الجزائر بعيون السينما الفرنسية... حرب الصورة وتأصيل المفاهيم المغلوطة

الاثنين 28 فبراير 202203:35 م

ثمة علاقة وطيدة بين طريقة تعاطي باريس مع الجزائر، وما تقدّمه السينما الفرنسية، فبقدر التصريحات العدائية التي تصدر من مسؤوليها بين الحين والآخر، والتي تأخذ في غالب الأحيان منحىً تصاعدياً خطيراً يصل إلى درجة قطع العلاقات بين البلدين، تنتجُ دور السينما أفلاماً وثائقيةً تقدّم صوراً مغلوطةً عن الجزائر وسكانها بما يتماشى ومصالح فرنسا.

وفي ظل الأشواك التي تخز الأقدام على خط الجزائر باريس، تراكم السينما الفرنسية أفلاماً وثائقيةً تحوم حول مواضيع الثورة، سواء قبل تحرير الجزائر أو بعد تحريرها، وعن العشرية السوداء التي شهدتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي، والحراك الشعبي الذي اندلع في 22 شباط/ فبراير الماضي، وكُلها تفتقد الموضوعية والمقاييس الفنية الصحيحة.

 من "الجزائر حبيبتي" إلى "الجزائر سرّي"

ويبدو أن فرنسا كرّست السينما جنباً إلى جنب مع سياستها تجاه الجزائر، من خلال تقديم بعض المفاهيم والصور المغلوطة عن التاريخ الجزائري عبر أفلام وثائقية تحمل عناوين دونيةً تثير في كل مرة غضب الجزائريين، كالفيلم الوثائقي الذي بثتهُ القناة الفرنسية-الألمانية "آرتي"، المكوّن من أربع حلقات تحت عنوان "الجزائر سرّي... من يقتل من؟"، الذي يروي حكاية اختطاف تاجر أسلحة ألماني، والتحقيق المعمق الذي فتحه ملحق في السفارة الألمانية يكتشف أن القضية أكثر تعقيداً مما تبدو، وأن الخاطفين ليسوا من الجماعة الإرهابية، وإنما للأمر صلة بصفقات الفساد إذ ربط قياداتٍ أمنيةً جزائريةً تظهر ببدلات الجيش الجزائري، بذلك.

وتضمّن المسلسل تصريحاتٍ سابقةً لبعض الضباط العسكريين الجزائريين المنشقين الموجودين في الخارج، ما دفع بالسلطات الجزائرية إلى اتهام وسائل الإعلام الفرنسية بالرغبة في العودة إلى إثارة الجدل حول من يقف وراء عمليات القتل التي كانت تشهدها البلاد خلال فترة التسعينيات.

يبدو أن فرنسا كرّست السينما جنباً إلى جنب مع سياستها تجاه الجزائر، من خلال تقديم بعض المفاهيم والصور المغلوطة عن التاريخ الجزائري عبر أفلام وثائقية تحمل عناوين دونيةً تثير في كل مرة غضب الجزائريين، كالفيلم الوثائقي الذي بثتهُ القناة الفرنسية-الألمانية "آرتي"

العمل التلفزيوني الذي قالت القناة الذي بثته إنه "يحبس الأنفاس"، وإن تطوراته وأحداثه تدور حول السياسة الواقعية، أظهر الجزائر وكأنها دولة "معادية"، وبلد "فاسد" لا مكان للحكم فيه إطلاقاً، يضم "شلةً عسكريةً شريرةً"، ومعارضين لطفاء"، معظمهم من المحسوبين على التيار الإسلامي في البلاد.

وقبل "من يقتل من؟"، عرضت القناة الفرنسية الخامسة في 12 تموز/ يوليو 2020، فيلماً وثائقياً آخر بعنوان "الجزائر حبيبتي" للصحافي والمخرج الفرانكو جزائري مصطفى كسوس، رصد يوميات مجموعة من شباب حراك شباط/ فبراير، ويكمن سبب الاستياء والرفض في المشاهد التي أظهرت الشباب المشاركين في الحراك وهم يتعاطون الكحول وتسليطه الضوء على الكبت الجنسي، كما يُظهر فتيات يدخنّ، بالإضافة إلى ذلك لُخصت مطالب الحراك في بحث الشباب عن الحرية خارج القيود الاجتماعية، وأيضاً تعليقات أخرى تحذر من التطرف الإسلامي في إشارة إلى ما حدث في تسعينيات القرن الماضي.

حرب الصورة

يقول المخرج وكاتب السيناريو والناقد السينمائي الجزائري، جمال محمدي، لرصيف22، إن حرب الصورة بين الجزائر وفرنسا لم تتوقف منذ الاستقلال إلى اليوم، فتعاطي باريس مع التطورات التي شهدتها الجزائر المستقلة لم يكن ليعجب وينال رضا مستعمر الأمس الذي عمل كل ما في وسعه من خلال توظيف البندقية والصورة معاً، من أجل العودة إلى صورة الجزائري في السينما الفرنسية في أثناء فترة الاحتلال.

ويعتقد جمال محمدي، أن السينما الفرنسية منذ نشأتها على يد الأخوة لوميار، وإلى غاية خطّ هذه الأسطر، كانت تنتج أفلاماً لا فائدة منها، لا سيما تلك التي تم تصويرها في شمال إفريقيا (الجزائر وتونس والمغرب)، فقد كانت غارقةً في أفلام "الفانتازيا" والقصص "الركيكة"، ومعظمها أُنتج بغرض الدعاية وتلميع صورة الاستعمار الفرنسي وتستثني محتوياتها ومواضيعها، فهي تحاول طمس هوية الشعب الجزائري وفي أحسن الأحوال تبرز هذا العربي "الأنديجان" بصورة ذلك المتخلف والهمجي، في الوقت الذي كانت فيه أمريكا تنسج من التراث والتجربة الإنسانية أفلاماً ذات مضامين جمالية وفنية عالية المستوى.

"حرب الصورة بين الجزائر وفرنسا لم تتوقف منذ الاستقلال إلى اليوم، فتعاطي باريس مع التطورات التي شهدتها الجزائر المستقلة لم يكن ليعجب وينال رضا مستعمر الأمس الذي عمل كل ما في وسعه من خلال توظيف البندقية والصورة معاً، من أجل العودة إلى صورة الجزائري في السينما الفرنسية في أثناء فترة الاحتلال"

ووفق جمال محمدي، فإن موضوع السينما وخطاب الصورة يتماشى تماشياً مع المعطيات السياسية لكلا البلدين، مع وجود فارق بسيط وهو أن فرنسا لا تُقر إطلاقاً بحقيقة الانتصار المستحق وشرعية الثورة التحريرية إلى اليوم، خاصةً في الأعمال التي تنتجها القنوات الرسمية الفرنسية عكس بعض الأعمال السينمائية الفرنسية التي كان مخرجوها يحاولون التطرق إلى ذاكرة الجزائر الثورية أو الذاكرة الجماعية بذكاء وحذر، أو ما يُطلق عليه المعالجة المتزنة للمقاربة التاريخية بين الجزائر وفرنسا، ويمكن الاستدلال هنا ببعض هذه الأفلام التي تناولت الثورة الجزائرية بنوع من المصداقية الإنسانية كما في فيلم "العدو الحميم"، للمخرج فلوران إيميليو (2007)، الذي تطرق للمرة الأولى إلى استعمال "المحرمة" في أثناء الثورة، أو أفلام المخرج ألكسندر أركادي، بالأخص في فيلم "فضل الليل على النهار" (Ce que le jour doit à la nuit)، الذي يحيلنا في قصة تاريخية وعاطفية جارفة إلى سنة 1939، لكن الأحداث في هذا الفيلم كانت أقوى من الحب ومن العاطفة.

وفي هذا الشق يستدل المخرج والناقد السينمائي الجزائري بفيلم آخر ظهر عام 1981، "شرف قائد"، للمخرج الفرنسي بيار شواندو أرفير، ويدين التعذيب والبطش في حق المقاومين والمجاهدين الجزائريين في أثناء الثورة، وبوثائقي آخر "في ظل الحرب" عن قصة سرية للنزاع الفرنسي الجزائري للمخرج الفرنكو جزائري، صالح لادي، الذي يتناول قضية اختطاف الزعماء الخمس عام 1956. في هذا الوثائقي يتكلم المخرج ويدين صراحةً القرصنة للمرة الأولى في السينما.

تأصيل للمفاهيم المغلوطة

"لعقود من الزمن، كانت فرنسا تموّل الأفلام التي تشكك في هوية الجزائري، بهدف الإبقاء على الشرخ الذي يعيشه الفرنسيون المولودون في الجزائر من الفرنسيين، والمعادلة نفسها لإظهار المعاناة النفسية التي يجدها الجزائريون الذين أُجبروا لسبب أو لآخر، على العيش في فرنسا والعكس صحيح، ليبقى صراع الهوية وإحساس الانتماء يشكّل تجاذباً في الإنتاج السينمائي لمرحلة الثمانينيات وإلى اليوم".

"فرنسا عملت ومنذ بداية احتلالها للجزائر على تكريس السينما جنباً إلى جنب مع الآلة العسكرية، وذلك لخدمة أهداف إستراتيجياتها القائمة على نزعة التسلط في صراعها مع الأهالي"

في خلاصة عابرة، يقول جمال محمدي، إن السينما الجزائرية أصبحت اليوم تسير في فلك فرنسا المفلسة سينمائياً، فبمقارنة بسيطة مع تتويجات الأفلام العالمية في هذه الفترة، نجد أن فرنسا سينمائياً كانت خارج المنافسة تماماً، مثلما يحدث للسينما الجزائرية اليوم بعد 40 سنةً ليس خارج المنافسة وحسب، بل خارج الأطر السينمائية، وهذا بفعل الهيمنة الفكرية والإنتاجية الفرنسية على السينما الجزائرية منذ الاستقلال إلى اليوم.

ويقول الأستاذ في كلية الآداب واللغات في جامعة محمد خيضر في الجزائر، سليم بتقة، في مقال مطوّل، إن فرنسا عملت ومنذ بداية احتلالها للجزائر على تكريس السينما جنباً إلى جنب مع الآلة العسكرية، وذلك لخدمة أهداف إستراتيجياتها القائمة على نزعة التسلط في صراعها مع الأهالي.

فأهداف السينما الفرنسية تتمحور حسب الدكتور سليم بتقة، على محاولة تأصيل بعض المفاهيم المغلوطة عن حقائق الصراع الدائر في الجزائر بالإضافة إلى محاولة تقديم صورة هي أبعد ما تكون عن الحقيقة لملامح ذلك الصراع، معتمدةً في ذلك على تقنيات التأثير السينمائي على ذهن المشاهد.

ويضيف الدكتور سليم بتقة، أن السينما الفرنسية جعلت من المستعمر في شمال إفريقيا وبقية الإمبراطورية إنساناً فاقداً للغيرية الطبيعية لدخول الحياة الأوروبية في المدار الاصطناعي للأنا، وصورته على أنه مُجرد شخصية بكماء أو كومبارس يظهرُ في الحالات العجائبية، فهو يفتقد هويته واستقلاله.

ونقل بتقة عن المؤرخ عبد الغني مجربي، قوله في هذا الخصوص إن جنون المستعمر هو أكبر من الصورة المنعكسة بوضوح في مشروعه للهيمنة، فحلمه إخضاع الآخر والسيطرة عليه، وهو الذي فقد أرضه ومن ثم ينبغي أن يفقد روحه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard