فلسطينيون في بلجيكا... كيف تبدو الحياة بعيداً عن الحصار والاحتلال والأنظمة القمعية؟

الخميس 3 مارس 202201:13 م

"قَدِمتُ إلى بلجيكا قبل خمس سنوات، بعد رحلة سير على الأقدام، قطعت خلالها الحدود التركية اليونانية. وعندما وصلت إلى مدينة بروكسل البلجيكية، كان يتملكني شعور غير مفهوم، ربما هو خليط من الصدمة والغربة ومحاولة إدراك أني بالفعل وصلت، وأني بالفعل أصبحت هنا"؛ هذا ما قاله لرصيف22، محمود عياش (32 عاماً)، من مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة.

ويختصر محمود بكلامه حال الفلسطينيين في أوروبا، الذين دفعتهم ظروفهم المعيشية والحالة السياسية التي يعيشونها، سواء في فلسطين أو في الشتات إلى الهجرة، وحسب وصفه: "لقد كانت رياح الوطن عاتيةً لدرجة أنها اقتلعت أحلام أبنائها فدفعتهم خارجها مجرّدين وتائهين يبحثون عن أحلامهم وعن آمالهم التي اغتالتها ظروف وطنهم".

"لقد كانت رياح الوطن عاتيةً لدرجة أنها اقتلعت أحلام أبنائها فدفعتهم خارجها مجرّدين وتائهين يبحثون عن أحلامهم وعن آمالهم التي اغتالتها ظروف وطنهم".

فجوة ثقافية واجتماعية

وفي وصفه لتفاصيل تجربة اللجوء، يقول محمود الذي يعمل مهندساً مدنياً: "بالنسبة إلي، الحياة هنا مختلفة، فبروكسل مدينة قاسية بلا روح، وعلى الرغم من أنها مدينة صغيرة، إلا أنها تحمل اختلافاتٍ كثيرةً، إذ يتحدث سكانها لغتَين مختلفتَين وتجوب شوارعها مئات الجنسيات والوجوه".

ويتابع: "بعد خمس سنوات من محاولات اختراق غموض هذه المدينة، أستطيع أن أقول إنني بالفعل نجحت وبدأت روحي تألفها، واستطعت أن أندمج إلى حدٍ ما، وذلك من خلال تعلّم لغة البلد والانخراط في العمل، والذي هو عبارة عن مواجهة يومية مع سكانها، وتالياً فرصة جيدة للتحدث معهم وفهمهم".

ويؤكد محمود أن الحياة هنا ليست كما "يُصوَّر لنا"، بل هي أشد تعقيداً وتحتاج إلى جهد، بدءاً من فكرة التأقلم والاندماج وانتهاءً بتكوين أسرة، ويتابع: "إنجاب أبناء أيضاً أمر صعب جداً، وتتمخض عنه مسؤولية كبيرة، فهذا الطفل سوف يكبر بين ثقافات وقيم مختلفة وتالياً يأتي دور الآباء في بناء هوية الطفل وهي مهمة ليست سهلةً في ضوء الانفتاح الكبير".

حنين إلى لمّة العائلة

وعلى الرغم من كل الامتيازات التي تقدمها هذه البلاد إلا أن سوزان سعيد (44 عاماً)، التي تعمل مدرسة لغة عربية في بلجيكا، تفتقد، على المستوى الشخصي، حياتها بكل تفاصيلها، ويومياتها ودفئها، فتقول: "أفتقد الأهل، والأصحاب، والجيران وعلاقات أهل الحارة، وأفتقد رائحة الهواء الممتلئ ببحر غزة، وأفتقد أصوات المارة والباعة، وأفتقد سهرات عائلتي وفضفضة أخواتي وتفاصيل كثيرة أدفنها في قلبي".

وتقارن بين الحياة الاجتماعية ولمّة العائلة والحارة في غزة، وبين الحياة المادية والاجتماعية الصعبة في بلجيكا التي وصلت إليها قبل عامين، ولا زالت علاقاتها فيها محدودةً، خصوصاً مع طقسها البارد جداً الذي يدفع الناس إلى الانطواء نوعاً ما، لا سيما أن أهل غزة غير معتادين على برودة الطقس مما يجعل التأقلم في هذا المكان ليس مهمةً سهلةً حتى على مستوى الطقس!

الفن كوسيلة للتمسك بالهوية الفلسطينية

أما فنان الغرافيتي حمزة أبو عياش (40 عاماً)، القادم من رام الله، فيرى الحياة من منظور مختلف تماماً. يقول: "هنا عالم الحريات العامة والفردية. هنا أنت مسؤول عن نفسك، وعن تصرفاتك، ولكل شيء هنا بريقه الخاص والقوي، وكأننا في عالم الأحلام، لكننا نعيش صدمة الحضارة بكل تفاصيلها، والاختلاف الكبير بين الشرق والغرب وبين التمسك بما تربينا عليه وتقبل الآخر كما هو".

ويضيف: "كانت هناك مجموعة من المحاذير لمواضيع كنت غير قادر على الخوض فيها في فلسطين، لأني لو خضت فيها لكانت لها تبعات خطيرة عليّ وعلى عائلتي بشكل أساسي، مثل قضايا السياسة والدين، ولكنهم هنا يدَعون الناس وشأنهم، ولا يتدخلون في تفاصيل حياتك اليومية. يكفي أنه لا يوجد احتلال هنا يطلب هويتك على الحاجز، ويمكنه أن يعتقلك في أي لحظة".

 "هنا عالم الحريات العامة والفردية. هنا أنت مسؤول عن نفسك، وعن تصرفاتك، ولكل شيء هنا بريقه الخاص والقوي، وكأننا في عالم الأحلام، لكننا نعيش صدمة الحضارة بكل تفاصيلها، والاختلاف الكبير بين الشرق والغرب وبين التمسك بما تربينا عليه وتقبل الآخر كما هو"

ويؤكد على أن الحرية في أوروبا تشبه الخيال بالنسبة إليه، فلا توجد محاذير على الثلاثي شبه المحرم في الشرق الأوسط، ألا وهو الدين والسياسة والجنس، وهي مواضيع تنطرح بشكل عادي جداً في هذا المكان، ويضيف: "الوعي مهم جداً في ظل مساحة الحريات الممنوحة هنا دينياً واجتماعياً حتى لا يقع اللاجئ في فخ الانسلاخ الكلي عن ثقافته أو الانفتاح اللا محدود".

ويحاول حمزة من خلال عمله الفني، أن يبرز الثقافة العربية بممارسته للخط العربي والعروض التي يقدمها عن طريق الديغتال غرافيتي، والذي يلقى إقبالاً من المجتمع الغربي ومن الجمهور العربي على حد سواء.

هنا أيضاً فلسطين قضيتنا

وعلى الرغم من البعد واللجوء ومحاولة الاندماج في المجتمع الأوروبي، إلا أن فلسطين تظلّ بوصلة اللاجئين الفلسطينيين، سواء جاءوا من غزة أو الضفة أو أراضي الـ48 أو حتى من سوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية.

ففلسطين حسب حديث سهاد زكي (46 عاماً)، هي المظلة الكبيرة التي تدور حولها النقاشات في كل اللقاءات والفعاليات. تقول سهاد: "أعرّف عن نفسي دوماً بأني فلسطينية من أراضي الـ48، وأعتقد أن على كل واحد منا أن يكون سفيراً لبلده، ليحكي عن الاحتلال وعن معاناتنا في كل البلاد، سواء في الضفة أو عن جرائم الاحتلال في القدس وخاصةً ما يجري الآن في حي الشيخ جرّاح".

وتضيف أن أهم الأشياء التي وجدتها هنا، هي قدرتها على الالتقاء مع كل الفلسطينيين من كل الدول، من لبنان وسوريا والعراق، وهو الأمر الذي كان يبدو قبل ذلك مستحيلاً إلا عن طريق منصات التواصل الاجتماعي.

 "لكننا اللاجئون الجدد الآن، وقد أتينا محمّلين بصور الحروب واللجوء والغرق والدم والفقر والقمع والثورات. نحن مولودون من رحم القمع والموت"

أعطتني حريتي وسلبت مني حياتي الاجتماعية

الأمر لم يكن هيّناً على سلافة (اسم مستعار)، وهي أربعينية جاءت من غزة وأم لثلاثة أطفال. تروي قصتها منذ خروجها من غزة، وتقول: "أنا منذ أربع سنوات ونصف أعيش في بلجيكا. غادرت عن طريق التهريب ومررت بأربعة بلاد، مصر وتركيا واليونان واسبانيا، وسُجنت ثلاث مرات".

وتستدرك: "لكن أوروبا بالنسبة إلي ليست كما تخيّلت، فأنا هنا عاملة في مصنع، والحياة ليست ورديةً. أوروبا تمنحك حريتك لكنها تأخذ منك روحك. الحياة هنا باردة وكئيبة. ما تكسبه تنفقه مباشرةً، لكنني هنا كسبت مستقبل أولادي لأنه ليست هناك حياة حقيقية في غزة".

سلافة التي وُلدت في الجزائر، وعادت لتمضي شبابها في غزة، ثم هربت من مدينتها لتبحث عن حياة آمنة بعيداً عن الحروب والفقر، باتت اليوم معلّقةً بين حياة الاستقرار في أوروبا وبين الحنين إلى عائلتها. تضيف: "عندما أتذكر عائلتي وصديقاتي، أبكي لأنني أشتاق إليهم، وأعجز عن تكوين حياة اجتماعية في أوروبا".

وتحاول سلافة التمسك بتراثها الفلسطيني إذ تشارك في فعاليات تراثية، وتقول عن ذلك: "أرسلت ابنتي إلى رومانيا للمشاركة في مهرجان عن فلسطين، ودعوتُ معلّمتي لتتذوق المقلوبة، كما أنني حريصة على صنع الكعك في المناسبات، ودعوة الأصدقاء لتذوق المسخّن الفلسطيني، وعلّمت أبنائي الموسيقى والأغاني التراثية حتى أزرع فيهم الثقافة والتراث الفلسطيني".

لاجئون من رحم القمع والموت

ومن الضفة إلى غزة إلى فلسطينيي سوريا، الحال لا يختلف كثيراً. فراس أبو دبوسة (35 عاماً)، فلسطيني سوري من سكان الشام القديمة عاش في دمشق حياة القهر والرقابة السياسية، حسب تعبيره، وعن ذلك يقول: "هناك يوجد شرطي على تفكيرك".

يقول فراس الحاصل على شهادتَي ماجستير في العلوم السياسية: "في سوريا كان الرقيب الديني والسياسي والاجتماعي حاضراً بقوة، وهامش الحرية شبه معدوم. حتى الدردشة البسيطة مع صديق في الوضع السياسي قد تؤدي إلى اعتقالك ووضعك في غياهب السجون من دون أن يعرف أهلك عنك شيئاً، ومن دون محاكمة، فالاقتراب من النظام الحاكم أشبه بالانتحار، على العكس هنا حيث توجد مساحة واسعة من الحرية في إبداء الرأي، وهذا بحد ذاته يساعدنا على التفكير الحر والإبداع من دون قيود".

وعن الحفاظ على الهوية العربية والفلسطينية، يضحك فراس بسخرية ويقول: "إجمالاً التقاليد العربية للّاجئين العرب القدامى، شبه مجمّدة، فهم مكتفون بالحفاظ على اللباس والأكل وبعض العادات، لكننا اللاجئون الجدد الآن، وقد أتينا محمّلين بصور الحروب واللجوء والغرق والدم والفقر والقمع والثورات. نحن مولودون من رحم القمع والموت".

على الرغم من البعد واللجوء ومحاولة الاندماج في المجتمع الأوروبي، إلا أن فلسطين تظلّ بوصلة اللاجئين الفلسطينيين، سواء جاءوا من غزة أو الضفة أو أراضي الـ48 أو حتى من سوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية

احترام الاختلاف

تجربة أوروبا عند محمد شحادة (33 عاماً)، تمثّلت في الحرية الاجتماعية والدينية، وعن ذلك يقول: "حافظنا على التقاليد العربية لأننا تربينا في مجتمعات قائمة على العيب والحرام. أما هنا، فلدي حرية الاختيار. الأمر ليس مفروضاً عليّ، لكنني أختار تديّني وتربيتي، وفي المقابل احترم رغبات غيري، سواء تعلق الأمر بالعلاقة خارج إطار الزواج، أو بشرب الكحول، أو غيرها من أمور الحياة، فكل شخص حرّ بنفسه".

محمد من فلسطينيي لبنان، حاصل على بكالوريوس إدارة أعمال جاء إلى بلجيكا عام 2018، وحسب قوله، جاء عن طريق التهريب ودفع مبلغاً مالياً حتى يصل إلى بلجيكا التي حصل فيها على الإقامة مؤخراً.

ويشير محمد إلى أنه يجد الكثير من الاختلاف بين أبناء فلسطين في أوروبا، ولكنهم في النهاية يجتمعون على مبدأ واحد، وهو حب فلسطين ومحاولة إيصال صوتها إلى العالم. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard