمة في الحزب المذكور، شاطرتها الحلم والحسرة على غياب إطار سياسي يمثلها سابقاً. ولكن على النقيض منها، كانت لزينة تجربة حزبية سابقة "دامت 15 دقيقةً"، كما تروي لرصيف22.

في بداية التسعينيات، تأثرت زينة بشخصية ميشال عون القيادية بعد نفيه إلى فرنسا، وكانت تستمع باستمرار إلى كاسيتات خطاباته. رأت في خطابه خشبة العودة إلى كنف الدولة، بعد أن كبُرت وسط حكم الميليشيات في الحرب. رافقها هذا الاهتمام إلى أن قررت الانضمام إلى التيار الوطني الحر. حضرت في سنتها الجامعية الأولى اجتماعاً تمهيدياً للطلاب الجدد، وهناك سمعت تسجيلاً آخر لميشال عون. كان ذلك عام 1996، بعد حرب نيسان/ أبريل التي شنتها إسرائيل على لبنان، والتي لم يأتِ عون على ذكرها في التسجيل. زينة، الشابة المسيحية الجنوبية المتأثرة بالحرب والاحتلال، سألت الشاب المسؤول عن الموضوع، فأجابها بأن الأمر غير مهم، وليس أولويةً، وعندما خالفته الرأي قال لها: "من أنتِ أصلاً ليكون لكِ رأي؟". لم تنسَ زينة هذه الحادثة يوماً، وتقول إنها طبعت وجدانها السياسي. هي متأكدة من أنه لم يكن ليقول ذلك لرجل. وهكذا انتهت تجربتها الحزبية الأولى بعد 15 دقيقةً من بدايتها.

لم يختفِ نموذج هذا الشاب في مسيرتها السياسية، ففي كل محطة وتجربة هناك مَن يقلّل من أهمية رأيها فقط لأنها امرأة في مساحة يحكمها الرجال. اليوم هي أربعينية، متزوجة وأم لثلاث بنات، وأصبحت معالم تجربتها مختلفةً إلى حدٍّ كبير.

اختبرت التمييز البنيوي أيضاً في المجال المهني، حين اختير مرةً رجلٌ لترقية معيّنة على حسابها بسبب الجندر فحسب. برأيها، المرأة مؤلّهة في المجتمع طالما التزمت بموقعها التقليدي، في البيت والأمومة وحتى في التسلسل المهني غير القيادي، ولكنها لحظة تتخطى هذا المكان تبدأ شيطنتها.

واجهت تحدياتٍ مشابهةً بعد أن تبوأت منصب الأمينة العامة للجمعية اللبنانية لمراقبة الانتخابات (لادي)، وهي جمعية غير حكومية معنيّة بمراقبة الانتخابات والعمل على الإصلاح الانتخابي. واقع أنها امرأة، كان سبباً للاحتفال والافتخار في بداية استلامها المهمة، ولكنه ما لبث أن تحولّ إلى كابوس بعد رفضها "الخضوع لمحاولات التأثير والهيمنة من قبل بعض الرجال في المنظمة".

ترى زينة وحليمة في تجربة تأسيس حزب جديد، وضعتا ضمن أساساته مقاربةً جندريةً، فرصةً لخلق مساحة عمل سياسي آمنة تلاقي تطلعاتهما. التجربة ما زالت في بداياتها، وحتى الرجال من أعضاء الحزب بحاجة إلى بعض التوجيه للتخلّص من رواسب المجتمع الذكوري بشكل كامل، ولكن بالنسبة إليهما، الخطوة وفّرت على الأقل مساحةً تسمح بالنقد والمراجعة والبناء الجماعي المنطلق من أسس عادلة جندرياً.

النساء رهينات انتقال الاضطهاد بينهن؟

تردّ زينة قدرتها على المناورة والعمل السياسي إلى موقعها الصلب اقتصادياً، وامتلاكها لقرارها المستقل في المنزل. لم يتحقق ذلك من دون تحديات ومواجهات، توضح، فهي ترى أن حريتها لم تكن نتيجة تغيير مجتمعي للأدوار التقليدية، بل لقدرتها الفردية على تأمين مساعِدة منزلية. نقلت وظائفها داخل الأسرة إلى امرأة أخرى. يضيف ذلك بعداً إضافياً إلى درجات التمييز، إذ يبقى تحرر بعض النساء مشروطاً بنظام يضمن اضطهاد نساء أخريات اقتصادياً من خلال أدوات مختلفة من ضمنها نظام الكفالة، تبعاً لرأي زينة نفسها.

من هذا المنطلق، ترى الناشطة النسوية غنى العنداري، أن تحسين واقع النساء في الشأن العام مرهون بتغيير النظام السياسي من أساسه. بالنسبة إليها، تحسين موازين القوى ضمن قواعد لعبة النظام غير العادلة لم يدرّ على النساء منافع مباشرةً أو تغييرات جذريةً. ولكنها لا تنكر أهمية المكاسب الصغيرة وتراكم النجاحات السابقة التي تحققت بقوة نضال النساء خارج الأطر السياسية "الحزبية"، وكانت بأكثريتها نتيجة عمل قامت به الجمعيات التي لا تحمل صفةً سياسيةً بالمعنى المباشر أو التقليدي.

النسويات، بنظرها، لطالما نشطنَ في السياسة حتى في محطات غياب النساء الكامل عن مواقع القرار. تقول لرصيف22، إن "النضال النسوي من خارج المؤسسات التمثيلية نجح في إبراز ملفات وقضايا معيّنة، وبناء رأي عام مؤيد لها وتحديداً مواضيع العنف ضد النساء والتحرش والقانون الموحد للأحوال الشخصية".

قبل انتفاضة 17 تشرين، كانت غنى ناشطةً ضمن الأطر النسوية فحسب (الجمعيات غير الحكومية والمجموعات المؤلفة من ناشطات نسويات). لم تكن حينها السياسة في إطارها الأوسع، أي التنظيم السياسي الذي يعالج جميع القضايا السياسية ومن ضمنها قضايا النساء، متاحةً بالشكل الذي يرضيها.

تغيّرت الأمور بعد الانتفاضة، وصار العمل السياسي متاحاً بشكل أكبر، وصارت لقضايا النساء أرضية أوسع بعد تعميمها إلى حد ما على خطابات المجموعات الناشئة. في المقابل، ترى العنداري أن تبنّي المطالب الحقوقية الخاصة بالنساء لا يعني وجود مساحات آمنة وعادلة تنشط النساء سياسياً من خلالها، فـ"أينما كانت النساء ستواجه إسكاتاً وفوقيةً في التعامل وتنظيراً متكرراً من الرجال".

أجمعت جميع المتحدثات على أن 17 تشرين شكّلت نقطة تحوّل في تجاربهنّ السياسية وموقعهن السياسي. ولكن غنى تغوص في ما هو أبعد من نشوة المشاركة والصورة المشجعة لتصدّر النساء التظاهرات والتحركات. تقول إن الانتقال من لحظة المواجهة والثورة إلى مساحات التنظيم السياسي والاجتماعات المغلقة، حيث التخطيط والعمل التراكمي يُعيد الرجال إلى مواقعهم المكتسبة، فتظهر الفجوة بعمقها بين الجنسين. تستحضر صوراً من اجتماعات حضرتها، حيث الرجال عموماً يأخذون مساحات مهيمنةً حتى في طبيعة جلوسهم وصوتهم وحركاتهم. في المقابل، كثيراً ما تكون النساء أقليةً عددياً، ويكون موقعهن صورياً، فيما تبقى السلطة والقرار بيد الرجال.

معارك متفرعة... تهميش واحد

"أطلقوا على لائحة ‘طالب’ في الجامعة اليسوعية اسم لائحة المثليين والنساء"، تقول فيرينا العميل، الناشطة في شبكة مدى، وهي شبكة سياسية شبابية تضم أنديةً علمانيةً في جامعات ومناطق ونقابات، في حديثها إلى رصيف22، عن إحدى محطات العمل السياسي الطلابي. كان المرشحون على لوائح طالب في العام الدراسي 2021/ 2022، بأكثريتهم من النساء، فاستخدمت أحزاب السلطة ذلك لمواجهتهم وتشويه سمعتهم.

ولكن فيرينا تشير إلى أنه مع نجاح الأندية الطلابية العلمانية والمستقلة، ومراكمتها عملاً لسنوات، لم تعد هذه الإستراتيجية نافعةً، فتوجهّت الأحزاب بدلاً عنها نحو تبني ترشيح نساء وشخصيات أكثر اعتدالاً.

برأيها، مساحة العمل الجامعي أسهل إلى حد ما في المواجهة، لأن الأثر مباشر وواضح، والطلاب أكثر تقبلاً للأفكار والطروحات التقدمية، ويبقى التحدي الأكبر في الانتقال من التجربة الطلابية إلى المساحة السياسية الأوسع، حيث تضيق الخيارات ويكبُر حجم مواجهة النساء.

في الخارج، لا يزال الرجال إلى حدٍ كبير يمتلكون مفاتيح أبواب التنظيمات السياسية والتأثير السياسي، حتى في المساحات المعارضة والبديلة. ترى فيرينا أن الحل هو بوعي الواقع ومواجهة الترسّبات الذكورية بشكل فاعل، وتضامن النساء معاً لخوض معارك مشتركة.

لا يقف الأمر عند الأحزاب السياسية. النقابات أيضاً لا تزال عريناً ذكورياً محصّناً، إذ يُحكم الرجال قبضتهم عليها. جولة سريعة على مجالس النقابات وأعضائها كافية لإيضاح الصورة. حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والإدارة المركزية للإحصاء، تشكل النساء نسبة 52.6% من اليد العاملة في لبنان، بينما تبقى نسبة حضورهن في سوق العمل أقل من 30%. والنساء العاملات لا يتساوين مع الرجال، وهنّ مهمشات في الأجسام العمالية.

في المعركة التي خاضتها باسم تجمع نقابة الصحافة البديلة، من خلال ترشحها إلى عضوية نقابة المحررين في لبنان، واجهت إليسار قبيسي، بوتقةً من الرجال المهيمنين على النقابة منذ سنوات. هي لم تكن المرشحة الوحيدة، ومعركتها بطابعها كانت نقابيةً وعماليةً بامتياز، ولكن رمزية خوضها للمعركة منفردةً أضفت عليها خصوصيةً جندريةً معيّنة.

كما جرى مع لائحة طالب، وصل إلى التجمع الصحافي بريد إلكتروني يصفهم بتعبير "لواط اليَسار"، لتكون الهوية الجندرية والجنسية مجدداً محط إهانة في نظر البعض.

نقابة المحررين، كغيرها من الأجسام العمالية في لبنان، لم تشهد يوماً انتخاب نقيبة امرأة، وتحتل فيها النساء دائماً مواقع ثانوية. تسترجع إليسار ذكرى يوم الانتخابات حين طلبوا منها الوقوف من أجل الصورة التذكارية للمرشحات: "اصطفّت النساء المتحاربات في السياسة معاً، كصورة جميلة على هامش معركتهن السياسية الجدية".

حالياً، تتحضّر بعض النساء لخوض معركة الانتخابات النيابية المرتقبة في أيار/ مايو 2022، إما ترشحاً أو تنظيماً. ومع أن 17 تشرين شكّلت نقطةً فارقةً إيجابياً للكثير من النساء الناشطات في الشأن العام، إلّا أن طابع المعركة اليوم لا يزال محكوماً بالقوانين التمييزية نفسها وبقواعد اللعبة عينها التي يحكمها نظام ذكوري أبوي زعاماتي بامتياز.

ولكن الواضح أن النساء بتنوع معاركهن، موجودات على جبهات المواجهة المختلفة: التمثيلية منها والثورية، النيابية والطلابية والنقابية، الحزبية التقليدية والمعارِضة الناشئة. هذه الأرضية التي تعوّل على تراكماتها كثيرات من النساء للوصول ليس إلى تمثيل متساوٍ فحسب، بل إلى نظام سياسيٍ عادل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard